الثقافية

قيمةُ الأمثالِ في حياةِ العرب

 

قيمة الأمثال في حياة العرب

الأمثال فنٌّ أدبيٌّ اعتنتِ العرب بها عناية شديدة؛ إدراكًا منهم للدور الكبير المؤثر الذي يمكن أن تلعبه في مختلف جوانبِ حياتهم،

فُـرادى ومجتمعين؛ فهي خلاصةُ تجاربهم، وحصيلة مُعاناتِهم، ولُبُّ حِكْمَتِهم، ومِرآة عاداتهم وتقاليدهم و معتقداتهم .

كما أنَّها تُعَدًّ من أنجعِ الوسائل التربوية لأنّها بما تتضمنه من حِكَم، هي خلاصة التجربة الإنسانية؛تساهمُ في تهذيب الأجيال،

وتقويم الأخلاق، وإرشادِ الناس إلى الطريق المستقيم. ورُبَّ مَثَلٍ يفعل في النفس ما تعجز عنهمئة محاضرة في الأخلاق والمُـثُـل العليا،

وما يَقْـصُـرُ دونَه ألفُ كتاب في تهذيب السلوك والتوعية الأخلاقية.   وممَّا يدل على  مكانة الأمثال عند العرب،

ذلك الكم الهائل الذي خلَّفوه منها، فوصلتْنا مجموعة بين دفتيْ عدد من الكتب قام واضعوها بشرحها وتفسيرها؛

إدراكًا منهم لأهميتها وضرورة بقائها، حتى يُمكنَ لأبناء العصور المختلفة الَّسير على خطى الأوائل في الإفادة منها واستخدامها وَقُودًا

وطاقة مُحركة لنوازع الخير وقِيمِ بناءِ الحياةويمكن أنْ نلمح في تسميتهم للأمثال باسمها ذاك إشارة إلى أدوارها تلك،

فقد جاء عنهم قولهمإنما سُمِّيَ المثلُ بذلك لأنه ماثلٌ بخاطر الإنسان أبدًا؛ فيتأسَّى به ويتَّعظ ُويخشى ويرجو “.

تعريف المثل:

عًرِّفَ المَثَل بأنَّهقـولٌ مـوجز يُشـيرُ إلى حادثة أو قصـة، يتـناقـلُـه النـاس، وتَـعِـيـــه القـلـوب، ويَعْـلَـقُ بالذاكرةِ لطرافتهِ  وصِـدقِ دلالـتــه. ويُسـتشـهد به في الأحـوال المشـابهـة للحـال التـي قيل فيهـا دون تغـييـر. ولا يصـــدر إلَّا عن مُجرِّب، حكــــــيم، ويتناقله الخَلَفُ عنِ السَّلَف دونَ تغيير “. 

قال أبو هلال العسكري في كتابه (جَمْهَرة الأمثال)، مُبيِّنًا أهمية الأمثال للنخبة والمثقفين:

ما رأيتُ حاجة الشريف إلى شيء من أدبِ اللسان بعدَ سلامته من اللَّحْن، كحاجته إلى الشاهد والمَثَل، والشَّذْرَة  والكلمة السّائرةِ؛

فإنَّ ذلك يزيدُ المنطقَ تفخيمًا، ويُـكْسِبه قبولًا، ويجعل له قَدْرًا في النفوس وحلاوةً في الصدوروإنَّما الأمثال في الكلام كالتفصيلِ

في العِـقٌـد، والتَّنْويرِ في الروض، فينبغي أن يُستكثر من أنواعها؛ لأنَّ الإقلال منها كاسْمِه إقلال،والتقصير في التِماسِها قُـصور“.

وأضاف مُبينًا عناية العرب ببنائها على وجهٍ يضمنُ لها ذلك الدور التأثيري الذي أشارَإليه، حيث قال:

ولمَّا عرفتِ العرب أنَّ الأمثال تتصرف في أكثر وجوه الكلام، وتدخلُ في جُلِّ أساليب القول، أخرجوها في أقواها منالألفاظ لِيَخِـفَّ

استعمالها ويَسْهُلَ تداولها؛ فهي من أجَـلِّ الكلام وأنبله، وأشرفه وأفضله..”. ونتوقف لنسأله لِمَ كان أمرها كذلك؟

فيُجيبنا قائلًا

لِقلَّة ألفاظها وكثرة معانيها. ومن عجائبها أنَّها مع إيجازها تعملُ عملَ الإطناب، ولها روعة إذابرزتْ في أثناءِ الخطاب، والحفظُ مُوكَـلٌ بما راعَ من اللفظ وندرَ من المعنى “.  

 ومن الأمثال التي أوردها في كتابه (جمهرة الأمثال) والتي تنصُّ على أهميَّة التَّجارب ودورها في إتقان أداء المهامِ و الأعمال  قول العرب:

أوَّلُ الغَزْو أخْرَق“. وشَرَحَهُ بقوله:يُضربُ مثلًا لِقِلَّةِ التَّجارب، يُراد: إنَّما الإحكامُ بعدَ المعاودة، والتَّجْرِبةُ رِدْءُ العقل.

ورأى أعرابيٌّ رجلًا يَنالُ من سُلطانٍ، فقال: إنّكَ غُفْلٌ لم تَسِمْكَ التَّجاربُ، وكأنِّي بالضَّاحِكِ إليكَ باكٍ عليك.

والعقلُ عقلان:مخلوقٌ ومُكتَسب، فالمخلوق ما يجعلُه الله لعبده، ويُكَلِّفهُ من أجلِه. والمُكْتَسبُ، ما ينالُهُ العبدُ بالتَّجرِبة،

وليسَ يُفَضَّلُ رأيُالشيخِ على رأي الغلام إلّا لِتَجْربةِ الشَّيخ، وغَرارةِ الغلام. ويُقالُ لِمَنْ لا تجربةَ له: غِرٌّ بَيِّنُ الغَرارة.

قال الشَّاعر: اِبْحثْ لِتَعْلَمَ ما قدْ كنتَ تَجْهلُهُ   فالعقلُ فنَّانِ، مَطبُوعٌ ومسْموعُ

وقيل لابنِ هُبرَةَ: أيُّ شيءٍ أوَّلُ العقلِ بعْدَ الغَرِيزيِّ المولود، والتَّالِدِ الموجود؟ قال: تجرِبةُ الأمورِ، والتَّثَبُّتُ فيها، والتَّقَلُّبُ فيالبلادِ،

والنَّظرُ في عجائبها. قال الشيخرحمه الله: على أنّ التجربة لا تَنْفَعُ إلَّا العُقلاء، وأمَّا الجُهّالُ فليس لهم فيهامنفعة.

وقد قيل: إنَّما تنفعُ التَّجاربُ مَنْ كانَ عاقلًا. وقيل:

                   * وقدْ يَنْفَعُ المرءَ اللَّبيبَ تجارِبُه *”

 وفيما يلي مجموعة من الأمثال العربية الجاهلية، نتبين من خلالها عددًا من سِمات القوم ومبادئهم المتعلقة بمختلف مجالات  الحياة.

و نبدأها بمثل يكشف عن قيمة من قيم العمل والأداء لدى العرب وهو قولهماعط ِالقوسَ باريها، أي استعن على عملك بِمَنْ يُحْسنه،

فهذا المثل يكشف عن عناية واهتمام بمبدأ الإتقان الذي يتحقق بإسناد كل مهمة إلى من يجيدها ويُحسن أداءها.

وقد بين الشاعر أنَّ إسناد الأمور إلى غير أصحابها يُعَدًّ ظلمًا، حيث قال:

يا باريَ القوسَ بَـرْيًا لستَ تُحْكِـمُهُ     لا تَظلمِ القوسَ، أعطِ القوسَ باريها  

ففي إسناد العمل إلى غير مَنْ يُـتقنه ظلمٌ له؛ لأنَّه يؤدي إلى إفساده.

وأصلُ الظلم في اللغة: وضع الشيء في غير موضعه.

  وقد جاء الإسلام فأكّد على ضرورة العمل بذلك المبدأ، حيث قال عليه الصلاة والسلام:استعينوا على كل صناعةٍ بأهلها،

وقال مُنبِّهًا ومبينًا أنَّ مخالفة ذلك تُـعَـدُّ من علامات الساعة:إذا وُسِّدَ الأمرُ إلى غيرِ أهْـلِه فانتظرِ الساعة.

وبذلك نجد

أنَّ للعرب والمسلمين فضيلة السبق إلى تقرير، مبدأ الجودة الذي يظنه الكثيرون ناتجًا من نواتج الحضارةالغربية الحديثة.  

ومن أمثالهم أيضًا قولهم:

                         “مِنْ مأمَنِهِ يُؤْتى الحَذِر

يُضرَبُ هذا المثل، ليُنَبِّه الحَذِر، أوْ ليعزيه فيما أصابَه، أيْ أنَّ الحَذَرَ قد لاَ يَدفَعُ عَنه ما لاَ بُدَّ لَهُ مِنه، وإنْ جَهِدَ جَهْده.

وقيل:لاَ ينفَعُ حَذَرٌ مِنْ قَدَرٍ“.

 ******

معاني الكلمات:

رِدْء: الرِّدْء المُعينُ والنَّاصِر. وفي التنزيل العزيز في قصة موسى  

غُفْلٌ: الغُفْل مِنْ لا يُرجى خيره، ولا يُخشى شرُّه  

لم تَسِمْكَ التجارب: لم تَجعلْ لك سِمَة وعلامة يتميَّز بها أداؤكَ. 

غِرٌّ بَيِّنُ الغَرارة: مَنْ يَنْخَدِعُ إذا خُدِع. والغَرِير: الشَّابُ لا تَجْربة له. 

 د. خديجة الصّبان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى