منتدى القصة

آمين..

سلم الإمام من صلاة العشاء، استدار نحو جماعة الحي الذين لا يملؤ عددهم الصف كاملاً، كان في مقدمتهم رجل مهاب يبدو من علية الناس شأنًا وجاهًا، لقب بالشيخ توددًا وإقرارًا بمكانته المادية والاجتماعية بين أهل الحي البعيد الذي يميزه وجود العديد من المنازل التي يعادلها قصر هذا الشيخ الوقور، انهمك في الذكر بعد الصلاة ليقاطعه صوت الإمام على غير العادة وهو يقول: “أبارك لكم إخواني حلول شهر رمضان…” ابتسم مبتهجًا بينما يتذكر وعده لزوجته وابنته “سارة” أن يذهبوا لمكة المكرمة في شهر رمضان لأداء العمرة، التفت متفحصًا المصلين فوجد بينهم حارسه الأمين “محمد”، الذي يبدو نحيلاً كهلاً لا يؤثر تقدمه في السن وتجاعيد وجهه البشوش على همته في العمل كأجير لحراسة القصر ورعاية شئون أهله، ابتسم وهو يشعر بامتنان للحظ الذي جمعه بهذا الرجل الصالح المخلص الذي يندر مثيله، فرغم كثرة من يعملون لديه إلا أنه يشعر بالراحة والثقة تجاه هذا المسن الطيب، قام من مصلاه مسلمًا ليرد المصلون عليه السلام ويخرج متجهًا إلى قصره القريب ماشيًا برفقة “محمد”.
دخل إلى بيته لتستقبله الخادمة حاملة عنه “البشت” الذي يرتديه ليستقر في مجلسه المعتاد ينتظر أسرته الودودة، فزوجته وإن كانت لا تكف عن إسدال قائمة طلباتها التي لا تنتهي، و”سارة” وإن كانت مدللة جميلة غضوبة سريعة الانفعال، إلا أن ذلك يأسره ويشعره بالرضا..
فجأة انتابته حالة من السعال المفاجئ الذي لم يعتد عليه، أسرعت زوجته التي كانت متجهة إليه لتتفحص أمره، فوجدته يطرق برأسه بينما يعجز عن إيقاف السعال الذي اشتد لدرجة مقلقة منعته حتى من الرد عليها، أسرعت للاتصال بالطبيب الذي هرع نحو القصر بقلق بالغ لا يصطنعه، فجميع من عاشر الشيخ يعلم أنه استحق كل ما ناله من نعيم وحظوة لطيب أخلاقه وحسن معاملته وكرمه، انهمك في فحص حالته الصحية بقلق يتزايد ثم أنزل سماعته الطبية ليخبر الجميع أن الشيخ يحتاج إلى الراحة لعدة أيام مع عنايته بأخذ بعض الأدوية الهامة، أطرق الشيخ مستسلمًا بوجه مجهد كأنما كان ينتظر انطباع الطبيب عن حالته ليريح جسده على فراشه مغمضًا عينيه دون حراك.
في صباح اليوم التالي، دخلت “سارة” على والدها وقد بدت منزعجة كعادتها، فخدها يحمر انفعالاً أكثر مما يكون خجلاً، ابتسم وهو يستمع لاستنكارها أمر مرضه وقد حل وعده بأخذهم للعمرة، لم يقاطع حديثها وابتسامته سوى طرق الباب الذي كان خلفه “محمد” وقد عاد ببعض مشتريات أوصته بها زوجة الشيخ، استغل ذلك فرصة للاطمئنان عليه وسؤاله عن حاله، فأخبره الشيخ بما كان من أمر ابنته واستنكارها لعدم ذهابهم لمكة، وكان من عادة “محمد” أن يعرض خدماته كلما وجد فرصة لذلك، فقال: بإمكاني إن سمحت لي أن أسافر بهم لأداء العمرة وسأكون لهم الرفيق والحارس الأمين، سرعان ما لمعت عينا الشيخ بإعجاب بما اقترحه “محمد”، فاستشار زوجته لترفض ذلك بحجة مرضه وحاجته للرعاية، فرد عليها بوجود الطبيب الذي سيزوره كل يوم للاطمئنان عليه بالإضافة لأهل الحي الذين لن يفرغ مجلسه من زياراتهم الواحد تلو الآخر، وأن تلك فرصة للدعاء لهم بالشفاء العاجل، قبلت رأيه على مضض، واستثنت من الخدم من يبقى جوار زوجها حتى يعود البقية.
استعد الجميع للسفر، وفي صباح اليوم التالي كان الركب يضم محمدًا وزوجة الشيخ وابنته وعددًا من الخدم والحشم كما هي عادة أسفار أهل الشأن.
حين وصلوا إلى مكة، كان الحرم مزدحمًا بالمعتمرين، وهذا ما جعل من مهمة الطواف شاقة، لكن ذلك لم يثن “محمد” عن همته حيث أصبح يدعو في صحن الطواف بصوت جهور فيؤمن معه الناس من حوله، استرقت زوجة الشيخ السمع محاولة تبين صوت “محمد” ودعواته بين أصوات المطوفين والذاكرين، فلم تدرك إلا سكوته بين كل دعوة وأخرى، فكانت تؤمن على دعاءه ليعود صوته مجددًا يلهج بالدعاء الذي تميز بأنه يرفع به صوته مرة بعد مرة، حتى استطاعت سماعه يردد:
اللهم اجعل سارة زوجة لي!

عبدالله الصليح

قاص - كاتب صحفي

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى