حوارات خاصة

عمر حياة: أشتاق لمجالس الحارة وأهالي مكة رموز للشجاعة والكرم

خمسة وثلاثون عامًا من العمل في القطاع الأمني، لم تغيّب ذلك الحنين في قلبه إلى الحارة بعاداتها وتقاليدها وصغارها وكبارها وشيوخها، فبات الماضي نظرة حاضرة أمامه وفي كل حين، والاشتياق يطارده في عالم القطيعة الاجتماعية التي أفرزتها حياة المدن ومواقع التواصل الاجتماعي.

وفي حوار مع صحيفة “مكة” الإلكترونية، يفضفض عمر بن حسن حياة عمّا يختلج صدره من مشوار طويل في القطاع الأمني، وغياب عن الأقارب والأصدقاء والأحبة الذين فرّقتهم حياة المدن عن جلسات السمر ومجالس الشيوخ في الحارات القديمة.

1- في البدء نتعرف على ابن مكة؟

– اسمي عمر بن حسن بن عمر حياة من مواليد مكة المكرمة بحارة جرول عام ١٣٧١هجرية.

2- في أي حارة كانت نشأتكم ؟

– نشأت وترعرت في حارة جرول تحديداً بجبل جحيشة وكان وقتها عمدة حارة جرول جدي -رحمه الله- الشيخ محمد بن عبدالله حياة ومدة مسؤوليته كعمدة لحارة جرول اثنان وثلاثون عامًا، والتي كانت تضم عددا من الأحياء الكبيرة حارة العتيبية – الزاهر – الزهراء – الهنداوية الطندباوي – النزهة.

وبعد وفاته تم ترشيح والدي -رحمه الله- الشيخ حسن بن عمر حياة عمدة لحارة جرول لمدة عشر سنوات وبعدها توالى على عمودية جرول عدد من العمد منهم الشيخ حمود بن مسلم الحازمي والشيخ طلال بن محمد حسن بن حسان، أما الآن فقد تم تقسيم حارة جرول إلى عدد من الأحياء لكل حارة عمدة مسؤول عنها.

أين تلقيتم تعليمكم.. أستاذ عمر ؟

– كانت دراستي بالمدرسة الخالدية الابتدائية وكان مديرها آنذاك الأستاذ الفاضل أحمد أبو الخيور، ووكيله الأستاذ عمر أزهر -رحمهما الله -، ثم التحقت بمدرسة عمرو بن العاص المتوسطة بالعتيبية وأذكر كان مديرها الفاضل الأستاذ صادق حجازي، ثم التحقت بمدرسة مكة الثانوية بحي الزاهر وكان مدير مدرسة مكة الثانوية في ذلك الوقت الأستاذ الفاضل عبد الحميد فلمبان. ثم أكملت دراستي الجامعية بجامعة الملك عبدالعزيز شطر الجامعة في مكة المكرمة كلية الشريعة قسم تاريخ إسلامي.

4- ماذا بقي في الذاكرة من أحداث عشتم معها عراقة الحارة ؟

– الحارة كانت مجتمعا متكافلا ومترابطا بغض النظر عن النسيج السكاني المختلف حيث كان يسكن بالحارة العديد من أبناء القبائل والعوائل المكية الكريمة فالكل متعايش ضمن مجتمع الحارة الذي تحكمه الأعراف والعادات والتقاليد.

5- في مرحلة الطفولة العديد من التطلعات المستقبلية.. ماذا كنتم تأملون حينها ؟

– لم يكن في الطفولة هاجس سوى العمل كعسكري حتى تنامت تلك التطلعات بعد تخرجي وحصولي على البكالوريس وترشيحي في قطاع أمني تشرفت بالعمل به زهاء الـ35 عامًا.

6- تربية الأبناء في السابق بنيت على قواعد صلبة ومتينة.. ما هي الأصول المتعارف عليها في ذلك الوقت ؟

– كان الأساس في التربية في ذلك الوقت احترام الشخص الكبير وكان هذا الشخص يؤدب باللسان وباليد كذلك حتى لو لم يكن ذا صلة قرابة ! إلى جانب التأكيد على غرس أساسيات الدين وتقويتها حيث أن للمسجد والمعلم والجار دور بارز في ذلك.

7- في تشكيل صفاتكم ساهمت الكثير من العادات والتقاليد المكية في تكوينها ما أبرزها ؟

– في الغالب لا يمكن لأي شخص أن يتكلم بما يميزه، ولكن أغلب مجتمعنا المكي يمتاز بالنخوة والشجاعة والكرم والوفاء والعديد من الصفات التي لا يمكن حصرها وذكرها .

8- الأمثال الشعبية القديمة لها أثر بالغ في النفس.. ما هي الأمثال التي لازالت باقية في الذهن ؟ ولماذا ؟

الأعمال أعلى صوتاً من الكلمات، وأن تضيء شمعة صغيرة خير من أن تلعن الظلام، وفي يومٍ ما سيمر شريط حياتك أمام عينيك .. فاجعله يستحق المشاهدة، والإنسان يرى عيوب نفسه بعيون غيره.

9- الحياة الوظيفية.. أين كان أول بداياتها وآخرها ؟

– قبل تخرجي من الجامعة تم ترشيحي لأحد القطاعات الأمنية والتحقت بذلك القطاع تحقيقاً لحلم الطفولة بوظيفة مدنية، ومازلت أعمل به حتى تقاعدي منه كمستشار أمني.

10- شهر رمضان وشهر الحج من المواسم الدينية والاجتماعية المميزة حدثنا عنها؟

– شهر رمضان وشهر الحج من الأشهر المباركة التي لها أثر ديني في نفوس أبناء المجتمع المكي فأغلب المجتمع يقوم بتقديم الخدمة التي تناسبه.

– العمل بسقاية الحاج، والعمل بطوافة الحاج، والعمل بتأمين السكن والإعاشة، والتنقل بين مكة والمشاعر المقدسة والمدينة المنورة، والعمل كمرشدين وأدلاء.

كما أن المجتمع المكي يهتم بشهر رمضان المبارك ويعكس اهتمامه القيام بحملات تطوعية لإفطار الصائمين في الحرم المكي أو في الشوارع والطرقات .. هي من إحدى مظاهر الاحتفاء بالشهر المبارك.

11- تغيرت أدوار العمد في الوقت الحاضر وأصبحت محددة.. كيف كان سابقا دور العمدة في الحي ؟

 – كان العمدة بيده الحل والربط وأذكر أن جدي الشيخ محمد بن عبدالله حياة عمدة حارة جرول لديه غرفة في منزله مخصصة لتوقيف وسجن من يراه مخالفاً من أبناء الحارة !! حتى يتم إنهاء خصومته بالصلح والتراضي، وكان العمدة يبذل كل مساعيه وينفق من ماله الشيء الكثير في سبيل إصلاح ذات البين بين أبناء حارته.

12- القامات الاجتماعية من تتذكرون منها والتي كان لها الحضور الملفت في الحارة ؟

– والدي رحمه الله الشيخ حسن عمر حياة عمدة حارة جرول، والشيخ عباس عبد الله حياة، والشيخ محمد حسن بن حسان، والشيخ عبدالله بن عطية الهباش، والشيخ محضار عقيل، والشيخ عمر عبدالحفيظ بن مليح، والشيخ محمد سعيد أبوحميدي، والسيد عبدالله عوض  الهاشمي، والسيد سالم الجفري، والشيخ نصار الظاهري، والشيخ ناصر البنيان. وغيرهم كثر من رجالات وأعيان حارة جرول.

13- أستاذ عمر ..هل تتذكرون موقفا شخصيًا مؤثرًا حصل لكم ولا تنسوه ؟

– الموقف الذي لا أنساه وفاة والدي- رحمة الله عليه – .

