المقالات

على هامان يا فرعون

كم فرعون، وكم هامان، موجود في هذا العالم؟
لقد سئمنا هذه الأدوار القبيحة. نعم، فراعنة هذا الزمن قد لا يدّعون الألوهية، ولكنهم يبطشون ويقتلون. والاختلاف ربما لا يكون كبيرًا من حيث التنفيذ، إلا أنهم يتميّزون بأنهم ينتشرون في معظم بقاع الأرض، وهاماناتهم في كل مكان، جاهزون لمن يدفع أكثر، ومستعدون أن يجعلوا منه فرعونًا “مودرن”، بملابس آخر موديل، ولوجهه القبيح بعض أدوات التجميل لتلميع الملامح الخبيثة.
وهنا نصطدم بالمثل الشعبي القائل:
“يا ماخِذة القرد على ماله، يروح المال ويبقى القرد على حاله.”
وظاهر المثل يتحدث عن شكل القرد، لكنه يتعدّى ذلك إلى كل جينة، بل إلى كل مخلوقٍ ليس فيه من الحُسن شيء؛ مسخٌ في الشكل، ومسخٌ في الفعل.
فراعنة هذا الزمن يقتلون ويُجرمون، ولكن بأيدي غيرهم من مرتزقة تجّار الحروب والمصائب. فلكل ساقطةٍ لاقطة.
وقصة فرعون على ما فيها من سخرية دامية مضحكة، أو كما يُقال حديثًا: “كوميديا سوداء” تظل مثلًا يُضرَب في من يحاول أن يستذكي علي من يعرف حقيقته. وعنوانا بشكل عام يحكي عن جبروت الإنسان وطغيانه. لكن الله يُمهل ولا يُهمل. فهذا أحد فراعنة الزمان الحاكم بأمره وهامانه شمخاني أصبحا في خبر كان.
و“على هامان يا فرعون” أرويها بشيءٍ من التصرف، وإن كانت مما يُتداول من جيل إلى جيل بلا دليل، لكنها إسقاط صادق على ذلك الطاغية.
تقول القصة:
كان فرعون شخصًا عاديًا، ولكنه كأي زعيم طاغٍ مستبد اختلفت أدواته ولم تختلف شهيته للسلطة.
كان هامان مستشارًا ذكيًا، ووزير خارجية، ووزير إعلام، ورئيس بلاط في الوقت نفسه. وكان كلما وقع فرعون في مصيبة هوّا عليَّ هامان، فيجد له هامان المخارج، ويضيف إليها التلميع والتطبيل، وكل شيءٍ بثمنه.
بل ويصنع من الخيبات انتصارات، كما فعلت إذاعة صوت العرب ابتداءً من المذيع أحمد سعيد، وانتهاءً بطواقم التلميع في الوزارات المعنية وغيرها من أجهزة الاستخبارات. وسار على دربهم الصحّاف في العراق، وعلى الخُطا ذاتها غيره كثيرون؛ كلهم ومن على شاكلتهم اختفوا، ولقوا مصير هامان. ومن لم يحن وقته بعد فهو على الطريق، يدندن بحرقةٍ وخوف.
وكما يقول المرحوم علي سندي — أيضًا مع شيءٍ من التصرف —:
“على الفكيك اجتمعنا حنا وسوء الظنون، ما بال مأفون فكرًِ قد جنّ كل الجنون.”
المهم، القصة:
في أحد الأيام جاءت امرأة تريد أن يُحيي لها فرعون عنزتها الميتة، لأن فرعون كان يدّعي أنه إله يُحيي ويُميت.
أعطاها هامان عنزةً بدلًا من عنزتها التي ماتت، متحجّجًا بأن فرعون مشغول الآن بخلق الإبل والبقر، ولا شك أن لهؤلاء الأولوية فللحيوانات مقامات! .
فقالت: لكن العنزة مختلفة شكلًا وحجمًا.
فقال: نعم، ولكن هذا من كرم فرعون فهو ليس فقط يُحيي الغنم وهي رميم، بل يُحسّن صورتها وإنتاجها؛ فهو أول من اخترع “الجينات”، فرأى أن يطبقها على إحدى العنزات!
فشكرته على هذا الكرم الفرعوني.
وفي ختام اليوم سأل فرعون هامان عن أيّة أحداث وقعت. فأخبره بقصة العجوز . فقلق فرعون وقال بصوتٍ مكسور: وماذا فعلت؟!
قال له هامان: اطمئن يا سيدي ، فقد أعطيتها عنزة بديلة ، وقلت لها إنك خلال هذه الفترة مشغول بخلق الإبل والبقر ، بل وادعيت أنك غيّرت جينتها وجعلتها ولا أحلى!
هنا تنهّد فرعون بعمق، وقال: أحسنت يا هامان…وآه لو تعلم يا هامان كم هو صعب خلق الإبل والبقر في وقتٍ واحد! لقد انتهيت لتوّي من خلق سنام آخر الجمال.فضحك هامان حتى استلقى على قفاه. فقال فرعون: ما بالك يا هامان؟ أتضحك مني؟هنا قال هامان قولته المشهورة:“على هامان يا فرعون!”
ولا أعرف باقي القصة، ولكن كما يفعل الطغاة لا بد أن فرعون حيًْد هامان بعد أن هُزِئ منه. وقد غرق بعده في اليم وهو كظيم؛ فالطغاة لا يغفرون. وهامان، على ذكائه، ذهب ضحية لسانٍ منفلت .
صاحب هذا الدور عادة لا يطمح أن يكون فرعون؛ فالموقع مكلف، والواجهة مكشوفة.لكنه لا يمانع أن يكون هامان؛ قريبًا من الضوء، بعيدًا عن المساءلة، حاضرًا في كل مشهد دون أن يتحمّل كامل تبعاته.“
الطغاة وإن كانوا مثل نار قابس تأكل الأخضر واليابس ولكن مهما سادوا فلهم يوم أسود من ليلٍ دامس ونهارٍ عابس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى