الثقافية

“عِشْ رَجَبًا ترى عجبا”

“عِشْ رَجَبًا ترى عجبا”

جاء في تاريخ بن الأثير أنَّ هذا المثل من أمثال الجاهلية. أمَّا لماذا “رجب”، وما قصة هذا المثل، فيُروى عن أبي عبيد البكري أن أهل الجاهلية كانوا يرفعون مَظالِمَهم إلى رجب، ثم يأتون فيه الكعبة، فيدعون الله ـ عزَّ وجلَّ ـ فلا تتأخر العقوبة؛ فكان المظلوم يقول للظالم: “عِشْ رجبًا ترى عجبًا”، ثم صار يُضربُ مثلًا في تَحوِّلِ الدهر وتقلُّبِه وكثرةِ عجائبه.
ولا مَزِيَّةَ لرجب في تخصيصه بالدعاء؛ فإن الله تعالى يجيب دعوة المظلومين والمضطرين في كل وقت وحين، ولو من غير المسلمين. وسببُ تأخير أهل الجاهلية دعواتِهم على الظالم إلى شهر رجب، كونُه من الاشهر الحرم عندهم، فَيُوقفُ فيه السَّلب والنهب، ولكثرة الخير الذي فيه. ويقال إنَّ أوَّل مَنْ قاله هو الحارث بن عُباد بن قيس بن ثعلبة، وكان ذا مكانةٍ ومُلْكٍ في قومه، حيث طلَّق إحدى نسائه من بعد ما تجاوز في العمر وأصابه الخَرَف، فتزوجها بعده رجلٌ كانت تُظهر له من الموَّدة والحب ما لم تكن تُظهره لزوجها السابق (الحارث)، فلقيَ زوجُها الحارثَ ذات يوم فأخبره بمنزلته الكريمة من زوجته، فقال له الحارث: “عِشْ رَجَباً تَرَى عجبًا”، والمعنى: عش رَجَبًا بعد رَجَب، فسيظهر لك منها العجب، وسمعها العرب فاتخذوها مثلا يروى من بعدهم الى يومنا هذا.
وأذهبُ إلى أنَّ في استخدام الحارث (الزوج السابق) للمثل في الردِّ على زوجِ طليقته، إشارة إلى دعائه عليها، وذلك يعني أنَّها كانت تُسيء معاملته، وقد يكون ذلك بسبب فارق السِّنِّ الكبير بينهما، وفي ذلك الرّدِّ أيضًا ردٌّ للزَّعم بإصابته بالخَرَف.
وفي المثل رواية أخرى “عِشْ رَجَبًا ترَ عجبا”، بجزم “تَرَ”، وذلك يعني أنَّه واقعٌ في جواب الطلب “عِشْ”، فكأنّه قال: عش رجبًا، إنْ تعش، ترَ عجبًا. أمَّا على رواية الرفع: “عِشْ رَجَبًا ترَى عجبا”، فيكون المعنى على الاستئناف، والتقدير:

عش رجبًا وسوف ترى عجبًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى