منتدى القصة

بين ندمين

بين القرار والإصرار، والتغاضي والفرار، بين الصمت وبين المواجهة، ارتسم لناظري طريق الحياة بخياراتها المتعددة، على ضوء هذه الخيارات كانت صياغة القصة والسيرة تمر بمحطات يغلفها الحذر، يعلو فيها شعور الخوف من الندم، لدرجة تحفز تحويل النتائج إلى منطلقات جديدة بحلقة مفرغة؛ تدوّر رحى التفكيك والتركيب للأفكار، حيث يطالب مستوى الطموح سقف الإمكانيات، وبين الكر والفر بينهما يعبر الزمان كالسحاب مهاجرًا لا يلفت الانتباه.
على ضوء هذا التجاذب؛ يخلق الاختلاف في المواقف الحياتية، بين الصمت والمواجهة، بين الاستقلالية والمشاركة، بين التجاهل والتصادم، تصوغ الذات قصة عبورها في خضم هذا التفاوت والاختلاف.
ثم تمر ليلة الذكريات، التي يعتمل فيها تقييم القرارات وتقدير ما فات، يحاول الندم نسج خيوطه كالعنكبوت على مسار الأفكار، تمر ليلة العناء والمرض، فيردد الصدى بين جدران العزلة همهمات الحمى دون اكتراث بالإخبار، هنا.. حيث يخفت صوت الاستقلالية والانعزال، يتجاوز العقل الأسماء التي يملؤها العتب على البعد لدرجة لا تفي بالاكتراث، إن لم تجدها فرصة الثأر لأوجاع الغياب.
إن محاولة الخروج من سطوة الندم قد تؤدي للهروب من ندم ظاهر إلى ندم يظهر، من ندم واضح الأسباب إلى ندم يتم اكتشاف أسبابه لاحقًا، وما بين ندمين؛ تصطف القرارات بحثًا عن الندم الأهون بينهما.
ربما يؤدي التفكير في الماضي بعقلية الحاضر المتجددة والأكثر نضجًا لطرح تساؤل حول إمكانية إعادة صياغة الأحداث التي مرت بطريقة مختلفة وأكثر فاعلية، “ماذا لو أنني لم أتخذ ذلك القرار؟ حيث أبدو أكثر رضا وسعادة؟” وربما يضعف الإيمان أمام الشك لدرجة الشعور بالندم، والذي يفضي لتحويل ما يعد محطات استراحة قصيرة إلى محل إقامة دائم، يشبه مع ضغط التردد جزيرة تحفها الأمواج ولا تسكن في مراسيها سفن، لذلك وجدت فكرة الاستشارة والاستخارة، تجلت إشارات الجذب وعلوم الطاقة، اكتسبت العرافة وهجها الخادع، تمايز من يحمل اليقين والفأل والإيمان بالذات عمن ينهزم لضعف إدارته لأفكاره، وكما قيل: “السفن آمن ما تكون في المرسى، لكنها لم تصنع لذلك”
إن جودة إدارة الماضي وطريقة النظر إلى الفشل والتجارب السيئة، يخلق جودة الحاضر، يترجم روعة الأمل الذي يشع باستقامة تجاه الغد المشرق.

عبدالله الصليح

قاص - كاتب صحفي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى