المقالات

بلدوزر الشرايين… ودجّال اليقين

البارحة وصلتني ثلاثة روابط متتابعة.
تحذير من أدوية الكوليسترول.
تحذير من تركها.
بيان رسمي يطمئن.

ثلاثة أصوات.
ثلاث ثقات.
وقلب واحد.

لم أرتبك.
تذكّرت.

زمان كانت الدنيا أبسط. في بيت الجدة ـ رحمها الله ـ دولاب صغير، فيه لكل وجع شيء. أعشاب في علب زجاجية، زيت يُدهن به الجبين، دعوة صادقة قبل النوم. لم نكن نسأل عن دراسة أو تضارب مصالح. كانت الطمأنينة جزءًا من العلاج، وكان اليقين بسيطًا لا ينازع أحدًا.

كبرنا… وكبر معنا القلق.

صرت في محيطي معروفًا بعصير “البلدوزر”. زنجبيل، كركم، زيت زيتون، فلفل أسود، وأضيف ما يقال إنه يعزز المناعة أو يرفع الحديد. أقدّمه بثقة من يظن أنه يسبق المرض بخطوة.

لم تكن المشكلة في المكونات.
كانت في رغبتي أن أختصر الاحتمال.

حين أخبرني طبيب القلب أن لدي انسدادات خطيرة، بحثت عن مخرج أقل قسوة. أشاروا عليّ بالحجامة. قيل إن الدم الفاسد أصل المشكلة. دخلت غرفة القسطرة وفي داخلي أمل أن تكون الرواية صحيحة.

خرجت بأربع شرايين شبه مغلقة.

في تلك اللحظة لم يسقط المشروب،
سقط اختصاري للحقيقة.

جراحة قلب مفتوح.

بعدها بدأت المرحلة التي لا يراها أحد: مرحلة الترجيح.

استشاري يطالب بخفض صارم للدهون.
آخر يرى أن الرقم لا يُقرأ وحده.
تحليل دهون وراثية يظهر مرتفعًا.
توصية بفحص الأبناء والإخوة.

*انتقل الاحتمال من صدري إلى البيت.*

وفي إحدى الليالي، سألتني ابنتي بهدوء لم أنسه:
“هل هذا يعني أن قلبي سيُفتح مثلك يومًا ما؟”

لم يكن سؤالًا طبيًا. كان سؤال وجود.

في تلك اللحظة فهمت أن الطبيب يرى رقمًا،
وأنا أرى مستقبلًا.

ثم جاءت الآراء.

واحد يدعو إلى الإبر الحديثة بقوة.
آخر يفضل التدرج.
حديث عن خطرٍ متبقٍ رغم العلاج.
تحذير من الإفراط في الدواء.

كلهم داخل العلم.
ولا أحد يملك يقينًا مطلقًا.

وخارج العيادات يعمل طبٌ آخر: الطب الواتسابي.

رسالة تؤكد أن تحميلة ثوم تعالج البواسير “*الحبة بالحبة*”.
أخرى ترفع أيونات الفضة إلى مقام المضاد الشامل.
وثالثة تجعل العكبر علاجًا لا يخطئ.

لغة قاطعة. نتيجة مضمونة. لا احتمال.

عمتي تسمي الواتساب “*الشيطان الفتّان*”.
لم تكن تقصد التطبيق،
بل هذا السيل الذي يدخل البيوت بلا استئذان،
ويمنح الناس يقينًا سريعًا قبل أن يمنحهم معرفة.

الطب الواتسابي لا يبيع معلومة،
يبيع راحة.

وفي البيت نفسه تتوزع القناعات:
من يضحك على الرسالة،
ومن يجربها،
ومن يقسم أنها نجحت بلا خطأ.

مريض سكر يترك منظم السكر لأنه “تجارة شركات”.
مريض سرطان يؤجل العلاج لأن أحدهم أقسم أن العكبر يغني عن الكيماوي.
أم تتردد في التطعيم لأن رسالة قالت إن خلفه أجندة.

*المرض لا يدخل النقاش. يمضي في صمت.*

ثم دخل لاعب جديد إلى الساحة: الذكاء الاصطناعي.

تكتب سؤالًا، فيجيب بثقة كاملة.
يلخص دراسات في ثوانٍ.
يعرض توصية عامة بلا تردد.

صوته ثابت.
لا يحتار.

لكنّه لا يرى ارتجاف صوتك حين تسأل،
ولا يرى عينيك وأنت تحاول أن تبدو مطمئنًا أمام أبنائك،
ولا يعيش معك تبعات القرار إن أخطأت.

هو يعرض الاحتمال،
وأنت تتحمل النتيجة.

هنا فهمت معنى الاستعاذة اليومية من فتنة المسيح الدجال.

فالفتنة ليست كذبًا فاضحًا،
بل صورة تشبه الحقيقة كثيرًا.
سبب منطقي، لغة واثقة،
تشابه بين الطريقين حتى يختل الميزان.

الإنسان لا يخاف من الجهل بقدر ما يخاف من الاحتمال،
والاحتمال مرهق.

لذلك نبحث عن بلدوزر يزيح الحيرة بضربة واحدة:
جواب سريع،
يقين بلا سؤال.

تعلمت أن القرار لا يُبنى على راحة فورية، بل على ميزان بسيط:
ما قوة الدليل؟
ما حجم الخطر الحقيقي؟
ماذا يحدث إن لم أفعل شيئًا؟
ومن هو الطبيب الذي يعرف قصتي، لا عنوان مرضي فقط؟

هذه الأسئلة لا تمنح يقينًا كاملًا،
لكنها تمنع الخوف من القيادة.

القلب قد يُسدّ بشريان،
لكن اليقين قد يُسدّ بطريقة تفكير.

حين نستعجل الحسم،
نصنع لأنفسنا بلدوزرًا فكريًا،
يزيح القلق…
ويُمهد الطريق ليقينٍ يشبه الحقيقة أكثر مما ينبغي.

هناك يتكوّن الانسداد الحقيقي.

ليس في الصدر…
بل في العقل.

وهناك،
حين يصبح اليقين أسرع من الدليل،
نعرف أن البلدوزر لم يكن أداة علاج،
بل كان طريقًا… إلى دجّال اليقين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى