
طبيعة الأرض .. طبيعة أخلاق أهلها. حِدَّةٌ تعلو سحنات أهل مكَّة لحرارة جوِّها، وسموم هوائها. ولكن البيتَ هذَّب جيرانَه، وكان بردًا وسلامًا عليهم، فتخرج كلماتهم عذبةً عند اللِّقاء، بابتسامة ساحرة حاضرة، وهم كما وُصفوا من قبل الرَّحالة: سريعو الغضب، سريعو الفيئة، عذبة كلماتهم، ساحرة ابتساماتهم.
فيأروقة الحرم العثماني القديم،وقفتُ ألتقط أنفاسي، أستعيد الشُّعور الرَّائع الذي يعتريني عقب الانتهاء من خدمة ضيف من ضيوف البيت العظيم .. ما أجملَ هذه الرَّاحة التي تدبُّ في جسدي المُتعب، شعور مَن بلغ منه العطش كلّ مبلغ، فإذا بالماء البارد يُسكِن حرّ جوفه.
إنّ الحياة تسري في أوردتي، إنّ نفسي كالأرض اليابسة الخاشعة في سكونها فلا حركة فيها، ولا حياة .. نزلت عليها قطرات الغيث من السّماء، فاهتزت وربت. لك الحمد يا ربّ، فزدني من فضلك العظيم. إنّها لحظاتي الدّافئة .. ذاكرتي التّطوعية أودع فيها أجمل ساعات حياتي، قبل أن أعثر على وافدٍ آخر من وفود الرّحمن، يحتاج إلى خدمة أقدِّمها له، أُسكِن هذه المشاعر قلبًا يخفق بالحبِّ والإجلال لهذا البيت المعظَّم، فيا ربِّ زده تشريفًا، وزده مهابةً وإجلالًا.
في تلك الظّهيرة التي نفخت في رمضاء مكّة سمومها .. وقفت عجوزٌ تنظر إلى جلال صحن الكعبة، وكيف تدور حركة الطَّائفين من كلّ لون وجنس. ويصلها وهي في مكانها تحتمي بإحدى سواري الرُّواق العثماني من أشعة الشَّمس= تسبيح الطَّائفين، وتهليلهم، وتحميدهم، وتكبيرهم، فتذوب شوقًا أن تكون وسط ذلك الجمع، دانيةً إلى البيت؛ كي تتمّ نسُكها، ولكنّها الفاقة، وبُعد الشُّقَّة هما مَن حملاها إلى البيت الحرام وقد طُعِنت في السِّنِّ، وسرقتها الأيام واللّيالي، وبرغم ذلك كانت حامدةً شاكرةً لطفَ الكريم، وإحسانَه. استندتْ إلى السَّارية وهي تعبةٌ ولمَّا تبدأ شوطها الأوَّل، أعياها التَّعب ولمَّا تدنو من صحن المطاف.
فتح صديقنا عبد الرَّحمن عينيه بعد أن غاب في سكونه وخشوعه بُرهةً، فإذا عجوز تقف بالقرب منه. رآها تنظر إلى المطاف بشوق ولهفة، رأى نفسًا تشفُّ عن حزن عميق، وعجز كامل. فدنى منها في رفق، وقال: اجلسي على العربة يا خالة، وسوف أساعدك على إتمام عُمرتك.
استغرقت العجوزٌ زمنًا لتعي عرض هذا الشَّاب الوضيء .. كانت في عينيه عذوبة دون أن يحدّ إليها النَّظر، وكان صوته دافئًا حانيًا .. فتنهدت العجوز، وقالت: عذرًا يا ولدي، فأنا لا أملك دفع أجرتك.
اتسعت ابتسامة عبد الرّحمن، وهو يقول لها: يا خالة، أنتم وفدُ الله، ونحن جيرانُ هذا البيت الحرام، هذه خدمة نقدمها نحن شباب مكّة بالمجان. فهلاّ سمحتِ لي أن أخدمك.
جلست العجوز على كرسي العربة، وهي ترتعش من فرط تأثرها من أدب الشَّابِّ، ورقّة عباراته، لقد شعرت صدقًا ودفئًا من هذا الشَّابّ، استعادت فيهما صورًا جميلة لزمن جميل كان يُحكى عن أهل مكّة، كانت تسمعها من عجائز قريتها، {ذرية بعضها من بعض، والله سميع عليم} [آل عمران: 34]. انطلقت العربة إلى صحن المطاف، والعجوز تسمع الشَّاب يتمتم بالتَّحميد والشُّكر لرَّبِّه، وسؤاله المزيد من فضله.







سلمت وبوركت أناملك
سلمت ذاكرتك من النسيان والزهايمر ويبقى العلم والنور بزاده من فضله وكرمه وتتحرك بما بارك الله لك بأناملك تزيدنا بالكلمات الصادقة التي تسكن فينا دون أن ننساها وبك لنا فخراً واعتزازاً .. عشت يا ابن عمي
التوقيع : ولد ناراتيوات