14- المدرسة والمعلم والطالب ثلاثي مرتبط بالعديد من المواقف المختلفة.. هل تعرفونا علي بعض منها ؟

– هناك موقف لا أنساه حصل مع أستاذي الفاضل الأستاذ أمين قاضي وكان-رحمه الله – يدرسني مادة الحساب وكان شديداً في تدريسه وخاصة في تحفيظه لجدول الضرب وكانت مقولته المشهورة.. “جدول الضرب لا يحفظ إلا بالضرب فضربت مراراً ..” حتى حفظته الله يرحمه ويسامحه.

15- كثرت وسائل الإعلام في الوقت الحاضر وأصبحت مرافقة مع الناس في كل مكان ..ما هي الوسائل المتوفرة لديكم في السابق؟ وما أثرها على أفراد المجتمع آنذاك ؟

– لم يكن متوفرا في السابق وسائل إعلام غير الإذاعتين السعوديتين في الرياض وجدة، وإذاعة صوت العرب من القاهرة، وإذاعة هنا لندن، إلى جانب الصحف المحلية والمجلات التي تصدرها دور النشر المصرية واللبنانية. وما كنا نتلقاه من كبار السن بالمجالس والمراكيز حيث كانت المجالس والمراكيز أشبه ما تكون بمنتديات تناقش فيها الأمور السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية .

16- تظل للأفراح وقفات جميلة لا تنسى في الحي.. ماذا تتذكرون من تلك اللحظات السعيدة ؟ وكيف كانت ؟

– أفراح الأعراس كانت فعلاً فرحة يفرح بها أهل الحارة صغيراً وكبيراً بدون استثناء وكلاً يقدم ما لديه من ” أثاث، وفرش، وأدوات لتجهيز القهوة والشاهي، وخلافه” كما يقوم شباب الحارة بالترحيب  والمباشرة والفزعة، كما أن شباب الحارة هم الذين يقومون بالألعاب (كالمزمار، والمجارير، والزير، والخبيتي، وخلافه).

17- الأحزان في الحياة سنة ماضية.. كيف كان لأهل الحي التخفيف من وقعها ؟ 

 – العمدة وأبناء الحارة لهم دور كبير في التخفيف من أحزان من ابتلي بحالة وفاة أو مرض وخلافه ويقومون بمساعدته مادياً ومعنوياً .

18-الأحداث التاريخية الشهيرة في حياتكم هل تتذكرونها.. وما الأبرز من تفاصيلها؟

– حقيقة هناك عدد من الأحداث التي حصلت ولكن الأبرز منها هو ذاك الحدث المشؤوم وهو اقتحام ذلك المارق الخارجي (جهيمان) لبيت الله الحرام لمدة خمسة عشر يوماً .

19- ما هي الألعاب الشعبية التي اشتهرت بها حارة جرول ؟

– تكثر الألعاب الشعبية في موسم رمضان ومن تلك الألعاب حرامي عسا – ماري- كبت- معانا ولامع القوم – طيبان – طره وزره .

20- “لو كان الفقر رجلا لقتلته” مقولة عظيمة لسيدنا علي رضي الله عنه..هل تروون بعضا من قصص الفقر المؤلمة ؟

– ما كان يجوع جائع في الحارة حيث يتم مناقشة أحوال الأشخاص الفقراء ضمن مجالس ومراكيز الحارة ويتم تزويدهم بالغذاء والكساء والمال .

21- ماذا تودون قوله لسكان الحارة القديمة أستاذ عمر ؟

– يجب أن يعي سكان حارة جرول أن وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة لا تفي بالغرض.

22- رسالة لأهالي الأحياء الجديدة.. وماذا يعجبكم الآن فيهم ؟

 – رسالتي لأهالي الأحياء الجديدة رسالة مليئة بالحزن؛ للتباعد الذي أوجدته التقنيات الحديثة، والفجوة الاجتماعية الكبيرة بين أهالي الحي وأناشدهم بضرورة تفعيل دور مراكز الأحياء؛ لإعادة الترابط والتلاحم بين الأسر والمجتمع.

