ليست كل قطعة تنتهي بلولب صالحة لأن تُركَّب في أي مصباح لتنير.
قد يمنحنا التشابه الشكلي شعورًا مريحًا بالاطمئنان، لكن الحقيقة التقنية أبسط وأقسى: التيار لا يمرّ إلا في الدائرة التي صُمِّمت لتحمله.
يبدأ الخلل الإداري والفكري حين نخلط بين التعلّم والنسخ، وبين التطوير وإعلان النوايا. ننبهر بتجربة نجحت في سياق ما، فنستعير شكلها ونغفل شروطها. ما ينتقل بسرعة هو العنوان، أما القدرة فتبقى حيث بُنيت وتراكمت.
التقليد لا يفشل لأنه فكرة سيئة، بل لأنه اختصار كسول.
يتجاوز السؤال الأصعب: لماذا نجحت التجربة أصلًا؟ وما الذي جعلها ممكنة هناك دون غيرها؟ هذا السؤال مزعج، لأنه يكشف المسافة بين الطموح والعدة، بين ما نريد وما نملك أدواته فعلًا.
لكل مؤسسة كما لكل دولة سياق لا يُستعار، ومكامن قوة لا تُدَّعى، وحدود بنيوية إذا جرى تجاهلها انهار البناء مهما كان لامعًا. وحين تُفرض فكرة أكبر من البنية القائمة، لا يحدث توسّع… بل تشقّق.
لهذا يتكرر المشهد المعروف:
اتفاقيات تُوقَّع، مبادرات تُعلن، لجان تُشكَّل، وصور تُلتقط.
ثم لا شيء يتغيّر. ليس لأن الطموح غائب، بل لأن العُدّة غائبة. الورق يتحمّل كل شيء، أما الواقع فلا يصفّق.
ويزداد الخلل حين يتحوّل المنصب إلى محطة عبور.
عندها لا تُدار المؤسسة لتبني قدرة، بل لتُظهر حركة. يصبح القرار مقياسًا لما يضيفه للسيرة الذاتية، لا لما يراكمه في النظام. تكثر النشاطات، يغيب الأثر، ويتحوّل العمل المؤسسي إلى ضجيج بلا ذاكرة.
الفرق هنا ليس أخلاقيًا فقط، بل بنيوي.
النسخ يفترض أن النجاح شكل يمكن محاكاته.
أما البناء فيفهم أن النجاح معادلة يجب حلّها.
خذ مثالًا واضحًا، لا للتجميل بل للفهم.
لو أن دولة قالت: نحن مركز لوجستي عالمي بحكم موقعنا الجغرافي ثم توقفت عند هذه الجملة فلن تنتج سوى أمنية أنيقة. موقع ممتاز، نية حسنة، وتصفيق مضمون… لكن دون أثر فعلي. أمنية تُكتب على ورقة، وتُوضع في فازة زجاجية شفافة، يراها الجميع ويصفّقون لها، بينما لا تتحرك المنظومة خطوة واحدة.
اللوجستيات لا تُولد من الموقع وحده.
تُبنى حين تتحوّل الجغرافيا إلى بنية: موانئ تُعاد هندستها، سكك تُربط بذكاء، إجراءات تُرقمن، كوادر تُدرَّب بعمق، وعمليات تُدار بعلم ونماذج ومحاكاة. دون ذلك، يصبح الادعاء عبئًا لا ميزة.
لهذا لم يتحوّل الطموح إلى واقع إلا حين عولجت اللوجستيات كمنظومة هندسية لا كشعار، كما في تجربة رؤية السعودية 2030.
التحوّل لم يبدأ بإعلان التخصص، بل ببناء القدرة التي تجعل التخصص ممكنًا. الاستثمارات، التشريعات، البنية التحتيه، الكوادر المتخصصة، الرقمنة، وتطوير الكفاءات سبقت الخطاب. والنتيجة لم تكن انطباعًا إعلاميًا، بل أثرًا مقاسًا في الأداء والكفاءة والتصنيف الدولي.
الأهم أن المسار لم يُقدَّم بوصفه مثاليًا. بعض المبادرات أُعيد ضبطها، وبعض المسارات احتاجت تصحيحًا. لكن الفارق أن التصحيح كان ممكنًا، لأن البنية موجودة، ولأن الفشل الجزئي لم يُخفَ خلف خطاب إنجاز دائم. القدرة الحقيقية لا تظهر في غياب الخطأ، بل في كيفية التعامل معه.
الخط الفاصل: التقليد يسأل: كيف نبدو الآن؟
أما البناء فيسأل: ماذا سنصبح بعد عشر سنوات من التراكم؟
من لا يفهم هذا سيظل يركّب قطعًا لامعة في دوائر لا تحتملها، ثم يتساءل لماذا لا يضيء المصباح.
ومن يفهمه سيبني ببطء، ويصمت أكثر، لكنه يترك أثرًا يصعب تجاوزه.
وفي النهاية، هذه ليست موعظة ولا جدلًا نظريًا.
هي مسألة أقرب إلى الفيزياء منها إلى الإدارة:
التيار لا يمرّ لأن النية حسنة،
ولا لأن الشكل مقنع،
بل لأن الدائرة صُمِّمت لتحمله.
إذا كنت مسؤولًا اليوم، اسأل نفسك قبل أي توقيع جديد:
هل تضيف هذه الخطوة قدرة ستبقى بعدك؟
أم صورة تختفي بذهابك؟
الإجابة الصادقة قد تكون ثقيلة.
لكنها وحدها ما يفرّق بين مؤسسة تُستخدَم…
ومؤسسة تُبنى.






