الأحداث المسيطرة على الأجواء العالمية تُغمّ القلب وتكلمنا عنها، كَلُفنا بها وأتعبتنا. خلّونا نغيّر الجو، ونرجع للماضي وأهله، الذين مشاكلهم على قدّ حالهم، ونشوف إيش حصل بين حمدتو (ح) وأبو دلش (د) في المكالمة التي جرت بينهما قبل خمسين سنة:
ح: آلو، مين معي؟
د: أنا أبو دلش.
ح: هلا، كيف حالك؟
د: بخير يا حمدتو يا عسل، وانت إيش لونك؟
ح: بني خفيف! يعني كل مرة إيش لوني؟ طبعًا زي ما هو.
د: تعرف قصدي، يعني كيف حالك؟ المهم، انت مو جاي لملكة إبراهيم؟
ح: أف! نسيت، إي والله صحيح، كنت فاكره بكرة.
د: لا، اليوم بعد العشاء.
ح: طيب، بس ما أعرف العنوان.
د: يا خويا بسيط، طبعًا تعرف البغدادية. تجي من طريق المدينة النازل، تلقى محلات تأجير الأفلام وتلف يسار، يجيك شارع عريض عشرين متر، ادخل منه. بعده زقاق صغير على يدك اليمين.
ح: يعني يا خويا، هو في زقاق صغير ولا كبير؟ مو كلها على قدّ، يادوب اتجاه واحد ويالله الخراج!
د: يا سيدي، مشّيها يعني، خلّينا نتفشخر شوية. بعدين تحصل محل أبو هنية، بياع المقلية.
ح: يا الله! تصدق كأن ريحتها الآن في خياشيمي! مقلية أبو هنية ما في بعدها ولا قبلها، يا سلام سلم، مع برّاد الشاي. هو لِسّه هناك؟
د: نعم، وفتح فرع ثاني في الشرفية.
ح: ما شاء الله! بس يقولوا الإيجارات غالية هناك، في السنة بخمسة آلاف قاحوش.
د: صحيح، العقار في كل مكان غالي. أنا بيتي، وكله ثلاثة غرف، بثلاثة آلاف وسبعمئة ريال في السنة.
ح: يا ساتر! ليش كدا؟
د: يا أخويا، ملاك العقار نازلين هبش في عباد الله.
ح: وكيف قدر يستأجر المحل بخمسة آلاف ريال؟
د: استأجره مع بياع الفول بالمناصفة. وكنت ما ودي أجيب سيرة الحب… أقصد سيرة الفول، عشان لعابك لا يسيل. أحسن انت بطيني، ومن الهوا ذبنا لما تجي سيرته.
ح: يا بويا، تكفى، حاسب على ملافضك اللي مش ولا بد.
د: أنا إيش قلت وزعلك؟ تبغى الحق ولا ابن عمه؟ انت ما تسمع في الأكل، وما همّك إلا بطنك، وإذا بتفشلنا عند أخونا إبراهيم أحسن لا تجي.
ح: تراك تعدّيت حدودك. أنا صحيح أتلذذ بالأكل، وخاصة واللقمة تذوب على لساني، ولكن لساني هذا ماهو زي غيري، يكنس ويرش.
د: مين تقصد؟ عسى ما تعنيني.
ح: اللي على رأسه بطحة يحسّس عليها.
د: يا أخي، ما كانت هذه مكالمة. لو أدري ما اتصلت عليك.
ح: أصلًا أنا اللي غلطان إني رديت عليك.
د: طيب، صلّي على النبي. خلاص يا أخي، نعتبرها تعادل، ويا دار ما دخلك شر.
ح: اللهم صلّي على سيدنا محمد، ولا يهمك، صافي يا لبن، حليب يا قشطة.
د: المهم، عرفت العنوان؟
ح: أيوه. تصدق؟ شوّقتني، من مدة ما ذقت المفطحات والذي منه، راح أجيكم هوا.
د: بس شوف يا حمدتو، ترى صديقك اللي ما يجاملك، واسمح لي أقولك شي.
ح: أيوه، تفضل، كلي آذاني صاغية، وتمون يا غالي.
د: ملاحظك يا غالي تقطع اللحم للمعازيم بإيديك.
ح: ما فيها شي، يعني أقطعه بسنوني؟
د: لا يا أخي. أولًا هذا ماهو حفلك ولا يخصك، ثاني شي الناس ما ترتاح لما تقطع لهم، ممكن ما يحبوا الوصلة اللي انت مختارها. وبعدين —وسامحني في ذي الكلمة— تحط يدك في فمك وتقطع وتعطيهم، ما يصير.
ح: يعني جزاة المعروف سبعة كفوف؟
د: هذا ماهو معروف. خلّي الناس تختار أكلها بنفسها وتاكل وهي مرتاحة نفسيًا، وبالمفتشري الناس قرفانة. وكمان تروح تننصّص لي مع أهل العريس والعروسة وانت مالك في العير ولا في النفير، وخشوني لا تنسوني.
ح: صار كدا؟ أنا اللي هو أنا، خشوني لا تنسوني؟ هذه تجي منك والعين مليانة! طيب، أحد اشتكى لك وإلا بس لقافة؟
د: ماهو لازم يشتكوا منك. أنا ملاحظك وحبيت أفطمك، وبعدين أوزن كلامك لا تغلط.
ح: اللهم لا تجعل لنا جارة ولها عينان، وانت طلعت بعشرين عين، وما تقدر خويك.
د: أنا اللي ما أقدّر؟ ترى انت ما تحب الحق.
ح: يا أخي، انت من أول المكالمة حاطنّي تحت ظرسك، أما عاد خلاص زوّدتها حبتين.
د: هذا قولك؟ لا، مادام كدا أنا بزودها حبوب واجد. ترى الناس لما تشوفك تتكهرب من تصرفاتك.
ح: أنا تتكهرب مني؟ ما شاء الله عليك! ونسيت إنك مسوي أبو العريف، كل ما واحد اتكلم سويت نفسك العلامة.
د: عاد ما بقي إلا انت تنتقدني في اللغة، وانت ما عندك ما عند جدتي… لا انت اللي… لا انت اللي… لا انت، لا انت… طاخ طيخ!
قفلوا سماعة التلفون.
ثاني يوم رنّ التلفون عند حمدتو. رفع السماعة:
— مين؟
— أبو دلش. لا تقفل، عارف إنك ماخذ علي خاطرك مني. طالبك أمسحها في وجهي يا غالي.
حمدتو: يكرم وجهك، ويرفع قدرك. تصدق اتصالك هذا صابونة وغسلت كل عتبي عليك. وأنا طالبك برضو تسامحني. وترى أنا دوبّي مضبط براد الشاي بالحبق، ودلة القهوة، وحبتين كليجة جتني من صديقنا أبو مزاحم، جزاه الله خير. تكرمني وتتقهوي عندي؟
د: أنت ما تتطلبني، أنت تأمرني. الآن فريرة وأنا عندك.
زمان كان الشجار ينتهي بقفل السماعة، لا بقطع الود، ويبدأ برفع الصوت قليلًا وينتهي بالصلاة على النبي.