23- كيف تقضون أوقات فراغكم في الوقت الحالي ؟

– زيارة الأهل والأصدقاء.. وكم تمنيت أن يكون بالأحياء أندية ثقافية ورياضية واجتماعية للمتقاعدين لقضاء أوقات فراغهم وهذه الأمنيات ضمن مسؤولية المؤسسة العامة للتقاعد .

24- لو عادت بكم الأيام ماذا تتمنون ؟

 – أتمنى أن أنجز الكثير من الأعمال التي حال بيني وبينها إحالتي إلى التقاعد ! .

25-بصراحة.. ما الذي يبكيكم في الوقت الحاضر ؟

– أبكي على وضع العالم العربي والتشرذم الذي نعيشه .

26- ماذا تحملون من طرائف جميلة في دواخلكم ؟

– “وبخالقك ماني مفارقك مو محبة فيك .. بس عشان أضايقك ” .

27- لمن تقولون لن ننساكم؟ ولمن تقولون ما كان العشم منكم ؟

– لوالدي ووالدتي – يرحمهما الله تعالى -، أما ما كان العشم لكل من أحببتهم وصادقتهم في حياتي العملية والاجتماعية في قلة التواصل.

28- التسامح والعفو من الصفات الإنسانية الراقية.. تقولون لمن سامحونا..؟ ولمن تقولون سامحناكم ؟

– أقول سامحونا لكل إنسان أخطأت بحقه بقصد أو بدون قصد والمسامح كريم في نفسه وخلقه . وأقول سامحناكم لكل إنسان أخطأ بحقي بقصد أو بغير قصد فالعفو عند المقدرة من شيم الرجال.

29- لكم تجربة أمنية ثرية.. كيف تصفون خلاصة هذه التجربة ؟

– تجربتي الأمنية أستطيع تلخيصها بكلمات مهمة أن الوطن خط أحمر لم ولن نسمح لأي كائن من كان المساس بأمنه والعبث بمقدراته.

30- كلمة أخيرة في ختام لقاء ابن مكة الماتع.

هي ليست كلمة بل كلمات أختم بها هذا اللقاء الممتع والجميل.. شكرا أستاذ عبدالرحمن نقلتني بلقائك إلى حارتي جرول وكأني أرى شوارعها وأزقتها وبيوتها وسكانها ومقاهيها ومحلات التجارية.

كما ذكرتني بمركاز جدي الشيخ محمد بن عبدالله حياة وما يناقشه من مشاكل الحارة، ومجلس الشيخ عبد الله هباش، ومركاز والدي الشيخ حسن بن عمر حياة، والشيخ محمد بن حسن بن حسان، وأخيراً شكراً لجهودكم لإبراز الدور المهم لعملية التواصل والترابط بين الأجيال والعودة إلى ماضينا الجميل ونحن متمسكون بقيمنا وعادتنا وتقاليدنا.

مقالات ذات صلة

‫3 تعليقات

  1. الاخ العزيز عمر بن حسن حياة بارك الله فيك واشكرك على ماذكرته عن حارتنا الغالية على قلوبنا – جرول- لكنك ربما نسيت تذكر وجهاء من اهالي جرول – التيسير مثل العم الشيخ سعيد باداوود رحمه الله والوالد السيد محمد محسن المحضار رحمه الله والشيخ صالح الانصاري رحمه الله اللي كان مؤذن في مسجد الوزير والشيخ محمد الحازمي واخوه الشيخ احمد الحازمي وال بيت بابكور العم الشيخ صالح بابكور رحمه الله والعم الشيخ احمد بابكور رحمه الله والشيخ عبدالله عبيدالله الحازمي رحمه الله هولاء كانوا من سكان حي جرول منذ سنين طويلة وتفضل بقبول تحياتي وسلامي لك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى