
تخيل انك تحاول أن تمارس لعبة كرة السلة بدون أن تعرف أبسط قواعدها ,من المؤكد أنك ستفشل مهما كانت بساطة اللعبة , إن أي نشاط تقوم به يتضمن مهارات أساسية معينة يجب توافرها لتحقيق النجاح , اذ ينبغي عليك أن تتعلم كل مهارة وتستوعبها جيدا , وتفهم متى تستخدمها ثم تقوم بممارستها بانتظام ” انك بالتأكيد لن تستخدم المطرقة لنشر الخشب ” .
إنك تستطيع ان تشبه عملية نمو الطفل بمشروع ستبدأ في إنشائه، حيث تحتاج جميع الأعمال الى أنظمة أساسية معينة ” كنظام الحاسب ” وبينما ينمو عملك فسوف تحتاج لرفع كفاءة هذه الأنظمة، واثناء فترة التحول سوف يسود عدم النظام الى أن يعتاد كل شخص على استخدام الأنظمة الجديدة.
وبمجرد ان توضع الأنظمة الجديدة في موضعها الصحيح ويتم تشغيلها بسهولة , سوف يدار عملك بفاعلية وإنجاز اكبر وسوف يحصل العملاء على خدمة افضل , وهكذا دواليك تحدث عملية مماثلة مع الأطفال بينما يتقدمون في النمو فتأتي مراحل الفوضى قبل مراحل النظام , ففي مرحلة ما يمكن ان يتقدم طفلك بخطوات سريعة وعظيمة في قدرات معينة ثم بعد ذلك يحتاج الى نظام جديد ولكن اثناء مرحلة نموه وتطوره ربما تسود الفوضى ويسوء سلوك طفلك فالمهارات التي اكتسبها سوف تختفي فجأة وسوف يعم نظام الفوضى والاضطراب لوقت ما , فلا تقلق لأنه بعد فترة معينه سيسود الهدوء وسوف يقوم خلالها بإظهار مهارات جديدة أو المزيد من المهارات المتعلمة والمتناسبة مع عمرة العقلي او الزمني .
يحدث في فترة النمو الكثير من التصادم بين الوالدين والطفل لعدم ادراك الوالدين بمدى أهمية التربية الصحيحة والتي تحتاج الى تخطيط طويل المدى ووضع الأهداف لها , فالوالدين قد تربوا بطرق مختلفة , فكيف نشأوا سيجدون ان تلك الطرق هي المثلى في التعامل وفي حل المشكلات اليومية , هذا ان كان على المستوى الشعوري اما على المستوى اللاشعوري والجسماني فما يحدث اثناء الصراع هو عملية تحول في مخك حيث يتحول مركز التحكم قشرة الدماغ وهي الجزء الواعي والمنطقي الى الجهاز الحوفي وهو الجزء الذي يتعامل مع الانفعالات والذكريات في المخ , وقد احتفظ الجهاز الحوفي الخاص بك بكل الرسائل التي تلقيتها من والديك , والتي يتم التنفيس عنها في انفعالاتك , عندما يحدث هذا التحول في مخك , ينفتح فمك وتخرج منه كلمات والديك , وعندما يحدث ذلك تصبح كالألة التي تدار اليا, من خلال برامج تم تصميمها بدخلك منذ سنوات انك قد أصبحت صورة لأبيك او امك تردد نفس الكلمات وتستخدم نفس الأسلوب الذي اقسمت يوما ما بأنك لن تستخدمه ابدا , ولكي تتحرر من سيطرة هذا النظام الانفعالي , يجب ان تحرر نفسك من سيطرة الجهاز الحوفي الخاص بك , حيث ينبغي عليك ان تتحكم في غضبك وانزعاجك , فبعض الأشخاص قد تربوا على لغة الخوف فأصبحت تلك اللغة هي المستخدمة في التربية واصبح الوالدين يلقون الضوء على عيوب ابناءهم وكأنهم يستخدمون بذلك القلم الفسفوري الخاص بهم لإظهار العيوب وتجاهل المميزات وتلك المعاملة تنتج أطفال ليسوا جيدين او اذكياء بما فيه الكفاية , ان التربية القائمة على الخوف تثير ردود فعل بدنية ناتجة عن الضغط على طفلك تعوق قدرته على التعلم , فعندما يتعرض للضغط النفسي يفرز جسمه الهرمونات الخاصة بالضغوط واحد هذه العناصر الكيميائية التي يتم فرزها يسمى “الكورتيزول” إن ارتفاع مستوى الكورتيزول في الجسم ممكن ان تدمر خلايا معينة في المخ تلعب دورا رئيسيا في الذاكرة والتعلم , إنك ترغب في ان يقوم طفلك باستيعاب وتعلم الدروس التي تحاول تعلمها له , ومع ذلك تراه ينسى كثيرا ويتشتت لأنك عندما اعتمدت على الخوف اعقت من نشاط المنطقة الخاصة بالذاكرة , والتعلم لدى الطفل فأثرت بالسلب عليه , فالطبيعة تقوم بأمدادك بمواد البناء اللازمة لبناء وتكوين العقل البشري وتقوم التربية بدور المهندس المعماري الذي يقوم بعمل التصاميم , كي تستطيع ان تتخلص من تلك المشكلة والاعاقة في التربية اهتم بالتركيز على قوة الادراك لكي تصل الى مهارة هدوء النفس , وفكر دائما بالمقاصد الإيجابية فمثلا عندما احدث ابنك فوضى في المنزل اذا فكرت ان هذا الابن يتحداك ويريد ان يعاندك فمن الطبيعي ستشعر بالغضب وروح الانتقام ولكن مع الاتفاق بان تصرفه قاصر لكنه يريد ان يوصلك رسالة بان يلفت انتباهك بانه موجود ربما لتحتضنه او تلاعبه او حتى لتراه , اذا فكرت بتلك الطريقة ستتعامل مع الموقف بطريقة اكثر نضوجا وبتقبل وحل للمشكلة بصورة عقلانية , ولكن للأسف اننا اصبحنا نستخدم الحلول السريعة فلا وقت للمحاولة والصبر فالطفل الذي من الممكن تهدئته بقطعة حلوى ربما ينمو ويصبح مفرط السمنة لأنه سيقوم بتهدئة نفسة بالطعام , اما الطفل الذي يتم تهديده بالضرب فربما ينمو ويصبح شخصا بائسا ومضطرب المشاعر, ففي مجتمعاتنا يتوقع الناس إيجاد حلول سريعة لكل أنواع المشاكل , فاذا كنت تشعر بصداع فتناول حبة دواء , وان كنت تشعر بالتعب في الصباح فعليك بالمزيد من القهوة , ولكن يفترض انه عن طريق الادراك والنضج ندرك انه لا توجد هناك حلول سريعة وسحرية , واذا ركزنا أيضا على لغة الربح والخسارة والمكافاة والعقاب الغير موجه سنخلق منها أطفال ماديين , لأننا وضعنا الأشياء المادية محل العاطفة والتشجيع , وللعلم فإن صناعة الإعلان هي التي أتت بهذا الاتجاه نحو التعزيز المادي , امعن التفكير في كل الإعلانات التجارية التي تقترح ان المنتج يستطيع ان يقول “انني احبك” او ان نقوم بتعليم الأطفال ان قيمتهم الذاتية تعتمد على الأشياء التي يحصلون عليها , عندما نعتمد على المكافأت المادية , فنعلمهم ان يشعروا بالتقدير نحو الأشياء بصورة اكبر من شعورهم بالتقدير نحو العلاقات الإنسانية , فالمكافئات المعنوية كالابتسامة والعناق وإظهار المحبة والاستحسان وسماع الشكوى بإنصات والتقبل والفخر بالأبن عند القيام بعمل جيد, لهو الابقى والأفضل من المكافأت المادية وإذ لا نتجاهل دور المكافأت المادية في تعديل السلوك ولكن لا تكون بصفة دائمة فالتعزيز المتقطع ابقى اثر في تثبيت السلوك من التعزيز المستمر والتعزيز المعنوي لهو الابقى والأوفر والأفضل لشخصية الطفل ولتقوية روح التواصل بينه وبين والدية , ان التقبل يعني معرفة وإدراك ان الأشخاص والمواقف والاحداث لأمور ثابته فكل لحظة ببساطة لا تعني اكثر من ذاتها , ان المسؤولية هي القدرة على التجاوب وتقبل الاخرين بصدر رحب لتعلم بأنه عندما يزخر قلبك بمشاعر الفخر والحب , فسيظهر ذلك لأطفالك , ان كلماتك التي تعبر عن الامتنان الصادق لتواجدهم او افعالهم تعد هدية او مكافأة لا تقدر بثمن , وعندما ترى اطفالك يتمتعون بالثقة والاتزان ستعلم مباشرة انك تتمتع بذلك الشي ,لأنك المربي فأطفالك هم مرأتك التي تعكس تصرفاتك وافعالك , ان تلك المقال الطويل جدا ، اقصد به جملة واحدة فقط وهي ( انه يجب ان نقوم بتربية انفسنا تربية جيدة وان نتخلص من جميع رواسبنا القديمة قبل ان نبدأ بهذا المشروع الضخم وهو تربية الأبناء )
نداء سليمان العيسى
معالجة نفسية بمدينه الملك سعود الطبية
المصادر كتاب (الاطفال سهل حبهم ، صعب تهذيبهم )
للدكتورة بيكي ايه بيلي
وبعض القراءات الأخرى .






