المقالات

مكة عروسًا تسرّ الناظرين

إن مكة المكرمة في قلب كل مسلم؛ إنها جنة روح، وشفاء قلب، وقرة عين، وسكينة جوارح. بلادٌ يسكنها شرف المكان، ويعتادها شرف الزمان، وبها وفيها ولها يشرف الإنسان. على أن مكة ــ عمرها الله ــ لم تكن مدينة روحية فحسب، بل هي مع ذلك مدينة عقلية وحضارية.

لم تكن مدينةً للدين فقط، بل هي مدينة للدنيا أيضًا. ولئن كان (تديين) مكة واجبًا أصيلًا، فكذلك (تمدينها) واجبٌ أكيد.
ولذلك شهدت هذه المدينة المقدسة، على مر تاريخها منذ نبي الله إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام، إلى العهد السعودي الزاهر بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمير محمد بن سلمان ــ حفظهما الله ــ حركةً حضارية لا تخطئها العين. وحسبك أن تنظر من آثارها المعمار الحجازي الذي شكّل أسلوبًا مميزًا في تاريخ العمارة الإنسانية. ولا يزال البيت المكي بمقعده ومجلسه ورواشينه ومشربياته وخزانته ومؤخره ومبيته بصمةً مميزة في التراث العمراني الإنساني. ليس ذلك فحسب، بل شهدت مكة أول وأعظم مشروع مائي في التاريخ، هو عين زبيدة، أمرت بإنشائه السيدة زبيدة بنت جعفر «زوجة الخليفة هارون الرشيد» عام 194هـ لخدمة الحجاج وأهالي مكة.

وحدّث بعد ذلك ما شئت عن مساجد مكة المكرمة وآثارها ومبانيها، وقبل ذلك وبعده عن (حرمها) وما فيه من آيات الفن القديمة والحديثة. وإضافةً إلى (العمران)، شهدت مكة المكرمة أيضًا عبر تاريخها حيويةً تجارية مشهورة، ودبلوماسية فريدة، وحركةً علمية ثرّة ومستمرة ارتكزت حول المسجد الحرام كمركز إشعاع؛ حيث نشطت حلقات العلم، وتأسست مدارس عريقة لتدريس العلوم الشرعية واللغوية والتاريخية، وتميزت بوجود مكتبات غنية ــ خاصة وعامة ــ وظهور طباعة متطورة، ومجالس علمية عقدها مشاهير العلماء، مما جعلها مركزًا معرفيًا هامًا.

ما أريد أن أقوله: إن مكة ليست عاصمة روح فحسب، بل هي عاصمة حضارة كذلك؛ ولذلك حقّ لها أن تكون أجمل مدن العالم. وها هي مكة المكرمة تنتفض لتكون عروسًا مجلوّة تسرّ الناظرين.

والآن نحن ننظر بعينين طامحتين إلى غدٍ أحلى وأجمل، ومستقبلٍ أنضر وأزهر، لما يوليه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان ــ حفظهما الله ــ لهذه المدينة الطاهرة والمشاعر المقدسة من اهتمامٍ استثنائي، ويظهر ذلك فيما نشاهده حاليًا من المشاريع العملاقة لتوسعة الحرم المكي الشريف، وتطوير البنية التحتية لمكة والمشاعر المقدسة، وتيسير سبل الحج والعمرة، واستضافة ملايين الزوار والحجاج والمعتمرين، مما يعكس حرص القيادة الرشيدة على خدمة هذه المدينة المقدسة.

فليدم لها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمير محمد بن سلمان ــ أيدهما الله ــ اللذان تعيش مكة المكرمة في قلبيهما، وما بخلا عليها بشيء.

أ. د. بكري معتوق عساس

مدير جامعة أم القرى سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى