المقالات

القادم غير المتوقع

قدّمت الولايات المتحدة الأمريكية (15) بندًا، إضافة إلى البند (A)، وهو البند الذي لم يُحرَّر ضمن البنود السابقة، بل كُتب في ورقة أخرى مؤجلة، لم تتسلّمها إيران، ولم يُعلن عنها أمام الوسطاء والإعلام، على أن يتم التفاوض عليه لاحقًا في واشنطن، بعد أن تكون أوراق رفع العقوبات على الطاولة، ليُوقّع عليه بمداد القلم الأمريكي، في محاولة لإعادة ضخ الحياة في جسد الميزانية الإيرانية المتهالك.

فالتمرد والتذمر الذي يُبديه صُنّاع القرار الإيراني، المتناقضون تارةً بصوت مرتفع، وتارةً أخرى بصوت خافت، ليس بسبب جميع بنود مسودة التفاوض، بل قد تقبل إيران إضافة بنود أخرى، مقابل وقف الحرب، مع حذف بند التخلي عن دعم المليشيات في الدول العربية.

فحذف ذلك البند يعني الإخلال بالدستور الإيراني وبمبادئ الثورة الإيرانية، وإذا قُبل وجرى التوقيع عليه، فإن ذلك يشير إلى زلزلة أركان النظام، الذي يناضل باستماتة من أجل استمرار سطوته على مفاصل الحكم، لحماية الثورة وتصدير مبادئها.

لقد أرسلت إيران من أدواتها العسكرية وذخائرها إلى الخليج والدول العربية – التي لم تكن طرفًا في المعارك – ما يعادل ثمانية أضعاف ما أرسلته إلى إسرائيل. فهل يكون ذلك جلاءً لوَقْر السمع وعَشَى البصر عن رؤوس تلك الأكتاف التي تتزاحم للولوج إلى المحراب الإيراني؟

قد نجد مبررًا لسمّ الكراهية الذي مُزجت به أساليب التربية والتنشئة الاجتماعية الإيرانية لشعبها، لكن ما يدعو إلى الدهشة هو كيف استطاع الإيرانيون ضخّ هذه الكراهية والعداء في وعاء المجتمع العربي، حتى أصبح العربي يُهريق دم أخيه، وينحر ولاءه لبلده وسيادته، على أعتاب مراقد قم، بل وشاهد العالم بعض الغلاة منهم يلعقون قذارة أقدام الفرس في طرقات المدافن.

السؤال الذي يتجدد دائمًا عندما تفوح رائحة البارود: كيف استطاعت إيران اختراق العقيدة، والولاء الوطني، والرابط الاجتماعي العربي؟
هل أسهمت عوامل نفسية مستترة في ذلك؟ أم أن هشاشة البناء العقدي كان لها دور؟ أم أنه قصور في أداء التربية الوطنية أدى إلى تحطّم الولاء الوطني؟ أم أن وطأة الفاقة وضعف ذات اليد لدى قيادات تلك الجماعات قد هشّمت الكرامة في بنيتهم النفسية؟

ربما تبدد إجابة أحد هذه الفرضيات الدهشة، وربما جميعها، لكن من المؤكد أن هذه العوامل لا ينعدم تأثيرها، وقد لا تخلو بعض المجتمعات أو الدول العربية من بعضها، إلا أنها لم تغتل ولاءها لأعلام دولها، ولم يفلح تلقيح عقائدها بسموم الكراهية الإيرانية في تحويلها إلى كيانات تجوب الطرقات تحت الرايات الصفراء.

يعلم العرب العقلاء – عدا أتباع تلك الرايات – أن هذا العداء الفارسي للعرب ليس حديث النشأة، ولا طائفي الدافع، بل انطلق منذ أن اعتمر العربي سراقة بن مالك سواري كسرى الفارسي وتاجه… فهل من عقولٍ تتدبّر؟

لقد استغربت في بدايات الحرب دعوة الولايات المتحدة وإسرائيل الشعب الإيراني للخروج إلى الميادين لإسقاط النظام تحت وابل القذائف، ألا يعلمون أن الذين كانوا يهتفون بسقوط النظام قبل الحرب، سيهتفون له مع رائحة الحطام؟ فمن المعلوم أن الولاء للأوطان يرتفع منسوبه عند تعرضها للخطر، وتتوحد الشعوب، وتتلاشى خلافاتها مع أنظمتها تحت أعلام بلدانها. لذلك، إن أراد الشعب الإيراني إسقاط نظامه – وهو المأمول – فلن يكون ذلك تحت أزيز الطائرات، بل بعد أن تضع الحرب أوزارها.

فجرائم إيران في إيذاء الجسد العربي لم تكن يومًا بهذا الوضوح كما هي اليوم، فقد دفع اللبنانيون ثمن صمتهم الشعبي والحكومي على تمدد سرطان الحزب الفارسي، ثمنًا باهظًا من دماء شعبهم واستقرارهم.

ومع مأساة الشعب اللبناني، تبرز مؤشرات على دخول مليشيا الحوثي النفق اللبناني ذاته، وإن لم يدخلوا اليوم، فإنهم حتمًا سيدفعون باليمنيين إلى أتون المواجهة. لذلك، قد تكون هذه اللحظة فرصة ثمينة لليمنيين لاجتثاث هذه المليشيا، قبل أن يدفع اليمن ثمن صلف أولئك الخونة. فإن وقع المحذور، سيغادر الحوثي وزمرته إلى طهران، ويتركون اليمنيين يواجهون مصيرهم.

خاتمة:

إن الحرب سائرة نحو المجهول، والتصريحات جائرة، رغم القوى الخائرة، والتحليلات حائرة… وعلى الظالم تدور الدائرة.

د. جمعان بن رقوش

رئيس جامعة نايف للعلوم الأمنية سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى