حوارات خاصة

السفير محمد أحمد طيب: هذه قصة حياتي الشخصية والدبلوماسية

ولد في مدينة مكة المكرمة، وترعرع في إحدى أشهر حاراتها الشعبية فنهل من ثقافتها الدينية وعاداتها وتقاليدها المحافظة وتعلم في مدارسها وجدّ واجتهد حتى حصل على أعلى الدرجات العلمية؛ ليسافر بعدها إلى عدد من الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية طلبًا للمزيد من العلم قبل أن يعود ويتدرج في الكثير من الوظائف داخل المملكة وأبرزها ما كان في وزارة الخارجية.

إنه المدير العام السابق لفرع وزارة الخارجية في منطقة مكة المكرمة السفير محمد بن أحمد طيب، والذي تنتقل معه صحيفة “مكة” الإلكترونية في رحلة حوارية تستعرض أبرز محطات حياته والمواقف الإنسانية التي عاشها ومنها الطريفة واللطيفة والغريبة والحزينة.

1- في البدء نتعرف على ابن مكة المكرمة؟

– يسرني أن التقي بكم عبر صحيفة مكة الالكترونية اسمي محمد بن أحمد بن حسن طيب.

2- في أي حارة كانت نشأتكم سعادة السفير ؟

 – ولدت في مكة المكرمة في حي المُدّعى عام ١٣٧١هـ، والذي أصبح نطاق المسجد الحرام وانتقلنا إلى حي النزهة بعد التوسعة الأولى للمسجد الحرام وكان الحي عبارة عن صحراء فلم يكن فيه إلا  5 أو  6بيوت فقط .. !! وكان عمري حينها خمس سنوات تقريبًا .

3-أين تلقيتم تعليمكم سعادة السفير ؟ 

– دخلت مدرسة الرحمانية الابتدائية في عمارة النجوم في حارة القرارة وبعد  3 سنوات نقلت إلى المدرسة النموذجية في حي أجياد مع إخواني الذين عادوا من مصر حينها، وسجلنا الوالد في مدرسة واحدة  بسبب قلة المواصلات وللذهاب بواسطة سيارة الوالد الخاصة، وكنا نستخدم ما يسمى بخط البلدة؛ للتنقل في مشاويرنا الأخرى، ولازلت أتذكر رقم لوحة الباص كانت تحمل الرقم” 11″ ثم انتقلنا إلى مدرسة الزاهر المتوسطة في الشهداء ثم إلى مدرسة مكة الثانوية ثم انتقلت إلى مدرسة العزيزية الثانوية وحصلت على التوجيهي ١٣٩٠هـ ثم التحقت بجامعة الملك عبد العزيز فرع مكة وكان عندي ميول في العلاقات السياسية التي لم تكن متوفرة في ذلك الوقت فوجدت أن التاريخ هو الأقرب والتحقت به وعيّنت كمعيد أنا وفواز الدهّاس وسعود الخثلان وعبدالله آل الشيخ، ثم  ابتعثت إلى بريطانيا أنا وفواز الدهاس وقضينا سنة اللغة وجاءني القبول من جامعة لندن ولكن أصدقائي شجعوني على النقل إلى أمريكا في كاليفورنيا وبقيت هُناك لمدة فصل واحد حتى حصلت على قبول في جامعة متشيقن وحصلت على الماجستير ثم التحقت بجامعة ديترويت لكن لم أحصل على التخصص الذي أريده فانتقلت إلى أريزونا وأخذت فصلا واحدا ولما جاء وقت عطلة الكريسميس أتيت للملكة عام ١٩٨٠م.

4-ماذا تبقى في الذاكرة من عراقة الحارة ؟

-أتذكر المحبة الصادقة والجيران الأوفياء، وأتذكر كأطفال لعب كرة القدم بين أبناء الحارة، وأتذكر أن الساعة الحادية عشر مساء كانت حدنا النهائي في اللعب في شهر رمضان المبارك .

5- في مرحلة الطفولة العديد من التطلعات المستقبلية .. ماذا كنتم تأملون حينها ؟

– كانت النماذج التي أمامنا هي الوحيدة التي كنا نراها مثل الطبيب والطيار، ولكن بعد أن كبرت وتوسعت مداركنا كنت أريد أن أصبح دبلوماسيا وتحديدا في المرحلة الثانوية.

6- تربية الأبناء في السابق بنيت على قواعد صلبة ماذا تتذكر منها ؟

-أتذكر أن والدي ووالدتي غرسا فينا الدين منذ أن كنا صغارا لدرجة أني لا أذكر متى بدأت أصلي وأصوم .. !! وكانوا دائما يحثانا على الصدق والأمانة مهما كان، واحترام الكبير سواء كان خادم أو سائق أو غيرهما.

7- في تشكيل صلاتكم ساهمت الكثير من العادات والتقاليد المكية في تكوينها ما أبرزها؟

– كما أسلفت أداء الصلوات جماعة في المسجد الحرام في وقت الإجازات على الرغم من بعد المسافة حينها، والقيام بالصوم، واحترام وتقدير الكبار؛ فكنا نحترم الأخ الكبير ونقول له ياسيدي، بالإضافة إلى الأمانة والصدق والنزاهة ومساعدة الآخرين .

8- الأمثال الشعبية القديمة لها أثر بالغ في النفس .. ما هي الأمثال التي لا زالت باقية في الذهن ؟ ولماذا ؟

– الصدق منجاة، وحبل الكذب قصير، كانت لهما دلائل تربوية كثيرة، فالصدق ينجيك من أي مشكلة، والكذب طريقه قصير جدا.

9- الحياة الوظيفية .. أين كان لشخصكم القدير أول بداياتها وآخرها ؟

-حقيقة أشار علي صديق وبسبب الأوضاع السياسية – آنذاك -أن أذهب إلى وزارة الخارجية والتقديم هُناك لمعرفته الجيدة بمدير شؤون الموظفين وتوصيته لي وكان عندي بالصدفة الدرجات عالية- ولله الحمد – وأعجب رئيس التوظيف بها وعرض علي الوظيفة ولكن طلب إخلاء طرف من الجامعة والذي كان معضلة كبيرة وقتها بالذات بسبب أنهم صرفوا كثيرًا علي دراسيًا وبعد عدة محاولات ومساعدة من الدكاترة اللطفاء أقنعنا الدكتور راشد الراجح – حينها- بإخلاء الطرف. ومن هنا بدأت حياتي في وزارة الخارجية وبعد أسبوع بدأت المباشرة مع أني كنت أجهل الكثير فيما يخص هيكل وزارة الخارجية واستقبلني السفير سالم سنبل وأول يوم مباشرة فوجئت بطلبي من إدارة شؤون الموظفين وأعلموني بأن الشيخ عبد الرحمن المنصوري وكيل الشؤون السياسية وطلبني عنده وكان عندي إلمام بالحياة الغربية وكان وقتها غزو الاتحاد السوفيتي والثورة الإيرانية.

وساعدني السفير مأمون قباني كثيرًا وأدين له بالكثير بعد الله من الفضل وسلمني متابعة العلاقات مع أمريكا وقربني إليه.

وبعد ٦ أشهر حضرت اجتماع  وزير الخارجية سمو الأمير سعود الفيصل- يرحمه الله – مع نظيره اليوناني. وبسبب حياتي الجامعية استفدت كثيرًا في كتابة أول محضر لي وبعد أقل من سنة استدعوني إدارة شؤون الموظفين وأخبروني أن السفير في باريس يرغب بموظفين واخترناك، وكان السفير جميل الحجيلان وقتها ووافقت وسافرت إلى باريس وكانت له هيبة كبيرة وبدأنا نعمل لسبع سنوات معه في فرنسا حافلة بالعمل الجاد فكان عملي جدًا وكان لنا دوامين وتسلمت الجانب الإعلامي والسياسي ونظمنا عدة معارض مثل “المملكة ما بين الأمس واليوم” في معرض “قراند باليه” وكانت له علاقات مع رئيس الوزراء ومع وزير الثقافة.

وبناء على اقتراح معالي السفير الحجيلان تم تغيير اسم المعرض من الرياض بين الأمس واليوم  إلي ” المملكة العربية السعودية بين الأمس واليوم “.  واستفدت كثيرًا من باريس . وكذلك تم تنظيم معرض ” الحرمين الشريفين ” في معهد العالم العربي والذي استضافته بعد ذلك الكثير من الدول الإسلامية والصديقة.

وألفت عن ذلك كتابا ولله الحمد. وعندما عدت طلبني الدكتور نزار مدني في الإدارة الغربية. حتى طُلب في مجلس الشورى عام ١٤١٢هـ وعندما عاد طلبني معه كمدير عام لمكتبه إلى عام ١٤٢٧هـ انتقلت بالقرب إلى والدي ووالدتي، وعُيّنت مديرًا عاما لفرع وزارة الخارجية في منطقة مكة المكرمة حتى تقاعدت في رجب الماضي.

وفي تلك الأثناء اقترحت على سمو  الأمير سعود الفيصل- يرحمه الله- أن يكون للملكة العربية السعودية مندوبا دائما لدى منظمة التعاون الإسلامي ووافق سموه على وجاهة الفكرة وعينت كأول مندوب للملكة في المنظمة .

10- شهر رمضان وشهر الحج من المواسم -الدينية والاجتماعية المميزة حدثنا عنها؟

– أتذكر بطبيعة الحال في شهر رمضان أداء صلوات التراويح  جماعة في المساجد، ومن ثم لعب كرة القدم مع الأقران. أما عن شهر الحج فوالدي لم يكن مطوفا ولكن موظفا حكوميا، ولكن كان جدي لأمي تاجرا وله محلات تجارية وطلبني أن أجلس معه عندما كان عمري حوالي ١٦ سنة، وكان يعطيني حوالي ١٠٠٠ ريال في الموسم، واختلطت بالحجاج وتعلمت مهارات البيع والشراء هناك، وكنا نؤجر بيتنا أيضا على الحجاج الإيرانيين وننتقل إلى الدور العلوي وكانوا يأتون بالطباخين والخدم الإيرانيين  وهم من الشعوب السخية في الضيافة. 

11- كيف كان دور العمدة في الحارة ؟

-كان للعمدة دور مؤثر وتربوي وكان يقوم بدور الأب. وأذكر من أشهر العمد الشيخ عبدالله بصنوي، وكان عندنا في النزهة الشيخ علي سابق. وكان العمدة معاون كبير للحكومة في إصلاح ذات البين قبل أن تصل المشاكل إلى الدوائر الحكومية، وكان العسس يقومون بالعمل الليلي باستخدام الصفارات اليدوية ويساعدونا كثيرًا بسبب أن منطقتنا كانت خالية وخارج حدود النطاق العمراني آنذاك ..!

12- القامات الاجتماعية من تتذكرون منها ؟

-في تلك الأيام بالإضافة للوالد، كان العمدة علي سابق، وعم صالح حريري، وعم سليمان عنقاوي، وعم محمد الوزان،  وأحمد مجاهد وكيل وزارة الحج، وحامد هرساني وزير الصحة الأسبق.

13- سعادة السفير هل تتذكرون موقفا شخصيا حصل لكم ولن تنسوه ؟

 – نعم، قصة أرويها ولأول مرة في حياتي لوسائل الإعلام.. حين كنت في الثانية عشر من عمري وكان لنا حديقة صغيرة وهي ما تسمى” بالجنينة ” وفي بيت مجاور لنا ويفصل بينا ٦ أمتار فقط وكان الجو ملبدا بالغيوم، ومن ثم هطلت أمطار غزيرة علينا بينما ألعب بالكرة أنا والحارس وإذ بجدار سطح منزلنا يسقط على رأسه ويقسمه بالنصف، فهربت بالاتجاه المعاكس وإلى أرض فضاء؛ للنجاة بنفسي، ثم عدت إلى ذلك الحارس فوجدته في حالة يرثى لها، وتخيلت حينها أن كل المنازل ستسقط على رأسي فأصبت بالهلع والفزع، حتى ذهبت إلى أخ يمني صاحب بقالة فهدأ من روعي وذهب بي إلى منزلي. ولم يفارقني ذلك المنظر، وبقي محفورا في الذاكرة حتى الآن .

14-  المدرسة والمعلم والطالب ثلاثي مرتبط بالعديد من المواقف ما تتذكر منها؟

– في المرحلة المتوسطة والثانوية كانت أجمل المراحل؛ بسبب الصداقات التي هي مستمرة إلى الآن مثل صداقتي مع سالم ومصطفى غلام، و فؤاد ومنصور أبو منصور ،وعدنان أكبر، وعيسى عنقاوي، وأتذكر كنا في أولى ثانوي فخرجنا لبستان الزاهر وكنت أرى الوقت يمضي والطلاب لم يتحركوا من البستان حتى اكتشفت أن الطلاب كانوا طلاب المتوسطة وليس زملاؤنا في الثانوية. وكان موقفا عصيبا جدًا والمادة لم يكن فيها تعويض ولا دور ثان ولكن أستاذ الجغرافيا إسماعيل توسّط لي بعد أن قبل رؤوس الإداريين واستطعت أن أدخل الاختبار .

15- تظل للأفراح وقفات جميلة لا تنسى في  الحارة.. ماذا تتذكرون منها ؟

– أتذكر حفل الزواج، ومناسبة تخرجي من الجامعة، وولادة أبنائي عمرو وأحمد وحمزة وشيماء، ومناسبة دخولي الخارجية .

16-والأحزان ماذا تحوي مخيلتكم ؟

– وفاة والدي ووالدتي، وأخي حسن، والكثير من الأصدقاء الأعزاء -يرحمهم الله- .

17- الأحداث التاريخية الشهيرة في حياتكم هل تتذكرونها ؟ وما الأبرز منها ؟

– وفاة جمال عبد الناصر، ووفاة الملك فيصل. وكنت أتذكر هزيمة ٦٧م ووفاة الزعيمين كانت من أكثر المواقف حزنًا. أما فرحًا كان انتصار ٧٣م الذي كان انتصارًا للأمة كلها .

18- ما هي الألعاب الشعبية التي اشتهرت بها حارة المدعى؟

 – أعتقد أن الألعاب الشعبية في المدعى هي نفسها في بقية حواري مكة المكرمة متقاربة جدا ومتداخلة .

19- ماذا تودون قوله لسكان الحارة القديمة.. سعادة السفير ؟

– أقول لهم حافظوا على قيم الآباء و الأجداد .

20-وما رسالتك لأهالي الأحياء الجديدة ؟

– خذوا بأسباب التقدم والتطور؛ لتعود الأمة الإسلامية إلى مجدها و تتبوأ مكانتها الطبيعية في صدارة الأمم.

21- كيف تقضون أوقات فراغكم في الوقت الحالي ؟         

– أقضي أوقات فراغي ما بين القراءة و خدمة مجتمعي وزيارات الأقارب و الأصدقاء .

22- لو عادت بكم الأيام ماذا تتمنون ؟

– لو عادت بي الأيام، لقدمت أكثر لديني ووطني فمهما قدم الإنسان لدينه ووطنه يظل قاصرا عن الوفاء لهما .

23- بصراحة.. ما الذي يبكيكم في الوقت الحاضر ؟

– أكثر ما يبكيني في الوقت الحاضر هو حال الأمة العربية و الإسلامية، و على نحو خاص معاناة الشعب الفلسطيني الرازح تحت الاستعمار الإسرائيلي بمباركة الصهيونية العالمية .

24 – لمن تقولون لن ننساكم ؟

– لن ننسى شهداء الوطن، وشهداء حروب التحرير في البلاد الإسلامية .

25- ولمن تقولون ما كان العشم منكم ؟

-أقول لأعضاء شرف نادي الوحدة العريق: ما كان العشم منكم .. و كفاية خذلان وتقاعس عن دعم نادي الوحدة..!!

26- التسامح والعفو من الصفات الإنسانية الراقية.. تقولون لمن سامحونا.. وتقولون لمن سامحناكم ؟

– نقول سامحونا لوالدي رحمهما الله، ولكل من قصرت في حقهم، ومن جانبي أسامح كل من أساء إلي بقصد أو بغير قصد.

27- هناك مقولة لأرسطو مفادها ” إلى أن الفعل السياسي ليس نتاج معرفة بقدر ما هو مرتبط بغرائز التملك والبقاء والسيطرة والعدوانية.. ” ما تعليقكم ؟ 

– السياسة.. إذا لم تحكمها مبادئ إنسانية وقيم أخلاقية فستكون مدمرة، وما الحربين العالميتين والحروب الأخرى الإقليمية و نشوء الكيان الصهيوني الإسرائيلي إلا شواهد تاريخية على هذه الحقيقة.

28- تتعارض أحيانا الأنشطة الدبلوماسية مع القيم الاجتماعية كيف يحل هذا الإشكال ؟

– الأنشطة الدبلوماسية تحترم دائما القيم الاجتماعية السائدة في البلدان.. واتفاقية                      فينا الدولية للعلاقات الدبلوماسية تؤكد على ذلك .

29- ماذا تحمل في جعبتك من طرائف دبلوماسية ؟ 

– لا يخلو العمل الدبلوماسي أحيانا من بعض المواقف الطريفة.. فأذكر أنه عندما كنت في أحد المؤتمرات الدولية في كوبا، تقدم أحد رئيس الوفود المشاركة بطلب لقاء مع رئيس وفد المملكة وتم الاتفاق على موعد ومكان الاجتماع، إلا أن الزميل المنسق للقاء ذهب وأحضر رئيس وفد آخر غير الذي طلب الاجتماع، وكان موقفا حرجا، فتصرف رئيس وفد المملكة بلباقة وتم بحث العلاقات الثنائية والقضايا ذات الاهتمام المشترك وكأنها مع رئيس الوفد الآخر الذي طلب الاجتماع وانتهى الموقف بشكل طبيعي دون أن يشعر الوزير أنه ليس هو الوزير المطلوب الاجتماع معه.

30- كلمة أخيرة في ختام هذا اللقاء سعادة السفير .

– أشكر لك إتاحة الفرصة لي لمخاطبة قراء صحيفة مكة الالكترونية الذين أكن لهم كل التقدير والاحترام .. راجيا أن يكون اللقاء فيه ما يفيد و يمتع .. و لكم أخي عبد الرحمن الأحمدي ولصحيفة مكة الالكترونية وافر الود وخالص الدعاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى