المقالات

الغفلة عن الذكر… حين يضيق القلب وتتسع الحياة

في خضم الحياة المتسارعة التي يعيشها الإنسان اليوم، تتزاحم المسؤوليات وتتعدد الانشغالات وتغري الدنيا بزخرفها وزينتها، حتى يجد الإنسان نفسه أحياناً غارقاً في دوامة من السعي المادي والاهتمامات الدنيوية، فينسى أو يغفل عن المصدر الحقيقي للطمأنينة والسكينة؛ وهو ذكر الله تعالى والالتزام بهديه القويم. ومن هنا جاءت التوجيهات الربانية في القرآن الكريم واضحة وصريحة لتذكر الإنسان بحقيقة الطريق الذي ينبغي أن يسلكه، وتكشف له نتائج الإعراض والغفلة عن ذكر الله.
يقول الله تعالى في كتابه الكريم:
﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ۝ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾
ثم يصف حال هذا الإنسان يوم القيامة بقوله:
﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾
فيأتيه الجواب الإلهي الحاسم:
﴿قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾
(سورة طه).
هذه الآيات الكريمة ترسم بوضوح معادلة الحياة الحقيقية؛ فاتباع هدي الله ليس مجرد التزام ديني شكلي، بل هو طريق للاستقامة الفكرية والروحية والنفسية، ولذلك جاء الوعد الإلهي واضحاً: «فلا يضل ولا يشقى». فالإنسان حين يستنير بهدي الله، ويجعل من تعاليم الدين منهجاً لحياته، فإنه يجد البوصلة التي تهديه إلى الطريق الصحيح، فلا يضل في قراراته، ولا يشقى في حياته.
وفي المقابل، تكشف الآية الكريمة حقيقة قد تبدو للبعض متناقضة مع ظاهر الواقع، وهي أن من يُعرض عن ذكر الله يعيش «معيشةً ضنكاً». والضنك هنا لا يعني بالضرورة الفقر أو قلة المال، فكم من إنسان يملك المال والجاه والمكانة الاجتماعية، لكنه يعيش في داخله قلقاً واضطراباً وضيقاً لا يعرف له سبباً. ذلك لأن الطمأنينة الحقيقية لا تُشترى بالمال، ولا تتحقق بالمظاهر، وإنما تنبع من صلة القلب بالله.
لقد أثبتت التجارب الإنسانية، كما تشير كثير من الدراسات النفسية والاجتماعية، أن الاستقرار الروحي والإيماني يلعب دوراً محورياً في تحقيق التوازن النفسي للإنسان. فالإيمان يمنح الإنسان معنى للحياة، ويمنحه القدرة على مواجهة الأزمات والشدائد بروح مطمئنة وقلب ثابت. أما حين ينقطع الإنسان عن هذا المصدر الروحي، فإنه يفقد هذا التوازن ويقع فريسة للقلق والاضطراب مهما امتلك من أسباب الرفاه المادي.
والقرآن الكريم حين يربط بين الإعراض عن الذكر وبين الضيق في المعيشة، فإنه يلفت انتباه الإنسان إلى أن السعادة ليست في كثرة الممتلكات، بل في صفاء القلب وطمأنينة الروح. ولذلك قال الله تعالى في موضع آخر:
﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾.
إن الذكر ليس مجرد كلمات تُقال باللسان، بل هو حضور دائم لله في القلب والعقل والسلوك؛ حضور ينعكس على أخلاق الإنسان وتعاملاته ونظرته للحياة. فالإنسان الذي يعيش مع الله يستمد منه القوة في مواجهة الصعاب، والصبر عند الابتلاء، والشكر عند النعم.
ومن هنا، فإن الرسالة العميقة التي تحملها هذه الآيات الكريمة هي دعوة صادقة للإنسان أن يعيد ترتيب أولوياته في الحياة، وأن يدرك أن نجاحه الحقيقي لا يقاس فقط بما يحققه من إنجازات مادية، بل بما يحققه من توازن روحي وقرب من الله تعالى.
ومع حلول شهر رمضان المبارك، تزداد هذه المعاني عمقاً وأثراً في نفوس المؤمنين، فهو شهر المراجعة والتزكية وإعادة ترتيب العلاقة مع الله. وإذا كان رمضان قد مضى منه جزء، فإن ما تبقى منه ما يزال يحمل أبواباً واسعة للرحمة والمغفرة والعتق من النار. ولذلك فإن اغتنام ما تبقى من أيام هذا الشهر الفضيل يعد فرصة عظيمة لتصحيح المسار، وتجديد العهد مع الله، وفتح صفحة جديدة عنوانها التوبة الصادقة والعمل الصالح.
فباب التوبة مفتوح، ورحمة الله واسعة، وقد قال سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾.
إنها دعوة صادقة لكل قلب غفل أن يعود، ولكل نفس ابتعدت أن تقترب، ولكل إنسان أنهكته مشاغل الحياة أن يستعيد صفاء روحه بالذكر والطاعة. فربما تكون هذه الأيام المباركة بداية جديدة، يعيد فيها الإنسان ترتيب حياته على ضوء الهدي الإلهي، ليحيا حياة مطمئنة في الدنيا، ويرجو النجاة والفوز في الآخرة.
• أستاذ الإعلام بجامعة الملك سعود

د. تركي بن فهد العيار

أستاذ الإعلام بجامعة الملك سعود

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى