المقالات

الضعيف تبكي عليه أمه

حادثٌ في أستراليا قُتل فيه 16 شخصًا وأُصيب العشرات، موجَّه ضد مجموعة يهودية.

من تحصيل الحاصل أن نقول ونكرّر: كل عمل إرهابي، كيفما كان، مُدان، وخاصة عندما يطال مدنيين عُزّل. ومن باب أولى أن نندّد ونشجب. فلم يكن أي عمل ضد مدنيين، وبالذات النساء والأطفال، يومًا أتى بنتيجة مفيدة للقضية التي يدافع عنها من قام بذلك العمل.

فبدءًا من العملية التي قام بها إيليتش راميريز سانشيز، الملقّب بـ«كارلوس الثعلب»، والذي اختطف وزراء أوبك عام 1974 مطالبًا بنصرة القضية الفلسطينية وفدية مالية… فمن ذلك اليوم لم تستفد القضية الفلسطينية من تلك الأعمال العنترية، لأن نتائجها كانت عكسية.

المهم، بعد العملية التي وقعت في أستراليا، وأعتقد أن أكثر من طار فرحًا بها نتنياهو وجوقة المهرجين، وعلى رأسهم – أو قدمهم – سموتريتش وبن غفير. فهم لا تهمّهم دماء أيًّا كان الـDNA الذي يخصّها؛ فإن كانت دماء مسلمين فذلك يوم عيدهم، وإن كانت دماء يهود فذلك يوم سعدهم. فهم أساتذة في الاصطياد في الماء العكر والماء الصافي، وفي رواية الصيد حتى لو بدون ماء.

وعلى طول: هذه معاداة للسامية. وطبعًا، ما دام أن مرتكبها مسلم، فالويل والثبور وعظائم الأمور، وابتدأت الاتهامات هنا وهناك. وانبرى قادة الغرب، وفي مقدّمتهم أمريكا، بالتنديد الشديد، لدرجة أن المستشار الألماني صرّح أنه مصدوم لدرجة أنه عاجز عن الكلام. وما بعرف كيف فهمت وكالات الأنباء هذا التصريح رغم أنه لم يتكلم.

وبعدين وضّح لي أحدهم أنه عندما عجز عن الكلام أتوا بخبير تفسير تعابير الألم والأسى، على نمط: «كل لبيب بالإشارة يفهم». وإذا كان الأمر كذلك، فإني أعتقد أنه لم يُحسن التعبير عمّا يقصده المستشار؛ فالذي أسمعه عنه أنه بكى وشقّ جيوبه ولطم خدّيه، وبالجملة لطم خدّي المرافق الذي جاء ليترجم عجزه عن الكلام.

وكذا فعل كل من أصبح يتبارى كيف يُبدي وصلًا بليلى، وإن كانت ليلى الإسرائيلية لا تُقرّ لهم بذاكا. فما الحب إلا للحبيب الأول، وطبعًا أمريكا. وعرّاب ذلك الحب في الوقت الراهن هو ترامب، والذي أيد قبل عدة أيام إعلان إسرائيل بناء مستوطنات جديدة، وأتصوّر لو كان هذا الحادث سابقًا لأيّدها في استيطان الضفة كلها مع شعبها، ولو أنه أصلًا ما قصّر، وكان يرغب بتهجير سكان قطاع غزة كله إلى عوينات إسرائيل.

طبعًا، الذي ما تعجبه الأوامر الترامبية «بالطقاق». ستستغل إسرائيل التصرفات العشوائية كما تشاء، وحسب تفسيرها الذي يعتمد على سوداوية نواياها.

وبالمقابل، أين هذه الدموع السخية عن دماء الفلسطينيين التي استُبيحت بالآلاف، ما بين كبار سن ونساء وأطفال؟ وكأن هذه الدماء لا قيمة لها. فالكيل بمكيالين توارثه قادة أمريكا، وكلٌّ منهم يدّعي أنه يحب الثاني أكثر، وهذا «الثاني» هو دائمًا إسرائيل، ولا يمكن أن يكون يومًا ما عربيًا.

أما من ناحية من يقومون بالأفعال العشوائية التي تضر بالعرب والمسلمين وبالقضية الفلسطينية أكثر مما تنفعها، فالشواهد كُثُر، بدءًا من كارلوس، مرورًا بالسنوار والضيف، وربما يختمها الحيّة، الذي نتمنى أن يكون تفكيره في هذه المرحلة تفكيرًا عقلانيًا وليس كاسمه. فالعالم العربي تعب من اللدغ والسموم.

فالذي قامت به حماس بدون فكر استراتيجي، العرب الذين لم يسلم عرضهم من تبجّح قادتها هم من يتحمّلون عبء نتائجه، من وقف العدوان وتعمير غزة. فلا إيران ولا حزب الله ولا باقي المليشيات معنيّون بذلك؛ فهم من يشعل النار فقط.

وحماس، فرغم كل تلك الدروس، لا يزال الهياط مستمرًا (كاعدين) على قلوب اللي عاجبه واللي مش عاجبه، وما عنّا وعنك يا حكّام غزة، ولو كان ذلك على حساب بقية أرواح الضعفاء.

أعود لما بدأتُه:
الكل بكى وذرف دموعًا حارّة على من قُتل وأُصيب في أستراليا، ولكن عندما كانت تسيل دموع ودماء المئات من الفلسطينيين كل يوم، بيد دولة احتلال وليس بيد مارق أو مختل، كانت الدموع تعزّ، والمشاعر تجف، والمواقف تتوارى، والضعفاء يُخذلون.

لأنهم ما لهم في الطيب نصيب.
فالذي ليس له ظهر، يُفرش على بطنه…
والضعيف تبكي عليه أمه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى