ليس حزنًا فادحًا، ولا صمتًا ثقيلًا، ذاك الذي يهبط مع رحيل الشاعرة ثريا قابل، بل حزن يشبهها… هادئ، مهذّب، كأنه يطرق الباب قبل الدخول.
رحلت الثريا التي كانت تعرف كيف تقول الشعر بلا صراخ، وتكتب العاطفة بلا استعراض، وتمشي بين الكلمات بخفة لا تُرى لكنها تُحس.
ثريا قابل لم تكن من أولئك الذين يلوّحون بأسمائهم عاليًا، ولا من هواة الضجيج الثقافي. كانت تكتب وكأنها تبتسم، وتبتسم وكأنها تُخبئ قصيدة. لم تكن قصائدها تحتاج إلى رفع صوت كي تُسمع، لأنها كانت تصل مباشرة إلى القلب، دون وسطاء.
وحين يُذكر اسمها، لا يحضر الشعر فقط، بل تحضر الروح الذكية في الكتابة؛ تلك التي لا تتكئ على البوح المفرط ولا على الادعاء، بل على إحساس صادق يعرف حدوده ويحترم قارئه. كانت تعرف أن الكلمة إن لم تكن صادقة، وإن لم تخرج من القلب لتلامس القلوب، فلا فائدة من إرسالها مهما كانت بديعة الحروف، جميلة الجرس والوزن.
اختارت ثريا قابل أن تكون قريبة من الناس، من مشاعرهم اليومية، من فرحهم البسيط وحزنهم المؤجل. لم تكتب من برج عاجي، ولم تتكلف الفلسفة، بل كانت قصيدتها تمشي على الأرض؛ تشبهنا، تفهمنا، وتربت على أكتافنا دون أن تقول: انتبهوا إليّ.
وللمفارقة الجميلة، فإن اسمها يعيدنا إلى شارع قابل؛ ذاك الشارع الذي عرف المزح واللعب، والضجيج، والوجوه العابرة. سُمّي على اسم التاجر أمان سليمان قابل، الذي اشترى ذلك الموقع وطوّره ليصبح نبض التجارة في جدة سابقًا وإلى الآن، وبقي شاهدًا على ذاكرة مدينة وحياة.
واليوم، يبدو “قابل” حزينًا؛ فقد فارق ست الحبايب التي حملت راية الشعر الحجازي الرقيق الممتع، مخضّبًا بكل الذكريات وتفاصيلها، في ذلك المسار الذي طالما تلاقى فيه شعراء وتجار وكتّاب وفنانون. كم شهد ذلك الشارع لقاءات تحفل بالود والمشاعر، تلك التي تدين لقابل، رغم قلّة المساحات، برحابة ما تخضّب فيه من عبق التاريخ ودفء اللقاءات.
نعم، قابل حزين…
لا لأن الشارع تغيّر، بل لأن اسمًا آخر من العائلة الروحية للكلمة، ذات النكهة الخاصة، قد رحل بصمت.
رحلت ثريا قابل، لكن أثرها لم يرحل.
بقيت قصائدها مثل موسيقى خفيفة في آخر المساء؛ لا تُطلب لكنها تُشتاق. وبقي اسمها علامة على أن الشعر يمكن أن يكون جميلًا دون أن يكون صاخبًا، وأن الرحيل يمكن أن يكون حزينًا دون أن يكون فاجعًا.
وداعًا ثريا قابل…
ما رحلتي بصخب، ولا طلبتي تصفيق. أتيتِ على مهل، لكنكِ كعلمٍ في رأسه نار، ومضيتِ بهدوء، كركبٍ في تالي الليل، يتهادى على ضوء القمر، وعلى صوت حادي القافلة في زمنٍ قديم مضى.
نعم، كما قلنا، يمكن “قابل” اليوم حزين،
ولكن ليس لأن الشارع تغيّر، بل لأن اسمًا كان يعرف المزح واللعب وحلاوة الحياة… قرر ينسحب على مهله، كما هبّات نسيم الصبا وهي راحلة بعد طول لقاءٍ عاطفيٍّ عفوي.
والصدق؟
بعض الغياب ما يوجع فجأة، بل يوجع على مهل…
مثل قصيدة حلوة خلصت، وبقينا نعيد آخر بيت فيها.






