المقالات

عسكرة حضرموت… حين تتحول القضية العادلة إلى عبء سياسي

تواجه حضرموت اليوم أخطر محاولات جرّها إلى مربع الفوضى، بفعل إصرار المجلس الانتقالي الجنوبي على عسكرة المشهد وفرض الأمر الواقع بالقوة، في مسار لا يهدد استقرار المحافظة فحسب، بل يضرب في العمق عدالة القضية الجنوبية نفسها، ويقوض ما تحقق لها من تعاطف وفرص سياسية.
إن خطورة هذه التحركات لا تكمن فقط في بعدها الأمني، بل في توقيتها وسياقها، إذ تأتي في ظل جهود إقليمية ودولية مكثفة، تقودها المملكة العربية السعودية، لاحتواء التوترات ومنع انزلاق الجنوب إلى صراع داخلي جديد يعصف بما تبقى من استقرار هش.
الدور السعودي… احتواء لا تصعيد
منذ اندلاع الأزمة اليمنية، لعبت المملكة العربية السعودية دورًا محوريًا في دعم مؤسسات الدولة، والحفاظ على وحدة القرار السيادي، ومنع تفكك البلاد إلى كانتونات مسلحة.
وفي حضرموت تحديدًا، جاءت التحركات السعودية في إطار واضح يهدف إلى التهدئة، وحماية الاستقرار، ورفض عسكرة الخلافات السياسية، إدراكًا منها لخطورة تحويل المحافظة إلى ساحة صراع جديدة.
وتتلاقى هذه الجهود مع موقف دولي ثابت، يرى في حضرموت ركيزة أساسية للأمن والاستقرار في اليمن والمنطقة، ويرفض أي تحركات أحادية أو عسكرية خارج إطار الدولة، لما تمثله من تهديد مباشر للسلم الاجتماعي وتقويض للعملية السياسية.
مجلس القيادة الرئاسي: رفض صريح للتحركات الأحادية

وفي انسجام مع هذا المسار، أصدر مجلس القيادة الرئاسي بيانًا واضحًا ندد فيه بالتحركات الأحادية للمجلس الانتقالي في حضرموت، محذرًا من تداعياتها الخطيرة على الأمن والاستقرار، ومؤكدًا أن إدارة الملفين الأمني والعسكري هي صلاحية حصرية لمؤسسات الدولة الشرعية.
ويحمل هذا الموقف دلالة سياسية مهمة، إذ يؤكد أن أي محاولة لفرض وقائع بالقوة تمثل تجاوزًا للشرعية، وتقويضًا لجهود التهدئة التي تبذلها السعودية والمجتمع الدولي، وتهديدًا مباشرًا لمصالح أبناء حضرموت والجنوب عمومًا.

وهم السلاح وصناعة النفوذ :

تثبت تجارب المنطقة أن الاعتماد على القوة العسكرية والإرهاب كوسيلة لصناعة النفوذ السياسي لا يؤدي إلا إلى الخراب. فالنموذج السوداني، حيث قادت مليشيات الجنجويد البلاد إلى حرب مدمرة وانهيار شامل، يقدم مثالًا حيًا على مآلات عسكرة السياسة وتحويل الخلافات إلى صراعات دموية.
كما أن المجتمع الدولي لا يعترف إلا بالدول والمؤسسات، لا بالمليشيات. وتجربة “أرض الصومال” تبرهن أن المشاريع التي تُفرض بالسلاح، مهما طال أمدها، تبقى معزولة دوليًا، بلا اعتراف ولا شرعية.

الانفصال القسري… طريق الدولة الفاشلة :

أما تجربة جنوب السودان، فرغم ما حظيت به من دعم واعتراف دولي، فقد انتهت إلى دولة منهارة، صراعات داخلية، ومأساة إنسانية مستمرة، نتيجة ولادتها من رحم الحرب والانقسام. وهو نموذج تحذيري لما قد يواجهه جنوب اليمن إذا استمرت محاولات فرض مشروع سياسي بالقوة، دون توافق وطني أو مؤسسات جامعة.
وفي المقابل، يثبت فشل إقليم كتالونيا في الانفصال عن إسبانيا أن العالم لا يشرعن الانفصال الأحادي، ولا يعترف بمشاريع تُفرض خارج الدستور والقانون، مهما بلغ زخمها الإعلامي أو السياسي.

حضرموت… أكبر من المليشيا

إن استخدام القمع والترهيب، واستهداف المدنيين، يكشف أن ما يُمارس اليوم لا يعكس مشروع دولة ولا قضية عادلة، بل سلوكًا مليشياويًا يختزل القضية الجنوبية في المدرعات والنقاط العسكرية، ويحوّلها إلى غطاء لمصالح ضيقة لا علاقة لها بتطلعات الناس.
حضرموت أكبر من أن تكون غنيمة لمليشيا مناطقية، وأعمق من أن تُدار بمنطق السلاح. وأي محاولة لجرّها إلى الفوضى تمثل جريمة سياسية وأخلاقية بحق أبنائها، وبحق فرص السلام والاستقرار في الجنوب واليمن عمومًا.

خلاصة

إن عسكرة حضرموت ليست طريقًا لتحقيق الحقوق، بل مسارًا لتقويضها. فالقضايا العادلة لا تُبنى بالقوة، ولا تُنتزع بالترهيب، بل تُصان بالتوافق، والمؤسسات، واحترام القانون. ومن يظن أن السلاح يصنع شرعية، إنما يكرر أخطاء فادحة دفعت شعوب المنطقة أثمانها دمًا وخرابًا.

د أحمد بن حسن الشهري
الكاتب والباحث في العلاقات الدولية
رئيس منتدى الخبرة السعودي

د. أحمد بن حسن الشهري

الكاتب والباحث في العلاقات الدولية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى