
الوصية الأولى : توحيد الله – سبحانه ، وإفراده بالعبادة ، دون سواه ، كما قال تعالى : {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً}[الحج:26] ، فأَعْظَمُ مقاصد الحج ومنافعه: تحقيق التوحيد ، وتخليصه من التنديد ، فالتوحيد أولاً وآخراً ، والعقيدة ابتداءً وانتهاءً ، يقول جلَّ في علاه :{ قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ} [الأنعام:162-163] .
الوصية الثانية : تحقيق الإخلاص لله – تعالى – فعليكم ـ يارعاكم الله ـ بالإخلاص ، فهو القاعدة والأساس ، وليس إلاَّ به الفلاح والنجاح والخلاص ، قال تعالى : { قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي }[الزمر:14]: وقال سبحانه : { أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} [الزمر:3] ، وقال : (( إنما الأعمال بالنِّيات )) [خرّجاه في الصحيحين من حديث عمر رضي الله عنه].
الوصيـة الثالثـة : تحقيق المتابعة للحبيب المصطفى، كمـا وصَّى الله – سبحانه وتعالى – بقوله جَلَّ من قائل :{ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر:7] ، وفي قوله تعالى : {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران:31].
الوصية الرابعة : الاستمساك بالتقوى ، فَبِالتَّقْوى كل أمرٍ يَزْكُو ويَقْوى ، ويبلِّغكم بإذن الله جنَّة المأوى . وهي : امتثال أوامره واجتناب نواهيه ، بفعل كل مأمورٍ به ، وترك كل مَنْهِيٍّ عنه ، حسب الطاقة .
الوصية الخامسة : استشعار عظمة هذه الفريضة الجليلة ، وإنزالها المكان الأرفع من شعائر الإسلام، فهي الركن الخامس من أركان الإسلام ، وهو تمامه وكماله ، وختامه لكل مسلم . ومن أدَّاه مُوافقاً لهدي المصطفى خرج من ذنوبه كيوم ولدته أُمُّه.
الوصية السادسة : وجوب تعظيم مكانة البيت العتيق ، واستشعار قداسة هذه البقاع ، وأنَّها أشرف وأطهر ، وآمن بقعة على وجه البسيطة ، وأنَّ لها خصائص وفضائل جُلَّى ، جاء بها الشرع الحنيف ؛ فلا يُسْفَك فيها دم ، ولا يُعْضَدُ شجرها ، ولا ينفَّر صَيْدها ، ولا تُلْتَقَطُ لقطتها إلاَّ لمن عرَّفها ، فالشجر والإنسان والنَّبات والحيوان في مأمن تامٍّ من الخوف والأذى ، فكيف بالمسلم ؟! ، قال – جلَّ في عليائه – : { وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً } [آل عمران:97] ، فلا يجوز أبداً أن يُحَوَّل هذا المكان الحرام ، إلى ما يُنافي مقاصد الشريعة ومآلاتها، فلا يُرفع في أرجائه شعارٌ إلاَّ شعار التوحيد الخالص لله، ولا يَحِلُّ لمن يؤمن بالله واليوم الآخر، أن يروِّع الآمنين ، أو يُعَكِّر صَفْوَ الخاشعين ، أو يصرف هذا الركن العظيم عن غايته وحقيقته ، إلى مآرب مشبوهة، تخالف شرعة الإسلام، وهدي خير الأنام.
١الوصيَّة السابعة : الاستعداد لهذا الركن بالعلم النافع والفقه في أحكامه ، والتبصُّر في أدائه ، يقول – سبحانه – في شرف العلماء وقَدْرِهم :{ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر:28] ، ويقول عليه الصلاة والسلام: ١(( طلب العلم فريضة على كل مسلم )) [خرّجه الشيخان من حديث معاوية ] ، ويقول : (( من يُرِدِ الله به خيراً يُفَقِّهه في الدِّين )) [خرّجه الشيخان من حديث معاوية رضي الله عنه ، انظر : صحيح الترغيب والترهيب برقم67].
الوصية الثامنة : الاستقامة في السلوك، وطهارة الجوارح من الآثام والمعاصي، فإنهما سبب الخسران والمآسي ، يقول الباري سبحانه : {فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجّ }[البقرة:197] ، والرّفث: كُلّ ما يُسْتَحْيَى من ذِكْرِه من أمور الجماع ومُقَدِّماته ، وأَمَّا الفُسُوق فهو : الوقوع في الذنوب والمعاصي ، قليلة كانت أو كثيرة.
الوصية العاشرة : التحلِّي بالآداب الشرعية الرفيعة السامية ، والأخلاق العالية ، والتخلِّي عن كُلِّ ما يخالف الخُلُق والأدب مع الله سبحانه ، أو مع عباده ، يقول : (( إنَّ المؤمن لَيُدْرِك بِحُسْن خُلُقِه درجة الصائم القائم )) [رواه الإمام ابن حبان برقم1927] ، ويقول : (( أَكْمَلُ المؤمنين إيماناً أحسنهم خُلُقاً )) [الإمام أحمد برقم 7402] ) .
واختتم الشيخ السديس هذه الوصايا بقول ( أخي الحاج الكريم: ومما أسترعي إلَيْه جلّ اهتمامك ، وجوب الحذر من إيذاء إخوانك المسلمين ومضايقتهم ، سواء باليد أو اللسان ، بالقول أو الفعل ، كالمزاحمة والإيذاء في الحرم وفي الطرقات وعند الأبواب، وعند الرمي ، وفي كل المشاعر ، قال تعالى : {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً} [الأحزاب:58] ، فالحَجُّ مدرسة لتعليم الأخلاق الكريمة والسجايا السمحة ، والشمائل النبيلة ، مِنها الصبر والتَّحَمُّل والتعاون والإيثار ، بعيداً عن العنف والغلظة ، وطوبى لمن عَقَلَ لسانه وكَفَّه ، وأطلَق في هذه الأيام المباركات بالخير بَنَانه وكَفَّه!! ويجمع هذه الطائفة من الأخلاق الشَّفِيفَة ، قوله الجامع : (( مَثَلُ المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم ، مَثَلُ الجسد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسَّهر والحُمَّى )) [رواه البخاري برقم6000] ) .






