في أحد المجالس التي جمعتني بمعالي الشيخ الدكتور محمد بن عبد الكريم العيسى، دار بينه وبين أحد كرادلة الفاتيكان حوارٌ تشعّبت موضوعاته، واتسعت آفاقه. كنت أتابع الحديث، وأرقب كيف تفتح المعرفة أبواباً قد تعجز عن فتحها المجاملات. وحين انتهى المجلس، عبّر الكاردينال عن دهشته من إحاطة العيسى بتاريخ المسيحية ومعارفها، قائلاً إن معاليه يعرف عنها أكثر مما يعرف كثيرٌ من أبنائها.
بقي ذلك المشهد في ذاكرتي؛ ففيه شيءٌ من سرّ هذه الشخصية: معرفةٌ واسعة، وحضورٌ هادئ، وقدرةٌ على مخاطبة الآخر من داخل أسئلته، وباللغة التي تُشعره بأن أمامه من يفهمه ويحترمه.
ومن مثل هذه المواقف، بدأتُ، قبل مدة ليست بالقصيرة، أضع العناوين الرئيسة لكتاب اخترت له اسماً موجزاً: «مع العيسى». أردته نافذةً على جوانب من حياة ومسيرة معالي الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي، رئيس هيئة علماء المسلمين، ووزير العدل السابق؛ وهي مسيرة يصعب أن يحيط بها مقال، مهما اتسعت مساحته.
وقد وجدتُ في الكتابة عنه فرصةً لتسجيل ما عرفته فيه عن قرب، وما شهدته من مواقف تكشف عن الإنسان خلف المسؤولية، وعن الفكر الذي يوجّه العمل، وعن الخُلق الذي يمنح الإنجاز معناه.
أول ما يلفتُكَ في الدكتور العيسى تلك الألفة التي يصنعها حضوره. تجالسه، فيخيّل إليك أن المعرفة بينكما أقدم من اللقاء؛ يستقبلك ببشاشة، ويصغي باهتمام، ويضع الطرفة في موضعها، من غير أن تفقد الجلسة وقارها أو الحديث جديته. وفي هذه التفاصيل الصغيرة تتجلى خصالٌ كبيرة: تواضع العالم، وأدب المحاور، واحترام الإنسان.
وحين ينتقل الحديث إلى مسائل العلم والفكر، تنكشف سعة قراءته وعمق نظره. يستحضر الدليل، ويصل المسألة بأصولها، ويعرض رأيه ببيان يجمع الوضوح وحسن الاستدلال. وقد رأيت كيف تساند ثقافته المتنوعة معرفته الشرعية؛ فتمنحه قدرةً على تقريب المعاني، وفهم السياقات، والوصول إلى مستمعين تتباين خلفياتهم الدينية والثقافية.
وأذكر، في هذا السياق، لقاءً سألته فيه صحفية من الفاتيكان عن وصف غير المسلمين بالكفار. كان سؤالاً محمّلاً بما قد تتركه الكلمات من انطباعات حين تُنقل خارج سياقاتها. فتناول معاليه الدلالة اللغوية للمصطلح واستعمالاته، وشرح الفروق التي يحتاج إليها فهمه، مستشهداً بمواضع من القرآن الكريم، ومنها قوله تعالى: ﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾، حيث يُراد بالكفار في هذا السياق الزُّرّاع.
كان يتدرج في الشرح، ويفكّ ما التبس من المعنى، ويمنح السؤال حقه من العناية. وفي نهاية الحديث، رأيت الدمع في عيني الصحفية. لا أجزم بما دار في نفسها، لكن المشهد بقي عندي شاهداً على ما يستطيع البيان الهادئ أن يبلغه من النفوس، وعلى حاجة الحوار إلى علمٍ يصحبه احترام.
وللعيسى صلةٌ وثيقة باللغة والأدب، تظهر في فصاحة حديثه وسلاسة عبارته وحسن اختياره للكلمة. ففي خطاباته قدرةٌ على حمل الفكرة إلى جمهور متنوع، وفي مجالسه مساحةٌ للأدب والشعر وشؤون الثقافة والحياة. وتلك سعةٌ تُغني شخصية المسؤول، وتمنحه أدواتٍ أرحب لفهم الناس والتواصل معهم.
أما في الإدارة، فقد عرفت فيه الحزم والجدية، والرغبة المستمرة في التطوير. وخلال توليه وزارة العدل، شهد العمل العدلي خطواتٍ نحو التحديث والتوسع في الخدمات الإلكترونية، وشهدت تلك المرحلة إتاحة ممارسة المرأة السعودية مهنة المحاماة. وكانت هذه التحولات تعكس اهتماماً بتطوير المؤسسة، وتيسير خدماتها، وتوسيع مجالات المشاركة فيها.
ومع توليه الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي عام 2016م، اتسع ميدان هذه الخبرة إلى فضاء عالمي، تتعدد فيه الأديان والثقافات، وتتداخل فيه قضايا الهوية والمواطنة والسلام. وفي هذا الميدان، برز اهتمامه بالحوار، ومواجهة التطرف وخطاب الكراهية، وتعزيز فرص التعاون بين الشعوب.
ومن الأفكار التي استوقفتني في خطابه تأكيده مسؤولية الأقليات المسلمة تجاه المجتمعات التي تعيش فيها؛ فالاعتزاز بالدين يقترن باحترام الأنظمة والوفاء بمقتضيات المواطنة، والمطالبة بالحقوق تسلك الطرق المشروعة التي تكفلها القوانين. وهو طرحٌ يعين المسلم على أن يكون شريكاً فاعلاً في مجتمعه، واعياً بحقوقه وواجباته، محافظاً على ثوابته.
وقد حمل العيسى هذه الرؤية إلى محافل دولية عديدة، والتقى قياداتٍ دينية وسياسية وثقافية، وشارك في لقاءات كبرى، من بينها ملتقى ريميني في إيطاليا ولقاءات جماعة سانت إيجيديو. كما جاءت لقاءاته بالبابا فرانسيس ضمن مسار التواصل والحوار. وكان ما لقيه من تقدير وتكريم في دول ومؤسسات مختلفة تعبيراً عن الصدى الذي بلغته جهوده في هذا المجال.
وتبرز «وثيقة مكة المكرمة» محطةً مهمةً في هذه المسيرة. فقد انبثقت عن مؤتمر «قيم الوسطية والاعتدال»، الذي نظمته الرابطة برعاية كريمة من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وجمعت حولها علماء وشخصيات إسلامية من بلدان ومذاهب متعددة. وحملت مضامين تؤكد كرامة الإنسان، وترفض الظلم والإرهاب، وتدعو إلى التعايش واحترام التنوع.
وفي الاتجاه نفسه، جاء «ملتقى القيم المشتركة بين أتباع الأديان» في الرياض، ليفتح مجالاً للبحث عن مساحات التعاون، وترسيخ القيم التي يحتاج إليها الناس في حياتهم المشتركة. وتكمن أهمية هذه اللقاءات في ما يمكن أن تؤسس له من معرفة متبادلة، وما تتيحه من فرص لتحويل النيات الطيبة إلى عمل.
وللعمل الإنساني في هذه الصورة مكانٌ أصيل. فرسالة الرابطة تصل أيضاً إلى مريض ينتظر العلاج، ويتيم يحتاج إلى الرعاية، وقرية تبحث عن الماء، وطالب يرجو فرصةً للتعلم. ومن برامج مكافحة العمى والرعاية الصحية إلى كفالة الأيتام، وإنشاء المرافق التعليمية، وحفر الآبار، تكتسب الدعوة إلى الرحمة صورتها المحسوسة في حياة الناس.
هذه بعض الملامح التي أرجو أن يتسع لها كتاب «مع العيسى»: مواقف عشتها، وخصال عرفتها، وجهود تستحق التأمل والتوثيق. ولعل أكثر ما يشدّني إلى هذه التجربة اجتماع العلم وحسن التواصل، واقتران الفكرة بالسعي إلى تنفيذها؛ فالكلمة تبلغ أثرها حين يسندها خُلق، والمبادرة تنمو حين يحملها إيمانٌ بقيمتها ومثابرةٌ على إنجازها.
وإلى أن يرى الكتاب النور، تبقى هذه الصفحات تحية تقدير لرجلٍ رأيت في مسيرته حرصاً على أن تكون المعرفة سبيلاً إلى التفاهم، وأن يمتد أثرها إلى خدمة الإنسان. وأسأل الله أن يوفقه إلى كل خير، وأن يهب عالمنا مزيداً من العدل والطمأنينة والسلام.
0
