إيوان مكة

تَأبِين

لأن الموت هو الخلود ،
كان يجب علينا أن نستبدل المآتم بالاحتفالات ..
و العزاء بالتهنئة
والحداد بتجديد العهد والولاء ،
في كل مرة يقرعُ فيها الموت أبوابنا الموصدة عن الحياة نستنكر قدومه،
رغم دقة مواعيده وانضباطها
والتزامه بذلك الموعد المضروب
منذ الولادة !
نقفُ آسفين لعدم جهوزيتنا للبداية الحقيقية التي سيأخذنا إليها رغم كل ما أهدرناهُ من العمر عند كل بدايةٍ تنتهي بفنائها !
نقف مخذولين أمام عدم وفائنا لمن غادرونا دون أن نحتفي بهم بما يليق
دون أن نلوح لهم بوداع
أو نتوسلهم لمرافقتهم لحياتهم القادمة بكل مافيها من يقين ،

ماتت أمي وكانت في كفنها الأبيض تنبض بالحياة والجمال والبهاء حقًا
بينما كنا حولها شاخصين بلا لون أو رائحة لاشيء ينبض فينا بحياة سوى ذالك الدمع الذي حاول اللحاق بها فأنبت في كل يوم بعدها جنائن وارفةٍ بالحنين ومظللةً بالذكريات !
ماتت !
ونضار وجهها وزكي رائحتها يضوع
و يُخجلُ غصن الريحان الذي قُطف لها و انتُزع من منبته ليتزين بها
ويزهر معها من جديد تحت أنقاض التراب !

ماتت أمي !
وبقيتُ في حيرةٍ من أمري أيُنا الذي مات حقًا ، غادر صدقًا ولن يعود !!؟
عندها عرفت أن الموت حياة
وخلود في نعيم حقيقي
ووصول بعد عناء ارتحال أزلي ،

ماتت أمي ،
وبعد يوم من وفاتها لحق بها أبي !
ولم يستسلم للموت وغادرنا إليها
للحياة .. لنعيم رفقتها الذي عاشه
و أبى إلا أن يستكملهُ معها
هناك حيثُ الوجهة النهائية لكل المهاجرين عن الدنيا

مات أبي بكل شموخه ورسوخه وثباته
وتركنا نتشبثُ بادعاءات المواقف
وخطواتنا المرتبكة المتخبطة مازالت تفر من الموت مع يقيننا باقترابنا منه كل يوم شئنا أم أبينا !
عاش أبي وأمي منذ متنا حياةً هانئة خالدة سابغةَ النعم
الموت ..
هو الحياة ، هو الوصول ، هو البداية

مقالات ذات صلة

‫4 تعليقات

  1. سوى ذالك الدمع الذي حاول اللحاق بها فأنبت في كل يوم بعدها جنائن وارفةٍ بالحنين ومظللةً بالذكريات !

    بعض الكلمات عصية على التقديم والتعليق والوصف ، نبقى أمام جمالها وسحرها وصورتها الخيالية عاجزين ومندهشين..

    شكراً استاذة وفاء
    أطال الله في عمركِ ومن تحبين ..

  2. ‏الموت مؤلم !!
    ‏الموت لا يوجع الأموات
    ‏الموت يوجعنا نحن الأحياء ..
    ‏* محمود درويش

  3. الله يا وفاءنا!!!
    كتابة الموت وتشريحه هي الوسيلة الوحيدة التي يملكها البشر للقضاء على إصرار هذا الموت المستشري في مطاردة الجمال والحياة..
    وظيفة الموت : العدم ..
    ووظيفة الإبداع : الحياة..

    1. العريق و الموغل فينا الأستاذ الأديب والشاعر / إبراهيم طالع الألمعي
      لا أدري كيف ترد القطرة على اليم
      أم كيف تحاذي الغيمة العابرة قمةً شاهقةً وجبلًا راسخا
      كل الذي أنا موقنةٌ به أنني أزهو وأكبر
      و أتباهى ب( وفاءنا ) بكل الذي تعنيه من انتماء وأصالة وجذور ضاربة في الجمال والبهاء
      شكرًا بحجم قلبك الزاخر بالحب أستاذي الكريم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى