إيوان مكة

ما فاتَ أوانه

ما هِيَ قصتك يا عَمّ ؟
 
‫سألَ الرجل العجوز الذي أكل الزمن عليه وشرب، المنفرد بزاوية بالقهوة، المواري لعينه الدامعة الذابلة الجفن، خلف عدسة نظارته السميكة الشبيهة بحجر الألماس قبيل صقله… كانت الكآبة الجنائزية تتضح من بقية معالم وجهه.
‫ما هِيَ قصتك يا عَمّ ؟
 
‫عاودَ سؤاله حين لاحظ تشابك أصابع أياديه الراجفة كالضفيرة حول كأس الماء. وهو يحدق بوسطه سارحاً غير مكترثاً للزحام… كانت يده مليئة بظاهرها بِحُبيبيات الكلف البُنيّة الشبيهة بالأحجار المتناثرة.
 
‫ما هِيَ قصتك يا عَمّ ؟
‫قالها تارةٌ أخرى مُصِرَّاً حين انهمرت دمعةٌ يتيمة متخذة مجراها من أحافير تجاعيده الشبيهة بخريطة المتاهة… كانت تجاعيده عبارة عن سهولٌ وطُرُقٌ وعرةٌ غابية
 
‫قصتي يا أبني مع الحياة ….
 
‫كقصة من يرتدي حذاءٌ لا يتناسب مع طريقه الزلق
‫كحسرة من ينظر إلى الأرض حين تُضيء السماء،
‫وينظر للسماء حين الأسرجة تنطفئ.
‫كخيبة هذه الذبابة التي وقعت على ما هُوَ حلوٌ.. ولكن دبق !!
قالها وهو ينظر إلى الحشرة النافقة وهي تطفو بسطح مشروب اللاتيه !!
ثم أستكمل :-
 
‫كمطرٌ أسود أستسقاهُ مزارعٌ بصلاته الأخيرة بتلك الليلة الكهباء
‫ أو كمنديلٌ ممزق مُلقى على رصيف العابرين بدموع تلك السماءِ مُنكفئ.
‫كغصةٌ وقفت بالحلق كالمسمار، تأبى أن تُبلع وتأبى أن تندلق.
‫كصرخة سخطٍ عظيمة، لا صوت لها وبلا وجهة تجوب الفضاء،
‫ كرجلٌ هزيل سقط من ذلك الفضاء ولم يمت، رغم الجشائب والعظام الناتئ
‫كضليلٌ باغتهُ جفاف في وسط البقعة الصفراء،
الذي رأى على جذبة التجليّ الألوهي بشكل واحة يخطو أليها بأقدامٌ تطلقُ طليق،
والسماء من فوقه تزدادُ ضيق، يُتمتم أملاً بكلمات العتيق .
‫قصتي مع الحياة يا أبني كقصة أعمى لا يُفرّق بين ظُلمة منامه وصحوته،
كالأعمى حين تتبعثر نظراته بكافة الأنحاء مفتشاً عن … اللاشيء، طول أيامه.
نحن في هذه الحياة عُميان يا أبني .
 لا نبصر إلا على أثرٌ رجعيّ، لا نُبصر إلا ما فاتَ أوانه .
‫قطعت أفكاره ذبابة أخذ يهشها بأياديه الثقيلة، متلاشيةٌ برفقة ما يتخالج بصدره ويتوارد..قدم الجرسون إليه بفاتورة الحساب. أخرج الرجل العجوز الوبر من جيبه معلناً إفلاسه .
– الحساب عليّ يا عميّ
‫- شكراً يا أبنيّ ، ولكن هل فهمت شيئاً مما قلت ؟
– كلا يا عمّي
– أشرب من هذا الماء فغدًا ستعيش إحساسي وسيدور بك الزمن في كأسي.
 
ثم ولى الرجل العجوز يجرُّ خطاه , مترنحاً على شفير اليأس، بجسده المدعوك بالمواجع بذاكرته المليئة بالندوب. تاركاً من خلفه الرجل السائل مدهوشاً بدوامة كأس الماء من بعده … كان الكأس نافذة تطلُ على ….
ما فاتَ أوانه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى