“موعدنا السنوي يتجدد يا غالي…”
تصل الرسالة، فتفتح بابًا تعرفه قبل أن تفكر فيه.
تقرأها، فتسمع أصواتًا، وترى وجوهًا، ويستقيم الطريق.
عند الباب تقف كما وقفت أول مرة،
والمكان يعيد ترتيبك قبل أن تدخل،
فتخطو… وتعود سنوات كاملة إلى مكانها.
الوجوه حولك تبدلت ملامحها، وبقي فيها شيء لا يتبدل.
كل واحد يعرّف نفسه بدفعته، ثم يسكت،
لأن الاسم الأعمق حاضر قبل أن يُقال:
نحن ثغريون.
تمرّ على أحدهم في طريق عابر،
تتوقف… تنظر… تقول:
أنت ثغراوي؟
فيبتسم… فتطمئن.
في صدر المجلس، خالد عبدالكافي،
تسلّم عليه فتستقيم داخلك هيئة قديمة،
وتتذكر صوته وهو يوقفك عند حرف حتى يستقيم المعنى كله.
اللقاء يتكرر كل عام،
أكثر من خمسين خريجًا يجتمعون في بيت معلمهم،
كما لو أن الزمن غيّر مواقعهم وأبقى ما بينهم.
تعود الذاكرة إلى ساحة التخرج…
إلى أوبريت دفعة ٤٥،
ذلك الصوت الذي خرج يومها وبقي معنا:
أيا ثغر الهدى قلبي بحبك جئت مفتونًا
وذكرى الصحب والأحباب والآباء تكويني
لم يكن دخولًا إلى مدرسة،
بل بداية تشكّل.
أنس الأحمدي يفتح الفكرة،
عبدالغني بلّه، مروان القماش، كمال السوادي…
يمرّ الحرف بينهم فيستقر.
وفي الرياضيات،
أحمد الرابغي، محمد إحسان، البرازي، منير سليم،
يرتبون الفكرة قبل أن تُحل.
الذبياني يجعل المكان يُرى،
الدرعاني والرفاعي يضعان الزمن في موضعه،
صلاح قناه يقود الفكرة حتى تهدأ،
خالد بن محفوظ يأخذك في الجيولوجيا إلى الأرض… لا إلى الورق.
وفي آخر اليوم،
صوت العصيمي بالدعاء يمرّ على الصف كله، ثم يسكن فيك.
ثم تمضي السنوات…
وتكتشف أن بعضهم
لم ينتهِ دوره عند الباب.
وخالد الرميح،
ألقاه على المنبر،
في خطبة الجمعة التي أحرص عليها،
فأسمع صوته كما كان،
وأدرك أن الدرس امتد.
الثغر تأسست عام 1366هـ في الطائف،
وانتقلت إلى جدة عام 1380هـ،
وعاشت مرحلة تميزها تحت إشراف وزارة المالية،
حيث اجتمع فيها ما ندر اجتماعه:
اختيار دقيق،
ومعلم يُقتدى به،
وبيئة تُعاش،
وإدارة تمسك الخيط.
قاعات قرآن تهذب الصوت،
ومعامل لغة تنشئ النطق،
ومعامل تُرى فيها الفكرة،
ومكتبة تضم اثني عشر ألف كتاب،
ومسبح، وملاعب، وصالة، واستاد، ومضمار فروسية…
تفاصيل كثيرة تلتقي في اتجاه واحد،
حتى يخرج الطالب وقد مرّ بكل ما يصنعه.
وهنا تتكامل الرباعية:
المعلم، والبيئة، والإدارة، والطالب،
فتظهر النتيجة إنسانًا يبقى أثره حيثما ذهب.
فلي في رمضك الحاني حكايات تغذّيني
ومرّ الدهر يا ثغري وربي ليس ينسيني
كل زاوية كانت تعمل عليك،
تأخذ منك وتضيف إليك في صمت.
سلامًا مقعد الدرس سلام العاشق الهاني
في الصف لم تكن تتلقى فقط،
كنت ترى نفسك كما يمكن أن تكون.
وكنتم شمعةً ضاءت بليل أسود عان
وفي يوم ممطر.
عبدالله باناعمة عند الباب،
ينظر إلى السماء ثم يقول:
“شوفوا الجو… وانتو محجوزين هنا”
تضحكون…
وتمر الجملة.
تمر السنوات بعد التخرج…
تخرج من عملك يومًا،
ترى المطر،
فتتجه إلى البحر بلا ترتيب.
ترفع الهاتف:
“أستاذ… أنت في الفصل؟”
يضحك… كما ضحك أول مرة.
الجملة نفسها عادت،
وهنا تفهم:
الدرس لم يكن في الحصة.
أحبتنا إذا عجزت عن البوح الأغاريد
ولهذا…
يجتمعون.
لنا يا ثغرنا عود لنحي ذكريات صبا
ونشكر فضل آباء لنا قد علموا الأدب
تجلس بينهم،
فتذوب المسميات وتعود البدايات.
الطبيب، المهندس، الضابط، التاجر، المسؤول…
يجلسون كما جلسوا أول مرة.
ويبدأ خالد عبدالكافي
يعرّف بهم واحدًا واحدًا،
فتسمع اسمك بصوته كما سمعته أول مرة،
وفي صوته فخر أب بابنه.
وخلف المشهد…
أسماء صنعت هذا الاتساق:
عبدالله الصبحي،
عبدالله أبو زيد،
حسن بازيد،
فؤاد مليباري،
وصلاح قناه، المرشد الذي كان يرى ما لا يُقال.
لم يكونوا جزءًا من لحظة،
بل سبب استمرارها.
وفي كل عام،
يخرج من هذا المكان
ما لا يقل عن طالبين ضمن العشرة الأوائل على مستوى المملكة،
نتيجة تتكرر وتدل.
وسوف تريننا يا ثغر في أفق السماء شهبًا
هنا تُرى ثمرة ما زُرع…
يبقى الأثر،
في هيئة تستقيم عند اللقاء،
وفي صوت يعود كما كان،
وفي أسماء تُقال فتُفهم.
ويستمر ما تشكّل هناك،
يمشي معك،
ويُعرف بك،
ويظهر حيث لا يُطلب.
الثغر نموذج صنع إنسانًا،
وبقي أثره.
وأمام أبنائنا والأجيال القادمة،
يقف السؤال الذي لا يؤجل:
كيف نهيئ لهم من ثغرنا نموذجًا،
يرون فيه معلمًا يُقتدى به،
ويعيشون تجربة تصنعهم،
ثم يكبرون…
فيُعرفون كما عُرفنا؟
بعضهم غاب عن المجلس،
وبقي فينا.
رحم الله من رحل من معلمينا وأصدقائنا وزملائنا من الطلاب،
وحفظ الله من بقي،
وأدام هذا الأثر في أجيال قادمة.
وداعًا يا ربى ثغري بدمع القلب أسطره
وداعًا ينبت الأحزان يدمي القلب يسكره
وداعًا ثغرنا لكن جميلك لست أنكره
وذكرك في سواد القلب في الأعماق أحفره
نحن…
ثغريون… الخيط الذي لا يُرى.




