من تجربتي في التعلُّم، وفي العمل، ومن معايشتي للخريجين من مختلف التخصصات؛ أثناء عملي مسؤولا سنوات طويلة في قطاع البلديات، ومن مجابة الواقع؛ ومن التلهُّف والاحتراق من أجل الإنجاز، والاتقان؛ من كل ذلك، ومن البحث والاستقصاء؛ توفَّرت لديَّ قناعةٌ تامة وراسخة؛ بأن مفتاح قابليات الإنسان للتعلم العميق الفعال، وللإنجاز الوفير المتقن؛ محكومة بوجدانه؛ فالعمل بغياب حرارة الوجدان؛ ينجلي عن البُطْء والركاكة والكلال، ومجافاة الإتقان؛ فلابد من الالتصاق الحميم مع المجال، كما لابد من تكرار الفعل؛ تكرارًا ينتهي ببناء مَلَكة راسخة يتدفَّق منها الأداء؛ تدفُّقًا تلقائيًّا؛ ويكون مندفعًا مثلما يندفع الماء من الشلال؛ ولأنه يهمني إقناع المتابعين فإنني سوف أقدم خلاصات علمية وفلسفية لكي يتضح أن هذه الأفكار هي محل إجماع فلسفي، وتأكيدات علمية ومثلما أكد الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون: ((فإن العامل الأكبر في المعرفة هو الجانب الوجداني)) لذلك فإن التعلُّم اضطرارًا لا يُنتج متعلمين، وإنما يَنجلي عن فارغين، كارهين لكل ما يرمز إلى الإلزام. ولتكوين المَلَكة المعرفية والعملية؛ لا يكفي التوقد الوجداني؛ وإنما بناء المَلَكة المعرفية والعملية؛ يستلزم حصر الانتباه، وتوجيه الاهتمام، وتركيز الوعي، وتكرار الفعل؛ فالتعلُّم الذي لا يتأسس على التفاعل الحي مع الواقع هو ضياعٌ للأعمار والأموال وهدرٌ للطاقات، ووأدٌ للآمال.
إن حقيقة أن التعلُّم؛ مشروطٌ ببناء المَلَكة، وبأن هذا البناء لا يتحقق إلا بالسَّورة الوجدانية، وبالممارسة الجياشة، وبالتكرار الفوار الذي يؤدي إلى إنضاج الملكة ورسوخها. إن اشتراط التوقد الوجداني للتعلم؛ هو حقيقة معروفة منذ أقدم العصور؛ فقد أكَّد أفلاطون في كتابه (الجمهورية): ((أن المعرفة حين تُكتَسَب بالإكراه؛ لا يمكن أن تبقى عالقة في الذهن)) وقد تَوَصَّل العلم إلى نفس النتيجة؛ فقد قام الدكتور جورجي لوزانوف بدراسة موسعة لأشخاص متميزين فوجد أنهم مندفعون تلقائيا للتعلم، وأنهم يتعاملون مع المشكلات بتلقائية، وأنهم يستمتعون بالاكتشاف وانتهى إلى أن: ((المتميزين لا يضغطون على الإرادة، ولا يحاولون إجبار العقل على العمل؛ فينجزون بسهولة)) ومثلما تؤكد بوبي سومر في كتابها (السيبرنطيقا النفسية): ((أن ما يحفظه الإنسان بإرغام نفسه؛ ينساه بسرعة، بينما أن ما يحفظه تلقائيا أو عن رغبة لا ينساه)) وقد توصل الدكتور ماكسويل مالتيز إلى: ((أن الجهود الواعية تَكبت وتُشوش على الآلية التلقائية المبدعة؛ فإذا استطاع الناس عدم التفكير في سلوكهم فإنهم يستطيعون التصرف بصورة مبدعة تلقائية)) فالإنسان لا يتعلم بتكليفه بأن يحشو ذاكرته بمعلومات لا يَشعر أنه بحاجة إليها؛ فهي لا تجيب على تساؤلاته الحارقة، ولا تُعَبِّر عن احتياجاته النفسية، ولا تستجيب لمتطلبات عقله المُلِحَّة؛
قبل تعميم التعليم لم يكن يتجه للتعلُّم سوى قلة من الأفراد الاستثنائيين؛ فالفرد يكون مدفوعًا باحتياجات عقله، فهو يبحث عما يجيب على تساؤلاته الملحة؛ إنه مدفوع بالحاجة، وبالرغبة، وبالفضول القوي، إنه يجد في المعرفة لذَّةً غامرةً متجددة؛ فالمعرفة حين تكون عشقًا ولهفةً؛ فإنها تستمر في النمو، والاتساع، والتعمُّق، وكلما عرف أكثر وأعمق؛ تنامت لهفته وتعمَّق عشقه؛ ومثلما يقول الفيلسوف الألماني جوته: ((لا يأخذ المرء في معرفة شيء إلا إذا كان يحبه. والمعرفة ستكون من الإحاطة والعمق بقدر ما يكون الحب بل والانفعال نفسه هو أعظم قوة وأحفل حياة)) كما أن آينشتاين قد نبه إلى أن التعليم النظامي يُعطي وظيفة لكنه لا يجعل الدارس متعلما؛ فالتعلُّم الفعال؛ لا يتحقق إلا بالشغف الفيَّاض، وبالتفاعل الجياش مع الواقع، وبالمجابهة الحية مع حركة الحياة؛ ليس هذا فقط بل إن القدرات العلمية والعملية؛ لا تتكوَّن إلا خلال ثلاث مراحل من مجابهة الواقع، وتكرار الممارسة؛ يقول عالم الفيزياء الشهير برونوفسكي في كتابه (العلم والبداهة): ((إن مهارَتي العقل واليد تمضيان معًا)) ويقول الدكتور عصام البشير في كتابه (تكوين المَلَكة اللغوية): ((المَلَكة العلمية؛ صفةٌ في النفس، وليست مجموعة من المعلومات، أو منظومة من القواعد)) ويقول الدكتور محمد فارس: المَلَكة ((تترسخ بالتكرار والمكابدة حتى تصير كالطبع والعادة؛ بحيث يصعب زوالها بعد استحكامها، ويَسْهُل تَذَكُّرها بعد نسيانها)) وقد باتت هذه الحقيقة شديدة الوضوح في كل العالم؛ لكن العالم ما يزال عاجزًا عن حل معضلة ضآلة النتائج؛ رغم كل النقاشات والبحوث والدراسات والمؤتمرات العالمية التي عَرَّت الخلل الجذري الذي تعاني منه العملية التعليمية في كل العالم.
أما على المستوى العربي؛ فقد احتشد عام 2025 عددٌ كبيرٌ من رجال العلم والتربية؛ تحت مظلة المنتدى الأوروبي في بلجيكا، وقد تمخض هذا الاحتشاد عن كتابٍ ضخم بعنوان (النظرية الملكاتية) وقد تَكَوَّن للمشروع لجنة علمية مكوَّنة من عشرين خبيرًا تربويًّا، وكتب مقدمة الكتاب الدكتور حسين أبو عمشة، أما الدكتور علاَّل الزهواني فكتب التصدير، أما تنسيق البحوث فنهض به الدكتور الحسن قايدة، والدكتور حمزة شرعي، والدكتورة فاطمة السباعي. إن هذا الاحتشاد لنخبة من المفكرين التربويين؛ قد جاء ثمرةً للإحساس العميق بوجود خلل جذري في العملية التعليمية، وبأن هذا الخلل يمثل خطرًا وجوديًّا؛ فالثروة البشرية؛ هي الثروة المتجددة، وهي الإمكان الهائل المفتوح؛ لكن تحويل الإمكان إلى حقيقة؛ مشروطٌ بأن تأتي ثمار التعليم متناسبةً مع الآمال المعقودة عليه؛ ولا يتحقق ذلك إلا بالتركيز على بناء المَلَكات؛ فإعطاء المعلومات هو أيسر مُكَوِّنات التعلُّم؛ فالمعلومات هي أبسط عناصر التعلم؛ وقد انطلق المؤتمرون من قناعة تامة بأن إهمال بناء الملكات هو الخلل الجذري الذي أدى إلى إخفاق التعليم؛ لقد استهدفوا الإيقاظ لهذا الخلل والتأكيد على الأهمية القصوى (لبناء الملكات) لدى جميع الدارسين. إن إهمال بناء الملكات هو الخلل الجذري؛ فالتعلم لا يتحقق بحفظ المعلومات ولا بالنجاح النظري؛ بل يتحقق في بناء الملكات المعرفية والعملية وهذا مشروطٌ بالممارسة العملية الحميمة، وبالتكرار الطويل والعميق؛ حتى تتكون (المَلَكة) بل حتى تصير راسخةً رسوخًا يجعلها تفيض تلقائيا كما يفيض التنفس.
وقد تمخَّض احتشاد هؤلاء العلماء عن صدور كتابٍ جماعي حافل بعنوان (النظرية الملكاتية) يقع في (689) صفحة وقد جاء فيه أن: ((النظرية الملكاتية؛ تراهن على صقل أبعاد الشخصية وتنميتها في اتجاه بلوغ درجات الإتقان والإحسان في القول، والعمل، وفي التصورات، والتصرفات)) ويضيف: ((إن النظرية الملكاتية تنظر للتعلم من زاوية السياقات العقلية الداخلية للمتعلم، وتُرَكِّز على صقل مواهبه، وقدراته، وكفاياته، ومهاراته، واتجاهاته، وميوله)) ويضيف: ((إن تحقُّقها يتأتَّى من خلال الممارسة، والمعاينة، والتكرار والتجريب؛ لتحقيق جودة التعليم، وحصول التعلُّم الفعَّال)) إن كل الدراسات، والبحوث، والمشاركات في هذا الجهد العلمي الجماعي الاستثنائي؛ قد ركَّزت على تأكيد أن التعلُّم الفعَّال؛ مشروطٌ بتكوين وبناء المَلَكات وليس بحفظ المعلومات. إن المَلَكة كما يقول الجرجاني في كتابه (التعريفات) هي: ((صفةٌ راسخة في النفس؛ وتحقيقه أنه تَحْصل للنفس هيئة بسبب فعلٍ من الأفعال؛ ويقال لتلك الهيئة: كيفية نفسانية؛ وتُسَمَّى حالة مادامت سريعة الزوال؛ فإذا تكررتْ ومارسَتْها النفس حتى رسخت تلك الكيفية فيها، وصارت بطيئة الزوال فتصير مَلَكة؛ وبالقياس إلى ذلك تصير عادةً وخُلُقًا)) إن التعلُّم ليس معلومات تـُحفَظ، ولكنها ممارسةٌ تعاش؛ ومثلما يقول المبدع الألماني هرمان هسه: ((الحقيقة يجب أن تُعاش، لا أنْ تُدْرَس)) أما الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون فيؤكد: بأن ((الدماغ عضو عمل وليس عضو تفكير)) وأن ((معارفنا كلها أصلها حسيٌّ)) ((وأن العقل البشري مجاله العمل والمادة)) وأن: ((العقل لا يبغي إلا وجود الكائن الحي؛ فالعقل وظيفته نفعية؛ أما النظر فمجرد ذريعة للعمل)) ويؤكد ((أن الإنسان كائن يفعل ويرغب ويريد ويحس في بيئة خارجية)) وأن ((العقل في صميمه وظيفةٌ عملية؛ فالعقل قد جُعِل أوَّلاً وأخيرًا للعمل لا للنظر)) وبهذا نرى أن التعلُّم يتطلب ليس حفظ المعلومات بل تكرار الفعل، وبأن تكوين القدرة العملية أو مهارة الأداء أو ما يُسمى (المَلَكة)؛ لا يتحقق إلا بالممارسة، وبأن القدرة لا تتكون دفعةً واحدةً؛ بحفظ المعلومات؛ وإنما تتكوَّن على مراحل بواسطة تكرار الفعل، وبأنه لا نهاية لبناء القدرة أو (المَلَكة)؛ فهي تتكوَّن خلال ثلاث مراحل لكنها تستمر في النمو والتعمق والرسوخ حتى يفيض منها الأداء فَيَضانًا تلقائيًّا.
حتى هيجل رغم أنه إمام الفلسفة المثالية في العصر الحديث؛ فإنه يؤكد أن التعلُّم لا يحصل إلا بالتفاعل مع الواقع، وممارسة العمل فهو يقول: ((من خلال العمل يتعلم الوعيُ أن يثبت نفسه في عالَمٍ موضوعي، وأن يرى ذاته متحققة في ما يصنعه)) كما يؤكد أن: ((الوعي الحقيقي يتكوَّن لدى من يعمل وليس لدى من يستهلك)) وهو يؤكد من خلال ما يسميه جدل السيد والعبد؛ أن العبد من خلال العمل يعمل ويغيِّر العالم فيرى أثر فعله ويكتسب وعيا بذلك؛ وللعمل وجهٌ آخر في التعلُّم؛ فالعمل يؤجل الإشباع؛ فيتكون الانضباط، وينمو الوعي، وتتسع المعرفة يقول هيجل: ((العمل هو الرغبة المكبوحة، والاختفاء المؤجَّل؛ فالعمل يشكل الشيء، وفي هذا التشكُّل يشكل العامل نفسه)) أما إدموند هوسرل فيؤكد أن: ((المعرفة لا تُعطى جاهزةً، بل تُكتسَب في أفعال الوعي؛ وكل معنى هو ثمرة إنجاز قصدي فعلي)) كما يؤكد أن: ((الوعي ليس مخزنًا للمعاني بل هو نشاطٌ مُنجِز للمعنى فالعلم عنده ليس استقبالا بل هو تحقُّقٌ عبر فعلٍ قصدي)) أي أن الفهم لا يحصل إلا بممارسة واعية. ونجد التأكيد نفسه لدى مارتن هايدغر فهو يقول: ((الفهم ليس معرفة نظرية بل طريقة وجود)) ويقول: ((الفهم ينشأ من الانخراط العملي في العالم)) ويؤكد: ((التعلُّم يَحدث في الاستعمال لا في الشرح)) إن هايدغر يرى أننا: ((نفهم الأشياء أولا في استعمالها لا في النظر إليها)) ويقول بول ريكور: ((الذات لا تُعرف بالتأمل الخالص بل تُعرَف عبر أفعالها وقدرتها على الإنجاز)) كما يؤكد أن: ((الفهم الحقيقي يتحقق بواسطة التطبيق)) ويقول غوتولد إفرايم ليسينغ: ((ليس امتلاك الحقيقة هو الذي يهم بل السعي الحي إليها)) ويقول: ((لو خُيِّرت بين الحقيقة في يدي وبين السعي الدائم إليها لاخترت السعي)) فالمعرفة ليست معطى جاهزًا بل هي حركة وفعل ونشاط.
أما فلاسفة أمريكا فهم الأشد تأكيدًا لفاعلية العمل في التعلم فالبراجماتية تعني فلسفة الفعل يقول جون ديوي: ((التعلم يَحدُث عندما نعمل وليس عندما نُلقَّن)) ويؤكد: ((كل تعلُّم حقيقي هو إعادة تنظيم للخبرة من خلال العمل)) ويقول: ((إذا علَّمنا اليوم كما علمنا بالأمس؛ فإننا نسرق المستقبل من أبنائنا)) فالتعلم عنده خبرة حية؛ والخبرة الحية هي تفاعُلٌ وفِعلٌ إن ديوي يؤكد بشكل صريح ومتكرر بأن التعلم لا يتحقق إلا عبر العمل. ونجد نفس التأكيد على فاعلية العمل في التعلم لدى وليم جيمس فهو يكد: ((لا نعرف الشيء حقًّا إلا حين نعرف ما الذي يغيِّره في سلوكنا)) ويقول: (( الفهم الحقيقي لأية فكرة؛ لا يظهر إلا في آثارها العملية)) أما جان بياجيه فيؤكد: ((المعرفة ليست نسخة عن الواقع بل بناء ينشأ بواسطة الفعل)) ويقول: ((الذكاء يتطور عبر العمل على الأشياء)) ويقول عالم التربية الشهير باولو فريري: ((التعليم ليس إيداعًا للمعلومات بل ممارسة فردية)) ويقول: ((التعليم الحقيقي يَحدث عندما يعمل الإنسان على تغيير واقعه)) إن البنية الذهنية للمتعلم تتغير بقدر ما يمارس ويعمل ويواجه الواقع ويتفاعل مع الناس ويحتك بالأشياء.
وهكذا يتضح أن التعلُّم العميق الفعَّال؛ لا يمكن أن يتحقق إلا بالتفاعل الجياش مع الواقع. وبأن القدرات لا تتكون إلا بالممارسة بشغف وإخلاص واندفاع؛ حيث يحتشد الوجدان ويلتحم بالوعي، وبأن القدرات العملية؛ مختلفة نوعيًّا عن المعلومات أو المعارف النظرية؛ فالشخص لا يكون جرَّاحًا بأن يقرأ كل التفاصيل عن تكوين جسم الإنسان، وأعضائه؛ وإنما يتعلم الجراحة من الممارسة تحت توجيهِ وتدريبِ وقيادةِ جرَّاحٍ خبير، كما أنه لا يكون لاعبًا ماهرًا بقراءة قوانين اللعب، ولا يكون سبَّاحًا بالقراءة عن السباحة، ولا يكون موسيقارًا بأن يقرأ عن الموسيقى، ولا يكون طيارًا بأن يقرأ عن الطيران، ولا محاسبَا بأن يقرأ عن المحاسبة، ولا كاتبًا بأن يقرأ عن الكتابة، ولا خطيبًا بليغا بأن يقرأ عن الخطابة، ولا شاعرًا مبدعًا بأن يقرأ عن الشعر، ولا قائدًا بأن يقرأ عن القيادة. إن من يريد إتقان الرماية؛ لابد أن يمارس الرماية حتى درجة الإتقان؛ ويقال مثل ذلك عن كل مجال من مجالات الأداء؛ فلابد لاكتساب (المَلَكة) من الممارسة بعناية شديدة، وتكرار الفعل بتركيز؛ وبذلك تتكون المَلَكة ومثلما يقول ابن خلدون: ((المَلَكات إنما تحصل بتتابُع الفعل وتكراره؛ وإذا تُنُوسي الفعل تُنُوسِيَتْ المَلَكةُ الناشئة عنه)) فالأداء مختلفٌ نوعيًا عن المعرفة النظرية ولكن ضوضاء التعليم غيَّبت هذه الحقيقة البديهية. مثلما غمرت وغيَّبت حقائق كثيرة.
إن عجز التعليم في كل العالم عن إصلاح ذاته؛ هو أحد الشواهد الضخمة؛ على حقيقةٍ بشريةٍ كبرى؛ وهي أن السوابق عوائق؛ فإذا اتخذتْ الحياةُ مسارًا؛ فإنها لا تتحول عنه مهما اشتد النقد، ومهما تكاثرت العيوب، ومهما تكشَّفت النقائص، ومهما بلغ سطوع الأفكار؛ فالتحول عن المسار السائد؛ لا يتحقق؛ إلا بحدوث قطيعة استثنائية فاصلة؛ تُشبه الطفرة في الأحياء؛ وهذه إحدى القضايا الإنسانية الكبرى التي يغيب إدراكها عن معظم الأذهان؛ ليس عن نقص في القابليات لديهم لكن لغياب الاهتمام؛ فالإنسان لا يتفحَّص بعناية ودقة إلا ما يلفت نظره؛ فينتبه له، ويثير اهتمامه، ويتابع الاستقصاء حوله. إن ما أريد التذكير به هو أنه قد بولغ مبالغة شديدة في تعظيم شأن التعليم اللفظي؛ الذي هو في الكثير من الحالات يزيل الأمية الحرفية ويستبقي الأمية الفكرية بل إنه في الكثير من الحالات يُرَسِّخ هذه الأمية الأكثر ضررًا، والأشد إعاقةً، والأوسع انتشارًا. لكن رغم هذا الجدب، فقد تم تضخيم التعليم اللفظي؛ حتى كاد يتم إخراج الأميين من دائرة التعقُّل والتمييز؛ مع أن بعض الأميين قد عركتهم تجارب الحياة؛ ففاضوا بالحكمة العميقة، والرؤية السديدة؛ بينما ملايين المتعلمين يفتقرون إلى أبسط متطلبات الحكمة وسداد الرؤية. لقد غاب عن الكثيرين أن القراءة في حد ذاتها ليست علمًا وإنما هي مجرد مهارة عملية؛ وهذا يستوجب إعادة النظر ووضع الأمور في مسار التقييم السليم. إن التعليم اللفظي السائد؛ قد سَحَب الأجيال من التعلُّم من معترك الحياة؛ ليغرقهم في تعليمٍ وصْفيٍّ لفظي؛ يحرمهم من فهم الواقع؛ فلو أخذنا طلاب أية مدرسة، إلى البر وطلبنا منهم التعرُّف على مئات النباتات والأشجار والأودية والتضاريس الطبيعية، والنجوم والاتجاهات وأسماء المكوِّنات الطبيعية للبيئة؛ لو فعلنا ذلك لاكتشفنا الجهل الفاضح؛ بينما أن هذه كانت من المعارف الأولوية لأي طفل عاش في البادية أو في القرى المتاخمة للبادية. وقد نَبَّه إلى ذلك عددٌ من الدارسين الرائعين يأتي في طليعتهم العالم الدكتور سعد الصويان الذي أثرى المكتبة بتراث ضخم في مؤلفاتٍ علميةٍ؛ غزيرة المحتوى، ودقيقة الاستنتاج، وذات إحاطة مُلهِمة؛ ومن أبرز مؤلفاته عن صحرائنا وعن أهلها؛ كتاب (الصحراء العربية: ثقافتها وشعرها عبر العصور) وكتاب (الشعر النبطي: ذائقة الشعب وسلطة النص) وكتاب (أيام العرب الأواخر: مرويات شفهية في التاريخ والأدب) وكتاب (أُطروحات أثنولوجية) وكلها قد جاءت في مجلدات ضخمة وهي تستحق أن تُقرأ وأن تُدرَس وأن تكون مرجعًا حاضرًا يُحتفى به؛ يربط الحاضر بالماضي من أجل أن تعي الأجيال المترفة طبيعة البيئة القاسية التي عاشتها الأجيال السابقة في صحرائهم الجدباء القاحلة.
إن كل ما سبق قد ألهب اهتمامي فصارت هذه القضية العامة من جملة الاهتمامات الملحَّة التي شغلتني طول حياتي؛ فقد لاحظت عَظَمَة الكفايات الإنسانية التي تتشكَّل تلقائيًّا، وأمعنت النظر في روعة الإنجازات الكبرى التي تكوَّنت بالتفاعل التلقائي كتكوُّن اللغات بكل ما تنطوي عليه من ثراء هائل، وتنوع عظيم، وفروقات بالغة الدقة؛ إن الأميين يستخدمون اللغة اليومية بكفاية لا تقل عن كفاية كثير من المتعلمين؛ وينتبهون لأدق الفروق اللغوية مثل الفرق بين لفظة؛ (بُر وبَر و بِر) إن الأمي يستخدم اللغة ويميز بين هذه الفروقات الدقيقة بمنتهى التلقائية، ليس هذا فقط بل إن الأمي قد يكون شاعرًا عظيمًا؛ يفيض بالإبداع، ويُعَبِّر عن الحكمة في أروع تجلياتها مقابل ضآلة نتائج التعلُّم اضطرارًا، رغم طول مدته، وتعدُّد مراحله، وضخامة تكاليفه، واستمرار الإنفاق عليه، وتنوع متاعبه، وثُقْلِ مسؤولياته، وكثرة التجهيزات اللازمة له؛ وقد لمستُ ضآلة نتائج التعلُّم كُرْهًا أو اضطرارًا، أثناء عملي في إدارة العمل البلدي؛ خلال سنوات حياتي الوظيفية والإدارية؛ فبقيت مقتنعًا اقتناعًا عميقًا؛ أنه يوجد خللٌ جذري؛ في العملية التعليمية في كل العالم، ومع الوقت ازددت اقتناعًا بوجود هذا الخلل الجذري. إن تعميم التعليم في كل العالم هو المشروع البشري؛ الأعظم هدفًا، والأعم تطبيقًا، والأكثر التزامًا. لكن نتائجه لا تتلاءم أبدًا مع السنوات الطويلة التي يقضيها الدارسون فيه، كما أن هذه النتائج لا تتناسب مع ما يؤمَّل منه، ولا مع ما يُبذَل فيه؛ من اهتمام ومال ووقت وطاقة؛ مما يستوجب إحداث تغيير جذري في مضمونه وفي أسلوب أدائه؛ وقد تَوَصَّلْتُ إلى أن الخلل ناشئٌ عن عدد من الأسباب؛ ومن أبرز هذه الأسباب؛ هو التركيز على المعلومات، وإهمال بناء الملَكات؛ فهذا البناء أو هذا التكوين لا يتحقق بحفظ المعلومات وإنما هو مشروطٌ بالإقبال الحميم، وبالممارسة الجياشة، وبتكرار الفعل؛ تكرارًا يؤدي إلى تكوين وبناء المَلَكات؛ يضاف إلى ذلك غياب العلاقة الوجدانية مع التعلُّم؛ فأكثر الدارسين؛ لا يتجهون إلى التعلُّم رغبةً في التعلُّم ولا حُبًّا في العلم؛ وإنما ينتظمون فيه؛ كارهين لأنهم مضطرون، إلى مواصلة التعلُّم النظامي؛ فهو السبيل الوحيد للحصول على وظيفة، وتأمين مصدر رزق. وقد ناقشتُ ذلك، في كتاب (عبقرية الاهتمام التلقائي) وبرهنتُ على أن: ((التعلُّم اضطرارًا مضادٌّ لطبيعة الإنسان التلقائية)) ففي ذلك الكتاب؛ قدَّمت شواهد وبراهين استقصائية كافية ومقنعة لمن يهمه معرفة الحقيقة.
المعروف أنه لا ينقطع للتعلُّم عن شغفٍ عميق في العلم، ولهفة قوية بالمعرفة، ورغبة متجددة في التحقق، وتطلُّعٍ محرِّك إلى الاكتشاف؛ سوى قِلَّةٍ من الأفراد؛ ومثلما قال وليم كوبر: ((يبدأ البحث حين يَحدُث أمرٌ يُشعِل خيال المرء: شيءٌ ما؛ يجهله الإنسان، وتصبح مسألة التعرُّف عليه، واكتناهه جذَّابة، وجزئيًّا يصبح ذلك الشيء نفسه مهِمًّا وأخَّاذًا بحد ذاته، وبصورة جزئية أيضا؛ يربط الأمر بإثارةٍ داخلية تحث المرء على معرفة ذلك الشيء؛ ثمة شرارة وتحفيز يجعل عملية التعرف فائقة الإثارة إلى حد يصعب مقاومته؛ هناك التماعٌ وكحال الحب؛ يَعرف الإنسان أنه وقع في أسره)) هذه بعض صفات الذين يتعلمون اندفاعًا. وعكسهم الذين يتعلمون كُرهًا واضطرارًا؛ وهو الغالب عند أكثر من ينتظمون في التعليم بمختلف مستوياته؛ فبعد تعميم التعليم، في كل العالم، وبعد أن صارت الشهادات التعليمية معيارًا للتوظيف، وبطاقةً للدخول إلى أبواب العمل وإلى مصادر الرزق؛ صار الكل يلتحقون بالتعليم ومنهم من يواصلون الدراسة إلى أعلى المراحل؛ ليس حبًّا في العلم ولا رغبة في المعرفة؛ وإنما تَحوَّلت الشهادة الخادعة أو ما يسميها داود الشريان (الورقة القذرة) تحولت إلى مفتاح للوظيفة، وبوابة للرزق، وسُلَّم للوجاهة، ووسيلة للنفوذ؛ فضاع تميُّز القلة الشغوفة المندفعة تلقائيا؛ لقد ضاع أهل الشغف المندفعون للتعلُّم؛ ضاعوا وسط طوفان الذين اضطروا إلى التعلم اضطرارًا. فالجميع يحملون نفس الشهادات أما المضمون فهو شيء يختبئ في الأذهان، فالقلة مكتنزة معرفةً وتزداد اكتنازًا أما الكثرة فهي فارغة وتزداد بالنسيان فراغًا وعطالة ذهنية.
إن دخول الكل في ما كان في الأصل من خصائص المندفعين تلقائيا، الباحثين حقًّا عن المعرفة؛ قد أربك المشهد برمته، وإن استمرار التعليم في تجاهل الفرق النوعي بين المعرفة النظرية، والقدرات العملية قد فاقم الخلل؛ وبذلك تعطَّلَ تكوين الكفايات لدى مختلف الأجيال؛ فالمعلومات هي مجرد مدخل لاكتساب المعرفة والبدء في تكوين المهارات العملية، فالخريجون يأتون إلى مواقع العمل من دون أية مهارات عملية؛ فالأصل أن يكونوا مدركين أنهم قد امتلكوا فقط إمكانية البدء في تكوين المهارات العملية ولكنهم قد أُوهموا بأنهم قد تخرجوا مكتملين؛ فيبقون عاجزين عن الممارسة الحية. وقد أدرك ذلك الخبراء التربويون الذين احتشدوا في بلجيكا فأصدروا كتاب (النظرية المَلَكاتية) حيث قدَّموا تصورًا تربويًّا؛ بهدف تدارك الخلل بجعل سنوات التعليم مجدية معرفيا وعمليا. يقول الدكتور خالد أبو عمشة في تقديمه للكتاب: ((ينطلق الكتاب من مسَلَّمة أساسية؛ مفادها أن الأزمات التربوية المعاصرة؛ من ضعف في نواتج التعلُّم، إلى تفكُّكٍ في البناء المعرفي للمتعلمين؛ لا يمكن معالجتها عبر وصفات تقنية معزولة؛ بل تتطلب رؤيةً فلسفية عميقة تنظر إلى التعلُّم على أنه فعلٌ وجودي لا مجرد أداة تقنية؛ ومن هنا تتبلور الحاجة إلى نظرية تعليمية تعيد الاعتبار للتدرج، ولزومية التكرار، وتعميق الفهم، وتنمية القدرة على نقل المعرفة، وتوظيفها؛ في سياقات جديدة؛ وهي جميعا سماتٌ جوهريةٌ في نظرية المَلَكة)) ويضيف: ((يُقَدِّم هذا العمل؛ قراءةً متعددة الأبعاد لهذا المفهوم (مفهوم الملكات) في امتداداته النظرية والعملية، ويطمح إلى أن يكون لبنةً في مشروعٍ أوسع؛ لإعادة تأسيس النظرية التربوية)) إن هذا الجهد الفكري التربوي الجماعي؛ يكشف الفرق النوعي بين مخرجات التعليم؛ مقابل ما يجب أن تكون عليه؛ وكما يقول الخبير التربوي المغربي الدكتور محمد الدريج فيُعَرِّف المَلَكة فيقول: ((المَلَكَة تركيبة مندمجة من قدرات ومهارات واتجاهات تُكتسَب بالمشاهدة والمعاينة وتَرْسخ بالممارسة وتكرار الأفعال في إطار المشكلات ومواجهة موقف)) كما يؤكد أن: ((المَلَكَة قابلة للتطوير والتراكم المتدرِّج ويكون لها تجليات سلوكية خارجية)) فبناء الملكة لا يتحقق بالمعلومات وإنما المعلومات مجرد مدخل لبناء الملكات؛ حيث يبدأ البناء بالممارسة العملية وتستمر عملية التكوين والبناء؛ فلا يوجد سقفٌ ينتهي عنده بناء الملكات وإنما تستمر عملية البناء لكي يفيض الأداء تلقائيا وبشكل متقَن.
يقول الدكتور خالد أبو عمشة: ((نظرية التدريس بالملكات لا تنطلق من تصور ميكانيكي لعملية التعليم بل ترتكز على تصور عضوي ينظر إلى التعليم بوصفه تراكما تدريجيا للخبرات المعرفية والمهارات حتى تستحيل تلك الخبرات إلى مَلَكَة راسخة أي قدرة نفسية ثابتة لا تتشكل دفعة واحدة)) ويؤكد على أهمية: ((التعلُّم العميق)) ويقول: ((يرى بياجيه أن المعرفة لا تُكتَسب من الخارج بل تُبنى في الذهن عبر نشاطٍ تفاعليٍّ طويل المدى)) ويضيف: ((كذلك نجد صدى الملكة في تصور فيجوتسكي حيث يشترط أن يكون التعليم في سياقٍ تفاعليٍّ مع داعمٍ خبيرٍ عبر التدرج من الاعتماد إلى الاستقلال)) كما يبين أن: ((المقاربات الحديثة تفهم الكفاية على أنـها القدرة على تعبئة المعارف والمهارات والاتجاهات بشكل مندمج لمواجهة وضعية معينة)) ويعرف المهتمون بأن نظرية الملكات كانت مفهومة بعمق في التراث العلمي العربي؛ فيؤكد ابن خلدون: ((أن المَلَكَة صفة راسخة تحصل عن استعمال ذلك الفعل وتكراره مرةً بعد أخرى حتى تترسَّخ صورته وعلى نسبة الأصل تكون المَلَكَة)) كما يؤكد أن: ((نَقْل المعاينة أوعب وأتم من نقل الخَبَر والعلم، فالملكة الحاصلة عن الخبر على قدر جودة التعليم وملكة المتعلم في الصناعة وحصول ملكته)) كما يؤكد ابن خلدون أن: ((الملكات لا تحصل إلا بتكرار الأفعال لأن الفعل يقع أولاً وتعود منه لِلذَّات صفةٌ ثم تتكرر فتكون حالاً ومعنى الحال أنـها صفةٌ غير راسخة ثم يزيد التكرار فتكون مَلَكَةً أي صفة راسخة)) ويضيف ابن خلدون: ((إن الخدمة في العلم والتفنُّن فيه والاستيلاء عليه إنما هو بحصول مَلَكَة في الإحاطة بمبادئه وقواعده والوقوف على مسائله واستنباط فروعه من أصوله وما لم تحصل هذه الملكة لم يكن الحذق حاصلاً في ذلك الفن المتناول))
علينا أن نستحضر في أذهاننا دائمًا؛ أن الذين يضطرون إلى الانتظام في التعليم من غير شغف ولا رغبة بل من أجل الوظيفة، أو الوجاهة، أو النفوذ؛ لا يحصلون على علم بل يحصلون على وظائف؛ فالدماغ البشري؛ لا يَستقبِل، ويتفاعل، ويستوعب، ويستجيب؛ إلا لحاجة، أو رغبة، أو متعة، أو دهشة، أو إثارة؛ وقد نبَّه إلى ذلك علماء وفلاسفة من أمثال برتراند راسل، وآينشتاين وغيرهما فقد أكَّد آينشتاين؛ أن التعلُّم الحقيقي لا يتحقق إلا بالشغف، والرغبة الذاتية في العلم فيقول: ((نبدع نظريات علمية؛ لأننا نجد متعةً فائقةً في أن نَفهَم؛ إننا نستمتع بالفهم؛ ولولا هذا الاستمتاع لما كان هناك علم ولا رياضيات)) ويقول: ((التعليم يعطيك وظيفة؛ أما التعلُّم الذاتي فيعطيك عقلا)) ولقد نادى كثير من الفلاسفة والعلماء والمفكرين والمهتمين إلى إحداث تغيير جذري في العملية التعليمية؛ لكي يأتي التعلُّم بوصفه؛ استجابة تلقائية؛ لجوع العقل، وحاجة ملحة للنفس، وبما يتوافق مع طبيعة الإنسان التلقائية. لكن لم يحصل التغيير المطلوب؛ لأن السوابق عوائق؛ سواء على مستوى الأفراد، أم على مستوى المجتمعات، أم على المستوى الإنساني بأكمله؛ إن بداية تعميم التعليم في العالم؛ لم تبدأ من أجل العلم؛ بل كانت البداية في ألمانيا؛ من أجل تكوين مجتمعٍ منضبطٍ محاربٍ؛ وتم تتويج التجربة الألمانية التعليمية؛ بانتصار ألمانيا على فرنسا؛ فقال بسمارك: انتصرنا على فرنسا بالتعليم؛ فبادرت فرنسا ومن بعدها كل العالم إلى تعميم التعليم على النمط الألماني؛ وحين تم تعميم التعليم في مختلف بلدان العالم؛ ظل محكومًا ببداياته؛ ثم صار من الصعب العدول عما تم التعود عليه؛ فحين ينتظم الناس في اتجاه؛ ويعتادون عليه؛ وحين ينتظمون في مسار؛ فإنه ليس سهلاً التحول عنه؛ وبسبب هذه الطبيعة البشرية العميقة؛ بصلابتها الشديدة؛ فإن جهود محاولات التغيير في مختلف المجالات تواجَه بمقاومات عنيدة وصلبة وشرسة.
وما أريد التذكير به هو؛ أن الدارس لا يستجيب ذهنه؛ فيؤثر فيه إلا ما يتفاعل معه؛ عن لذَّةٍ فيه، أو حاجة إليه، أو عن رغبة فيه، أو انفعال به أو عن اندهاشٍ مثيرٍ له، أو اندفاع نحوه؛ فالإنسان كائن تلقائي؛ إنه يواجه صعوبة شديدة؛ حين يحاول إرغام قابلياته؛ إن التعلُّم كُرْهًا أو اضطرارًا؛ مضادٌّ للطبيعة البشرية؛ إن قابليات الإنسان لا تستجيب كُرهًا، وإذا هي استجابت في حالة التعلُّم اضطرارًا فإن الاستجابة لا تتحقق إلا بمشقة وربما تأتي النتائج عكسية؛ وكما يقول الدكتور ريتشارد أوكونور: ((كلما حاولت الذات الواعية؛ أن تسيطر على ما هو تلقائي؛ زاد شعورنا بالإعاقة؛ فنحن نعتمد على الذات التلقائية في 99 في المائة من أعمالنا اليومية)) فالدارسون ليسوا فقط مضطرين للدراسة، وإنما أيضا الدراسة؛ مصطنعة ومتعارضة مع الطبيعة البشرية؛ فالتعليمٌ لغويٌّ، وصفي، منفصلٌ عن حركة الحياة.
إن الإنسان لا يتعلم إلا عن طريق التفاعل مع الواقع، والاحتكاك بالأشياء، ومواجهة صعوبات الحياة، والتصدي لتغيرات الوجود، والتأمل في تقلبات الأوضاع؛ لذلك فإن الأصل أنه خلال القرون الماضية، ومنذ أزمان الإنسان السحيقة؛ كان التعلُّم يَحصُل تلقائيًّا؛ بالتفاعل مع الواقع، والتعلُّم من الممارسة، والتعلم من مجابهة المشكلات، ومن تجاب الحياة؛ فالحياة، وصعوباتها، والتفاعل معها للحصول على الاحتياجات، وتحقيق الرغبات، والسعي نحو الأهداف؛ كان ذلك كله؛ هو المعلِّم الحقيقي الأول. ليس هذا فقط بل إن البشرية؛ خلال عهود الأمية الطويلة الشاملة؛ قد حققت ابتكارات نوعية عظيمة؛ جاء في مقدمتها؛ إبداع اللغات وهي أعظم وأعقد ابتكار حققته الإنسانية بتفاعلاتها التلقائية؛ إن الأهمية الأساسية للغة؛ قد دفعت إلى القول؛ إن الإنسان كائنٌ لغوي؛ فمن دون اللغة ما كان للإنسان إن يحقق أي تطور؛ ومع ذلك فإن الإنسان بدافع الحاجة الملحة إلى التواصل والتفاهم؛ تمكَّن أن يبتكر اللغة؛ وقد بلغت روعة هذا الإنجاز الهائل؛ أن بعض العلماء مثل نعوم تشومسكي؛ كان يعتقد أن اللغة؛ قد خُلِقت مع الإنسان وأنها جزءٌ من تكوينه البيولوجي؛ لكن العلوم المعرفية؛ التي صارت بمجموعها؛ تُسَمَّى (علم المعرفة) أو (علم الإدراك) قد أثبت بأن اللغةَ ابتكارٌ بشريٌّ جمعي؛ وليست تكوينًا بيولوجيًّا. إن ابتكار اللغات؛ كان وما يزال وسيظل الإنجاز الأعظم إبهارًا والأشد تعقيدًا؛ ومع ذلك فإن هذا الابتكار الأعقد؛ قد تم إنجازه جماعيًّا وبشكل تلقائي؛ لقد تم ذلك تلقائيًّا؛ بفاعلية ضغط الحاجة إلى التواصل؛ فاللغة هي نتاجُ التفاعل الحي. إن كل من يهمه أن يعرف كيف يتعلم البشر وكيف يبدعون؛ عليه أن يتوقف طويلا للتأمل في إبداع البشر لآلاف اللغات، فما تكاد تنفصل أية مجموعة بشرية حتى تتكوَّن لها لغة مغايرة للغات المجموعات الأخرى؛ يتشربها أطفالهم تلقائيَّا، وتستمر الأجيال تتوارثها بشكل تلقائي.
ينبه الفيلسوف الألماني الشهير هانز جورج غادامير في كتابه (بداية الفلسفة): إلى ((التفسير العقلاني للحياة؛ وهي الخطوة التي استهلتها الفلسفة قبل سقراط بشكلٍ تام)) ثم يتوقف مبهورًا عند ظاهرة التكوُّن التلقائي للغة فيقول: ((هناك شيءٌ آخر؛ مادةٌ شديدةُ الغموض؛ شيءٌ يسبق التراث المكتوب بأسره، ويسبق الأدب الملحمي، ويسبق الفلسفة أيضا؛ تلك هي اللغة؛ فاللغة أحد الألغاز العظيمة في التاريخ الإنساني؛ فكيف تشكَّلتْ اللغة؟! إن اللحظة التي يبدأ فيها شيءٌ ما؛ تشغل الفهم الإنساني فيتساءل: متى كان ذلك ؟؟!!)) ويقول عالم الأعصاب الدكتور مايكل ترايمبل في كتابه (الروح في الدماغ): ((اللغة معجزة الجنس البشري)) ويقول عالم اللغة الفرنسي الشهير جوزيف فندس في كتابه المرجعي عن (اللغة): ((في أحضان المجتمع تَكَوَّنتْ اللغةُ؛ وُجِدَتْ اللغةُ يوم أحَسَّ الناس بالحاجة إلى التفاهم فيما بينهم؛ فاللغة تَنتُج من الاحتكاك الاجتماعي؛ وصارت من أقوى العرى التي تربط الجماعات، وقد دانت بنشوئها إلى وجود احتشادٍ اجتماعي)) ويضيف: ((الأطفال منذ ميلادهم متيقظون أمام العالم الخارجي؛ فهم قبل أن يُصدروا أصواتًا؛ يكونون على صلة بمن يحيطون بهم بواسطة السمع؛ ويجدون أنفسهم في اللحظة التي يتكلمون فيها؛ منغمسين في تيار التبادل الاجتماعي))
إن الإنسان في أقدم عصوره قد ابتكر الأدوات وابتكر الزراعة، ومع الاستقرار ابتكر بناء البيوت، واستأنس الحيوانات وروَّض الخيل وابتكر السواني وأدواتها المعقدة كما ابتكر التُّرع والحصون بل أقام الاهرامات وسور الصين وأنجز عجائب كثيرة؛ فالأصل في التعلم أنه تلقائي وأنه أميٌّ ولكن حين جرى تعميم التعليم، وصار الحصول على شهادة تعليمية؛ شرطًا للحصول على وظيفة، وعم الاحتشاد كل المجتمعات من أجل قسر الأجيال على التعلم الجماعي؛ نتَجتْ عن ذلك مبالغة شديدة في قيمة، القراءة والكتابة؛ وانتشرت أوهامٌ معيقة عن دونية الإنسان الأُمِّي؛ إن ابتكار اللغة التي انبثقت تلقائيا في الحياة اليومية للناس من دون تخطيط أو تصنُّع هي في جوهرها مرآة لعبقرية الإنسان التلقائية فهي ناتجة عن تفاعل طويل بين الإنسان والعالم، بين الجسد والإحساس، بين التجربة المباشرة والذاكرة الحية؛ لذلك فإن كثيرًا من المفردات الشعبية اللغوية ــ رغم عفويتها ــ تحمل دلالات أكثر عمقًا ودقة من بعض المصطلحات العلمية المصوغة في المختبرات أو اللجان الأكاديمية إن المصطلح العلمي يولد عادة بقرار اصطلاحي محكوم بالمنهج والمقاييس ولكنه لا يحمل حرارة التجربة الإنسانية أما الكلمة التي تتكون في الاستعمال الطبيعي فإنـها تولد من الاحتكاك الفعلي بالعالم ومن الانفعال الحسي المباشر فتأتي أكثر التصاقًا بالواقع الحي وهنا تتجلى فاعلية الطبيعة التلقائية للإنسان لأن ما يفيض منه عفويا يكون في الغالب أكثر صدقا وملاءمة وأكثر تطابقًا مع بنية الوجود ذاته.
إن اللغة التلقائية ـــ شأنـها شأن الفن الفطري وشأن التعلم بالممارسة ـــ تحمل معنى ذا مغزى عميق الدلالة وواسع الأثر عن الابتكار التلقائي للغات بكل ما فيها من عظمة وتنوع وثراء يذكرنا بقوة بحقيقة أن التعليم الوصفي عن طريق اللغة وحدها ليس تعلمًا طبيعيا وإنما هو تعليم يتعارض مع طبيعة الإنسان التلقائية فالأصل في الإنسان أنه يتفاعل مع الواقع بعقله ووجدانه وأحاسيسه وكل جوارحه.
إن الإنسان منذ وجوده على هذه الأرض وهو يتفاعل بشكل ناجح مع الواقع؛ فابتكر الزراعة، واخترع الأدوات، وأتقن الغزل والنسيج ودجَّن الدواجن والطيور، واستأنس الحيوانات المتوحشة مثل الإبل والخيول وأنشأ السدود وشق الترع وشيَّد القنوات وأقام الاهرامات وبنى القصور وقبل ذلك وبعده ابتكر اللغات بكل ما فيها من عظمة وتنوع وتعقيد.
إن التعليم اللفظي الوصفي القائم على الحفظ والتلقين مضاد لطبيعة الإنسان التلقائية وهو يؤدي إلى تعطيل قابلياته فالعقل لا يتغذى من الكلمات المجردة وإنما ينمو ويتعلم وتتسع مداركه وتتنوع قدراته بالتفاعل الحسي والعقلي مع العالم المادي الحي. إن العقل البشر لم يُصمَّم للتعلم من الكلمات وإنما لا بد أن تكون الكلمات مصحوبة بما تدل عليه وبـهذا التكامل بين الكلمة وما تدل عليه تترسخ في الذهن وتبقى في الذاكرة. إن العقل البشري منذ وجوده على هذه الأرض وهو يمارس حياته ويتعلم بالتفاعل والتجارب والمعاينة فمن رؤية الأشياء وتقليبها وتشكيلها تتكون معارفه وتبنى مهاراته ومن كل ذلك انبثقت لغاته فقد اختـرع الإنسان الأسماء لكل الأشياء وباختلاف الشعوب والأمم اختلفت اللغات وتنوعت اللهجات وكل ذلك تكوَّن بشكل تلقائي. إن الدارس الذي يحفظ النصوص بشكل منفصل عن حركة الحياة لا يمكن أن يكون متعلمًا تعلُّما حقيقيا بل إنه يرغم ذاكرته فيحفظ النصوص من دون فهم إن التعلم الذي لا يكون مدفوعًا بحاجه ذاتيه إلى المعرفة ويكون تعليمه لفظيا منفصلاً عن حركة الحياة ولم تكن المعلومات مقرونة بما تصفه وتتحدث عنه إن تعليمًا على هذا النحو هو إهدار للطاقة واستهلاك للوقت وتضييع للأعمار فالتعلم ليس حفظ معلومات بل هو تفاعل جياش ورؤية فاحصة وإدراكٌ للاختلافات والتشابـهات.
إن التعلم يحصل بالفعل، وبالاحتكاك، وبالمشاهدة؛ فمن التعرف على أشياء الوجود بنى الإنسان المعاني وأطلق على كل شيء اسمًا يميزه ويُعَرِّف به؛ فالمعرفة لست حفظ معلومات وإنما هي بناء ذهني إن هذا البناء الذهني لا يمكن أن يتكوَّن من اللاشيء أو في الفراغ وإنما تتكون المعاني والأسماء من التفاعل الحي مع الواقع وهو تفاعل تشارك فيه العين واليد ومختلف الحواس فالعين ترى واليد تمسك والعقل يلاحظ الأشياء في أوضاع ثم يلاحظها في أوضاع أخرى فيدرك التغيرات التي تحصل وتنفتح له آفاق جديدة مع كل رؤية وتنشأ في ذهنه بصيرة طارئة مع كل تغيير يلاحظه؛ فالإنسان كائن يتعلم مما يراه وما يسمعه وما يحسه كما أنه يتعلم مما يعمله وما يمارسه ويتشكل عقله ويتفتح ذهنه من التفاعل الحي الجياش مع الواقع. وعلى سبيل المثال عن فاعلية التفاعل المباشر مع الواقع؛ أن العلماء والفلاسفة والأدباء قد ظلوا آلاف السنين وهم يعانون قراءة الكتب المكتوبة بخطوط اليد وكانوا يعانون من عدم توفر الكتب كما كانوا يعانون من قراءة خطوط النسخ الرديئة ومع كل هذه المكابدات فإن أيًّا منهم لم تخطر على باله فكرة اختراع المطبعة ولكن هذه الفكرة العظيمة الخارقة خطرت في ذهن الحداد جوتنبرغ لأنه أثناء أعمال الحدادة رأى تشكيلات الحدادة فأوحت له بفكرة المطبعة؛ وليس هذا سوى مثال واحد من آلاف الأمثلة؛ فالتفاعل المباشر مع المادة ورؤية تشكيلاتـها المختلفة خلقت أفكارًا إبداعية لا يمكن أن تخطر في بال الذين يتعلمون من الكلمات ومن النصوص والكتب المنفصلة عن واقع الحياة وتفاعلاتـها الخلاقة. فالتعلم من الكتب هو من نصيب القلة الذين يعيشون المعرفة شغفًا متجددًا، ويجدون لذة غامرة في البحث والاستقصاء ومعايشة الأفكار. أما الذين يتجرعون الكتب المدرسية تجرُّعًا فإنهم يكابدون التعلُّم ولا يبقى منه في أذهانهم سوى أشباح معرفة.
0






