المقالات

الدور الإماراتي في اليمن.. بين الواقع والمأمول

منذ انطلاق عاصفة الحزم، كان يُفترض أن يكون التحالف العربي مشروعاً لاستعادة الدولة اليمنية، وحصناً لحماية الإنسان، لا منصة لإعادة تعريف الجغرافيا السياسية وفق مقاسات ضيقة أو مصالح عابرة. غير أن مسار الأحداث كشف عن فجوة متسعة بين ما يُقال في البيانات وما يُنفَّذ على الأرض؛ إذ امتلأت الساحة بخطاب يتحدث عن الاستقرار، ومكافحة الإرهاب، وحماية الملاحة الدولية، بينما ظل الإشكال الحقيقي في اتجاه الفعل وعواقبه. في اليمن، لم يكن دعم المجلس الانتقالي الجنوبي مجرد اختلاف تكتيكي داخل التحالف، بل تحوّل عملياً إلى مسار موازٍ يقوّض جوهر الهدف الذي قام عليه التدخل العربي، وهو استعادة الدولة لا تفكيكها. فكيف يمكن الحديث عن دعم الشرعية، بينما يُمنَح الغطاء السياسي والعسكري لقوى تنازعها سلطتها، وتعمل خارج إطارها الدستوري؟ وكيف ينسجم ذلك مع قرارات مجلس الأمن، وفي مقدمتها القرار (2216)، الذي ينص بوضوح على دعم الحكومة اليمنية ومنع أي أنشطة تُقوِّض سلطتها أو تُنشئ كيانات موازية لها؟
وقد أظهرت الوقائع الميدانية أن بعض الممارسات الإماراتية خرجت عن إطار هذه القرارات وأهداف التحالف، من خلال الإسهام في تشكيل وحدات أمنية وعسكرية موازية أضعفت حضور الدولة في المحافظات المحررة، وكرّست ازدواج القرار الأمني والعسكري، وأربكت المشهد العام. فبدلاً من تمكين مؤسسات الدولة، جرى في حالات متعددة تجاوزها لصالح إدارة نفوذ محلي خارج الإطار الرسمي، وهو ما يتناقض مع روح القرارات الدولية التي تجعل من بناء الدولة غاية لا خياراً. أما شعار مكافحة الإرهاب، ورغم مشروعيته من حيث المبدأ، فقد جرى توظيفه في بعض السياقات بعيداً عن مساره الأممي الواضح، الذي يؤكد أن محاربة الإرهاب لا تكون بديلاً عن الدولة ولا على حسابها، بل من خلال مؤسساتها الشرعية. وحين تتحول هذه المعركة إلى غطاء لإعادة تشكيل المشهد السياسي والأمني، فإن النتيجة لا تكون استقراراً دائماً، بل تعقيداً إضافياً للصراع.
ومن المهم التأكيد أن قضية أبناء الجنوب، وما يطالبون به من حقوق سياسية وتنموية عادلة، لم تكن غائبة عن قيادة التحالف، ولا عن المملكة العربية السعودية بصفتها قائدة له. فقد نوقشت هذه المطالب في لقاءات ومشاورات سابقة، وكان التوافق واضحاً على معالجتها ضمن إطار الدولة اليمنية الواحدة، وبما يحفظ وحدة البلاد، ويصون الحقوق، ويمنع تحويل المظالم المشروعة إلى مشاريع انقسام تُدار من خارج السياق الوطني الجامع. فالمعالجة الحقيقية لهذه القضايا لا تكون بفرض أمر واقع أو دعم كيانات موازية، بل عبر مسار سياسي شامل يضمن الحقوق دون المساس بأسس الدولة. وفي هذا السياق، أسهم دعم أطراف ذات أجندات انفصالية أو مشاريع خاصة في تقسيم المعسكر المناهض للانقلاب الحوثي، وإضعاف الموقف التفاوضي للحكومة الشرعية في المسار السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة، بما أطال أمد الصراع، ومنح الخصم فرصة استثمار الانقسام بدلاً من مواجهته.
ولعلّ ما يُنتظر من إخوتنا في دولة الإمارات الشقيقة، إن كان الحرص على السيادة مبدأً لا شعاراً، أن تُوجَّه جميع أشكال الدعم والجهد السياسي والإعلامي والدبلوماسي نحو معركة عادلة لا يختلف عليها اثنان؛ وهي حشد الرأي العربي والإسلامي والدولي لاستعادة الجزر الإماراتية المحتلة من قبل إيران وهي: أبو موسى، وطنب الصغرى، وطنب الكبرى. فهذه قضية سيادة واضحة لا التباس فيها، ولا تحتاج إلى ميليشيات ولا كيانات موازية، بل إلى موقف عربي موحّد، وخطاب صادق، ونضال سياسي مشروع ينطلق من أبوظبي ليعيد الحق لأصحابه، ويؤكد أن الدفاع عن الأوطان يبدأ من الأرض لا من تفكيك أوطان الآخرين.
في الختام، فإن التحالف العربي لم يُنشأ ليكون تحالف مصالح متباينة، بل تحالف أهداف واضحة. والتاريخ لا يُقاس بكثرة التصريحات، ولا يُكتب ببلاغة البيانات، بل يُسجَّل بميزان واحد: هل أسهمت السياسات في بناء الدول أم في إنهاكها؟ أما الفوضى، مهما أُعيد تغليفها لغوياً، فلن تُنتج أمناً، ولن تصنع نفوذاً دائماً، ولن تمنح أصحابها صفحةً نظيفة في ذاكرة الشعوب. فالكلمات قد تُحرَّر بعناية… لكن الوقائع تبقى، عنيدةً، لا تقبل التجميل.

د. عبدالله علي النهدي

عضو هيئة التدريب في معهد الإدارة العامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى