المقالات

خللٌ جذريٌّ في الحياة البشرية

لقد عشتُ خلال عمري كله؛ مقتنعًا بأن التعليم القسري الجمعي في كل العالم؛ غير طبيعي، وبأنه مضادٌّ لطبيعة الإنسان التلقائية؛ فبقي لا يؤتي الثمار المرجوة، وظل ضئيل النتائج الإيجابية؛ كما بقيتُ مقتنعا بوجود خللٍ جذريٍّ في الحياة البشرية؛ فالاضطرابات، والحروب تتفجر في كل مكان؛ والأوضاع البشرية في الكثير من المجتمعات هي أوضاعٌ بائسة، وما تزال بعض المجتمعات تعاني من الفقر الشديد، إلى حد وجود مجاعات؛ فرغم طفرة العلوم والأفكار، ورغم تعميم التعليم في كل العالم، ورغم الإنجازات العظيمة، والابتكارات الهائلة؛ فقد بقيتْ كل الأمم مرتهنة بثقافات ما قبل العلوم، وما قبل تعميم التعليم؛ فاستمر غياب الرؤية الموضوعية في التقييم، واستمر سوء التعامل بين الأمم، كما بين الأفراد داخل المجتمع الواحد، وبقي اضطراب العلاقات بين البشر شديدًا؛ إنه خللٌ جذريٌّ عميق؛ على مستوى الأمم، وعلى مستوى الأفراد؛ ورغم عَظَمة الأفكار، والعلوم الموضوعية التي تحققت بواسطة قلة من الأفراد الخارقين، ورغم تعميم التعليم في كل العالم؛ فإن نتائج التعليم في كل العالم؛ جاءت ضحلة وبائسة، كما أن العلاقات الإنسانية بين الأمم، وبين الأفراد داخل المجتمع الواحد؛ لم تتحسَّن بل زادت سوءًا؛ وهناك مسألة جوهرية؛ يغفل عنها الكثيرون؛ إن اكتساب القدرة؛ لا يعني أن يكون القادر قدوةً؛ فالقدرة في أي مجال؛ حتى المقدرة الفكرية، أو العلمية، أو العملية؛ قد تُمَكِّن من فعل الشر، كالتلبيس، والافتراء، والاحتيال، والخداع، والترصد، والختل، والإيذاء، والنشل، وإفساد ذات البين، والعدوان؛ إن المفترين، والكذابين، والمحتالين، والمغتابين، والنمامين، واللصوص، والنشَّالين، والمهربين؛ ليسوا أغبياء؛ وليسوا ضعيفي المهارة؛ فالمهارات، والقدرات؛ ليست بذاتها خيرًا. وإنما تكون خيرًا إذا استُعمِلَتْ في الخير؛ وهي تُكتسَب بالتعلم، وبالممارسة، وبالتفاعل مع الواقع؛ فلدى الإنسان دوافع تلقائية؛ لاكتساب الكفايات والقدرات؛ إن القدرات يكتسبها الأشرار، كما يكتسبها الأخيار؛ فالقدرة مثل الطاقة؛ وهي لا تدلُّ على الخيريَّة بشكل مطلق؛ فالقدرات تكون خيرًا بقدر استخدامها للخير، وتكون شرًّا إذا أسهمت في الشر؛ إن الشرير الشجاع، والشرير الذكي؛ يكون إفساده أعمق، وضرره أشد، وشره أوسع. أما القدوة فلابد أن يكون إنسانًا أخلاقيًّا؛ وكلما زادت قدراته؛ اتسعت خيراته. إن الفرد الأخلاقي يولد أخلاقيًّا؛ مثلما يولد آخر شاعرًا أو يولد بقدرات قيادية، أو بقدرات رياضية. لكن الأخلاق عمومًا؛ هي تَحَكُّمٌ بالنفس، وضبطٌ للنوازع؛ فتتطلب التعوُّد بإلحاحٍ، وعنايةٍ، ومتابعةٍ، وانضباط؛ حتى تتشبع بها الذات فتفيض تلقائيًّا؛ إن تكوينها يتطلب المجاهدة؛ لأنها مضادة للدوافع التلقائية.
وبالنسبة للتعلُّم؛ فإن الإنسان كائنٌ تلقائي، ولا يؤثر فيه إلا ما يستجيب له بشكل تلقائي؛ عن احتياجٍ عقلي، أو رغبةٍ ذاتية، أو شغفٍ متأجج؛ بينما أن التعليم الجمعي السائد هو تعليمٌ قسري؛ فلم يندفع إليه أغلب الدارسين عن شغف، ورغبة ذاتية؛ فهو مضادٌّ لطبيعة الإنسان؛ فقد جاء في كتاب (تَعَلَّم كيف تتعلَّم) تأليف جوزف نوفاك. وبوب جووين: ((إن التعليم يتضمن تَهَجُّمًا وانتقاصًا على ذوات الطلاب؛ لأن التدريس الاستظهاري، بلا فهمٍ، التعسفي، الحرفي السائد؛ لا يتضمن دوافع ذاتية)) ويضيف المؤلفان: ((الطلاب الذين يحاولون أن يجدوا معنى في هذا التدريس؛ يفشلون. إن المدرسة بالنسبة لهم على أحسن تقدير؛ محبطة ومُؤْسِية، وفي أسوأ تقدير؛ هي محنة وتعذيب؛ إن الآثار السيئة؛ واسعة ومدمرة؛ سواء بالنسبة للأفراد أو للمجتمع)) هذا الكلام يقوله أستاذان جامعيان أمريكيان والكتاب ترجَمَتْه جامعةُ الملك سعود، وهذا له مغزاه. إن كون النابهين تصاب نباهتهم بالضرر بسبب التعليم القسري الذي لا يقوم على الرغبة الذاتية؛ قد باتت من الحقائق التي تناولها العلماء بالدراسة والبحث ومنها كتاب (لماذا يحصل الأطفال النوابغ على درجات متدنية؟!) تأليف عالمة النفس الأمريكية سيلفيا ريم. كما أنجز مجموعةٌ من الأساتذة الجامعيين الأمريكيين كتابًا بعنوان (إعادة تشكيل الجامعة) وفيه يقول رونالد بارنيت: ((أما التشوُّه الجوهري؛ فهو ما أحدثته قاعدة السياسات التي وضعت التعليم العالي؛ في موقفٍ سُوقيٍّ؛ ففي هذا الوضع يكون التدريس والبحث كلاهما عرضةً للفساد؛ فالعلاقة التعليمية؛ ستؤول إلى مبدأ البضاعة؛ إذْ تتخذ سمةَ الصفقة التجارية)) إن الإنسان يبحث عن النفع، وحين تتعارض الحقيقة مع المصلحة؛ تتم التضحية بالحقيقة؛ وهذا مَلْحظٌ في كل جوانب السلوك البشري.
أما الخلل الأكبر؛ فهو استمرار هيمنة الجهل البنيوي؛ فالتعليم النظامي في كل العالم؛ لم يستطع أن يؤثِّر في الأنساق الثقافية المتوارثة؛ كما أنه لم يؤثر إيجابيا في الأفراد؛ فما يزال العقل البشري تتحكم به الثقافات التي تكوَّنت تلقائيًّا، قبل أزمان سحيقة؛ إن العلوم، والتعليم؛ والأفكار العظيمة التي أشرقت من عقول فردية استثنائية؛ لم تستطع التأثير فيما هو سابقٌ لها، ولا أن تُقَلِّل من فاعليتها، أو الحد من سطوتها؛ فطبيعة الإنسان تجعله يتطبَّع تلقائيًّا بما يتلقاه مباشرةً من الأسرة والبيئة؛ فالعقل يكَوِّنه ويحتله ويتحكم به الأسبق إليه. لذلك فإن قابلياته؛ لا تستجيب لتعليمٍ قسريٍّ؛ لم يندفع إليه بذاته ومثلما يقول البروفيسور هوارد غاردنر في كتابه (العقل غير المدرسي): ((ثمة معضلة؛ فالأطفال الذين يتقنون بسرعة نُظُمًا رمزية؛ مثل اللغة، ويطورون نظريات معقدة عن العالم والعقل؛ يعانون أكبر الصعوبات عندما يدخلون المدرسة؛ ويبدو أن التعلُّم الكلي الذي يجري في البيت، أو البيئة المباشرة؛ كأنه ينتمي إلى مستوى مختلف تمامًا عن التعلُّم المدرسي)) إن الإنسان كائنٌ تلقائي؛ فالتعليم القسري الجمعي يتعارض بشكل حاد مع طبيعة الإنسان التلقائية. لقد تناول البروفيسور في جامعة هارفاد غاردنر معضلات التعلُّم والتعليم في عدد من الكتب منها كتاب (خمسة عقول من أجل المستقبل) وكتاب (تغيير العقل: الفن والعلم في تغيير عقولنا) وكتاب (أُطُر العقل: نظرية الذكاءات المتعددة) وصدرت كتب كثيرة تتناول رُؤى غاردنر منها كتاب (التعلُّم والتعليم: بمقاربة الذكاءات المتعددة) للدكتور أحمد أوزي.
إن التعلُّم التلقائي هو الأصل؛ بل إن العقل ذاته قد تَكَوَّن تلقائيًّا، بتفاعل حواس الطفل ودماغه مع الواقع، ويستمر هذا التعلم التلقائي خلال العمر كله ومثلما يقول إيريك جينس في كتابه (التعلُّم المبني على العقل): ((إن المخ يتعرض لمئات المثيرات من كل الاتجاهات، ولا يمكن أن يكون الشخص على وعي بها كلها؛ ومع ذلك توجد لدى المخ الآليات التي تسمح بدخول المعلومات من دون وعيٍ منا؛ فنحن نتأثر بأشياء بغير إرادةٍ منا؛ لحظة بلحظة، ويومًا بعد يوم)) وإذا كان التعلُّم يحصل من دون قصد؛ فإن التعلُّم الإيجابي؛ يحصل تلقائيًّا لغير المتعلمين من المعايشة الحية، ومن التفاعل الجياش مع الواقع؛ ونحن نرى رجالَ أعمالٍ من دون تعليم؛ مثل سليمان الراجحي؛ قد حققوا نجاحات عظيمة؛ في مجال الأعمال، وفي المجالات التجارية، وفي المجالات المصرفية، وفي المجالات الزراعية؛ وقد نال حسن جامع درجة الدكتوراه في أطروحة عن (التعلُّم الذاتي) وفيها يقول: ((التعلُّم المستمر يتيح الفرص للأفراد لتعليم أنفسهم بأنفسهم واكتساب المعلومات والمهارات؛ لتحسين ظروف حياتهم)) إن الإنسان كائن تلقائي فهو يتشرب المعلومات، ويستجيب للمؤثرات تلقائيًّا، ولكنه يرفض القسر، وينفر من الالزام، ويصدُّ عما لا يحتاج إليه، ويعاف ما لا يهواه، ولا يستجيب إلا لما ينجذب إليه. ثم إن التعليم الجمعي يتعارض مع الاختلافات الحتمية بين الأفراد ومثلما يقول إريك جينسن: ((أثبت العلماء أن المخ البشري؛ يختلف من إنسانٍ لآخر؛ كبصمة اليد؛ وتنوُّع أمخاخ المتعلمين؛ يعكس العديد من العوامل التي تشمل التأثيرات الوراثية، والبيئية)) ويقول الدكتور حسن جامع في كتابه (التعليم الذاتي): ((من أهم ما يميز نظام الحقائب التعليمية؛ أن كل متعلم يستطيع؛ أن يوجه ذاته الوجهة التي يراها مناسبة لإمكاناته وقدراته من خلال اختياره للبدائل المختلفة التي تحقق أهدافه)) ويقول: ((لقد اعترف كنفوشيوس وأرسطو وسقراط بوجود اختلافات متباينة بين الأفراد تستدعي تنوع أساليب التدريس)) وفي كتاب (تغيير التعليم العالي) لفريق من الأساتذة الجامعيين، تحرير بول آشوين ومما جاء فيه: ((هناك جانب مظلم لمستقبل التعلُّم والتدريس في التعليم العالي؛ سيكون المستقبل المظلم للتعليم الجامعي قائمًا على العزلة والتفكك بحيث يشعر الطلاب بالاغتراب والانفصال عن معلميهم ومؤسساتهم والاختصاصات العلمية التي يحاولون دراستها)) إن نقد التعليم في كل العالم يمثل تراثًا ضخمًا؛ لكن التعليم بقي عاجزًا عن إصلاح ذاته.
إن ضآلة نتائج التعلُّم اضطرارًا قد دَفَعَتْ عظماءَ التربويين في كل العالم إلى نقده نقدًا شديدًا وتأكيد أن النتائج كانت بمثابة فضيحة. نجد ذلك في كتاب (التلميذ المهان) لمجموعة من التربويين تحرير بيير مارل. وكتاب (مجتمع بلا مدارس) تأليف إيفان إليش وكتاب (أزمة التعليم في العالم) تأليف فيليب كومز وكتاب (خرافات كبرى عن التعليم والتعلم) لجيفري دي. هولمز وكتاب (الصمود لدى الأطفال) لمجموعة من العلماء تحرير سام جولدشتين. وروبرت بروكس. وكتاب (مدارس بلا فشل) تأليف جلاسر، وكتاب (مكافحة الفشل المدرسي) لبيار فيانين. وعلى المستوى العربي تأتي تحذيرات الخبير التربوي الشهير الدكتور حامد عمَّار مجلجلة في عدد من الكتب؛ وهو ينتهي إلى أن التعليم النظامي الجماعي ما هو إلا تدجينٌ للناشئين، وإقفالٌ للعقول، وإماتةٌ للفضول الفطري؛ بل إنه يتخذ من مقولة المفكر البريطاني ألدوس هكسلي: ((من الأفضل أن نخطئ في الانفتاح، على أن نُصيب في التقييد)) عنوانًا لرؤيته التربوية؛ فهو يرى أن التعليم يقيِّد التفكير، ويَحصر مجال الرؤية، ويُعَوِّد على المسار الخطي المتعارض مع متطلبات الإبداع، ويوصد العقول، ويربي على الوثوق، ويوهم بالاكتفاء، وقد يدفع إلى كُرْه الكتب، والنفور من كل ما يرمز إلى القسر التعليمي. ونجد نفس الاتجاه في كتاب (التعليم وصناعة القهر) وهو أطروحة للدكتوراه قدمها طلعت عبدالحميد. وللدكتور محسن خضر كتاب بعنوان (تربية القهر) والعنوان يُفصِح عن المضمون.
كان من الواجب أن يُرَكِّز التعليم في كل العالم على استثمار القابليات المفتوحة التي يولد بها الناس؛ لإحداث تغيير جذري في الطبيعة البشرية؛ يؤدي إلى الضبط التلقائي للسلوك بالضمير المرهَف الجياش، وتكوين أخلاقٍ متينةٍ تلقائيةِ الفاعلية؛ تَضبِط الفعل، وتُسَدِّد السلوك، وتجعل الإنسان ألطف، وأكرم، وأنبل؛ فقابلية التبرمُج والتعود هي أعظم وأقوى القابليات الإنسانية، وأشدها قابلية للاستثمار؛ فلو تم استثمار التعليم بمراحله المتعددة ومدته الطويلة؛ لأمكن إصلاح هذا الخلل البشري الفظيع، وتحقيق التآخي الإنساني؛ لكن فاقد الشيء لا يعطيه؛ فالإنسان بطبعه؛ يحرص على تحصيل المنافع، واكتساب القدرات، والمهارات، والكفايات. لكنه يتجنب أسباب التقييد والضبط؛ فبقيتْ سوءاتُ ونقائصُ الطبيعة البشرية في أشد فاعلياتها؛ لأن التعليم في كل العالم؛ لم يحاول أن يغيِّر الوضع البشري المأساوي، بل إنه بالتعليم قد أسهمتْ كلُّ الأمم في تعميق، وتأكيد، وإشعال هذا الخلل؛ فالعداوات، والمنازعات، والحروب بين الأمم، والتحاسد، والمنافسات، والمشاجرات؛ بين الأفراد؛ تملأ الحياة بالشرور والإعاقات والمآسي والنكد.
هكذا أحسستُ مبكرًا بهذا الخلل الجذري في الحياة البشرية، حتى إنني في الطفولة كنت لا أكاد أُصَدِّق بأن الناس يتقاتلون وجهًا لوجه بهدف الازهاق؛ كما هو الحاصل في الحروب؛ فهذا الفعل كان في الحس الطفولي؛ منافٍ للعقل، وفظيعٌ إلى درجة أنه غير قابل للتصديق. ولكني بعد أن كبُرْتُ، وبعد البحث والاستقصاء في مختلف المعارف التي تتناول الطبيعة البشرية؛ تبين لي أن الطبيعة البشرية متخنة بالسوءات وبالنقائص التلقائية؛ فالنقائص هي الأصل إنها تلقائية؛ أما الإيجابيات فهي طارئة، ومكتسبة، ومصنوعة، وهشة، بل إنها مضادة للطبيعة البشرية؛ ليس هذا فقط بل إن المجتمعات تُكَرِّس النقائص وتُنمي الاختلافات، وتُشعِل العداوات بين الأمم، ثم جاء تعميم التعليم في كل العالم؛ فصار يركِّز على بناء وشحذ القدرات، ولم يحاول إصلاح الطبيعة البشرية، أو تخفيف سوءاتها، وترويض نقائصها؛ فجاءت نتائج التعليم بائسة؛ فالتعليم لم يحقق حتى هدف تكوين القدرات المعرفية والعملية؛ وهو هدفٌ بسيط؛ والأسوأ أنه قد أهمل الجانب الأهم؛ وهو ضبط القدرات بالضمير والأخلاق؛ لتحرير الإنسان من نقائصه الطبيعية؛ ليكون في المسار الصحيح؛ إن هذا الإصلاح والضبط الأخلاقي؛ يجب أن تتشربه النفوس، وتتطبَّع به القابليات مبكرًا؛ فالأخلاق هي العنصر الأهم؛ في الحياة البشرية؛ إن الإنسان بالدرجة الأولى؛ هو كائنٌ أخلاقي؛ إن حياته كلها قائمة على العلاقات، إنه مسؤول عن أفعاله؛ وهو بطبيعته يكون مندفعًا لمصالحه، حتى لو أجحف في حقوق الآخرين. إن بناء الأخلاق الفاضلة، وتشييد الضمير الحي؛ هو الأهم في حياة الأفراد والمجتمعات لكنه الهدف الأصعب، والأبعد عن التحقق؛ ومع ذلك فقد تم تجاهله؛ فبقي الإنسان محكومًا بالنوازع الطبيعية الأنانية الشريرة.
كما تبين لي أيضا أن المعرفة الموضوعية؛ طارئةٌ على العقل البشري؛ وأنها بقِيَتْ غريبة عليه؛ وبغياب الموضوعية؛ يغيب العدل، والتآخي، والرأفة، والصدق، والوضوح، والتحقق؛ ويسود الجهل البنيوي، والعدوان، والعنف، والأنانية الفظيعة، وكل ما يتبعها من تحيُّزات وترصُّد وافتراء وجور ونقائص؛ إن علينا أن ندرك أصالة، وتلقائية، وعمق، وأولوية، النقائص البشرية؛ وأنه لا علاج لهذه النقائص إلا بالتربية الأخلاقية الكثيفة والعميقة المبكرة التي تصاحب الناشئين منذ ولادتهم. إن البشر عمومًا ليسوا موضوعيين؛ فالأصل هو نُدرة التحقُّق؛ لقد جاءت المعرفةُ الموضوعيةُ بواسطة قلة من المكتشفين الأفراد الخارقين؛ فبقيتْ الموضوعيةُ غريبة على العقل الإنساني؛ فالجنس البشري عمومًا؛ كان ومازال تتحكم به الطبيعة البشرية، والأنساق الثقافية المتوارثة؛ وهي سابقة لكل العلوم الموضوعية، إن الإنسانية مدينةٌ بتقدمها الحضاري للأفراد الخارقين؛ وهم في مجموعهم خلال التاريخ البشري بأكمله؛ لا يتجاوزون عدَدَ ركَّاب طائرة، أو عدد ركاب قطار؛ إن حفظ أسمائهم جميعًا أسهل من حفظ جدول الضرب؛ إن الجنس البشري مدينٌ بتطوراته في كل المجالات للقلة المبدعة؛ ثم إن الإبداع في مختلف المجالات سابقٌ للعلوم، وهو لا يكون إلا فرديًّا؛ ثم يتعمَّم تلقائيًّا بواسطة التواصل والتفاعل الاجتماعي. لقد وُجِدَتْ كلُّ اللغات قبل وجود علوم اللغة، ووُجِد الشعرُ قبل ابتكار علم العروض، وقبل كل العلوم والدراسات المتعلقة بالشعر؛ إن قواميس اللغة تشتمل على عشرات الآلاف من الكلمات التي تكونت تلقائيا من التفاعل الاجتماعي؛ إنها تشبه قطرات المطر التي تتحول إلى نهر عظيم؛ ولا شك أن خلف هذا التكوُّن الفائق؛ أفرادٌ خارقون؛ فحصل التلاحم بين الإبداع الخارق، والتفاعل الاجتماعي المنتج؛ وبذلك تكوَّنت اللغات التي هي أعقد وأكبر وأعظم المنتجات التلقائية؛ فمع أن اللغات بكل ثرائها الهائل قد تكونت تلقائيًّا؛ فإن العلماء يواجهون صعوبة في إيجاد مصطلحات جديدة؛ وهذا يؤكد روعة المنجَز، وعَظَمَته، كما يؤكد أن السوابق عوائق ومثلما يقول الفيلسوف الفرنسي توكفيل: ((إنه لأيسر على العقل الإنساني؛ أن يخترع أشياء جديدة؛ من أن يخترع ألفاظًا جديدة؛ ومن ثم فنحن مضطرون أن نستخدم الكثير من التعبيرات القاصرة غير الصالحة)) وهذا نموذجٌ على عظمة التكامل بين إبداعات القلة، وإنجازات الكثرة بالتفاعل الاجتماعي التلقائي.
إن الحضارة بكل عظمتها، وإنجازاتها، وتنوُّع عناصرها؛ قد تكوَّنت بفعل الومضات الفردية الإبداعية الخارقة؛ أما تحويل الأفكار الإبداعية إلى واقع؛ فيتم بواسطة القادة السياسيين والكثرة المنتجة؛ وقد برهنتُ على ذلك في كتاب (الريادة والاستجابة)؛ فالإبداع لا يكون إلا فرديًّا؛ أما الإنتاج فيكون جماعيًّا؛ إن أقصى ما يُسفر عنه التعليم؛ هو تخريج أفرادٍ تطبيقيين، تنفيذيين، يُمْكِنهم استخدام ما تعلموه؛ كأساتذة جامعيين، ومحامين، ومحاسبين، وأطباء، ومهندسين، وضبَّاطًا، وقضاة، ومعلمين؛ ويكون نجاحهم في التطبيق؛ بمقدار إخلاصهم في اكتساب الخبرة. أما الإبداع فهو خارج مهام التعليم؛ يقول عالم الفيزياء بيير دوهام: ((اجمع في مؤتمرٍ كبيرٍ مَن شئتَ من المهندسين؛ فإنك لن تظفر منهم مجتمعين؛ بنظيرٍ لأرخميدس، أو لاجرانج؛ فالكَمُّ لا يمكن أن يتحول إلى كيف بأي حال من أحوال الجمع؛ إن للكيف شدَّةٌ لكنها ليست ناتجة عن جمع أو كثرة عدد)) ويقول الفيلسوف الأكبر كانط في كتابه (نقد العقل المحض): ((لم يكن من السهل على الرياضيات أن تعثر على الدرب؛ فقد ظلت مدة طويلة تخبط خبط عشواء؛ إن ذلك التحول قد أحدثته ثورة أنجزها رجلٌ واحدٌ خطرتْ على باله فكرةٌ موفَّقة)) ويقول كانط: ((وُجِّه علم الطبيعة نحو درب العلم؛ بعدما كان قد ظل عبر قرون طويلة؛ يخبط خبط عشواء؛ فرنسيس بيكون الألمعي أطلق هذا الاكتشاف الذي لا يمكن تفسيره إلا من خلال ثورة فجائية في طريقة التفكير)) ويقول عالم الرياضيات هنري بوانكاريه: ((التجارب يتراكم بعضها فوق بعض؛ من دون جدوى، وللمرء أن يُجري مائة تجربة، وله أن يجري ألف تجربة؛ فإن إنتاج عالمٍ واحدٍ ممتازٍ مثل باستير؛ يكفي ليُسدِل ستار النسيان على هذه التجارب)) ويقول الدكتور محمود قاسم في كتابه (المنطق الحديث): ((يجب أن يكون الملاحِظ أو المجرِّب فطِنًا حتى يقف على التفاصيل الهامة، أو على الظروف الأساسية التي تؤثر تأثيرًا فعالا في الظاهرة التي يلاحظها، أو يُجري التجارب عليها؛ غير أن هذه الفطنة ليست إلا نتيجةً لمجموعةٍ معقَّدة من الاستعدادات النفسية الوراثية؛ كدقة الخاطر، وحضور البديهة، وقوة الخيال، والقدرة على ربط الأشياء بنظائرها، وتمييزها عن أضدادها، والخيال من أهم العناصر التي تُكَوِّن شخصية الباحث الفطن)) أما المؤرخ الألماني ليوبولد فون رانكه فيقول: ((إن الرجال الذين بلغوا ذروة العظمة؛ لا يمكن بحال تعويضهم)) إن المعلمين والدارسين؛ يتلقون ما اكتشفه، وما أنجزه الأفرادُ المبدعون الخارقون؛ فالمعلم في كل مراحل التعليم؛ هو مجرد ناقلٍ لمعرفةٍ موضوعيةٍ جاهزة، والدارسون يتلقون ما ينقله لهم المعلمون مما هو جاهزٌ؛ مما اكتشفه أو أبدعه الأفراد الخارقون. إن هذه الحقائق عن أسبقية الإبداعات الفردية الخارقة؛ تستوجب عدم المغالاة في نتائج التعليم الجماعي. إن كل المجالات العلمية، ومجالات الفنون، وكل الابتكارات، وكل الاختراعات؛ قد تأسَّسَتْ وتطورت بواسطة أفراد مبدعين خارقين؛ إن المؤسسين للعلوم الطبيعية، أفرادٌ معدودون، ومثل ذلك يقال عن كل العلوم الموضوعية. إن هذه الحقيقة؛ تستوجب وضْع التعليم في مكانه الصحيح؛ واستبعاد الأوهام المضللة المتعلقة به.
إن العلم لا يَدخُل عقلاً لم يتلهَّف عليه، وهو لا يستقر في ذاكرةٍ لم تنفتح له، وتنجذب إليه؛ فالإنسان كائنٌ تلقائي، إنه يندفع تلقائيًّا لتلبية احتياجاته؛ الجسدية، والنفسية، والعقلية، وهو كائنٌ رغائبي؛ إنه محكومٌ بالرغبات، وبالحاجات، وبالأهواء، وبقانون اللَّذَّة والألم؛ إن التعلُّم كُرْهًا واضطرارًا مضادٌّ للطبيعة البشرية؛ لذلك فإن التعليم في كل العالم، بسنواته الطويلة، ومراحله المتعددة، وما يستنزفه من أموال، واهتمام، وانشغال، وطاقات؛ لم يُسْفِر عن نتائج تتلاءم مع تكاليفه؛ إنه إمكانٌ عظيمٌ هائل؛ جرى هدره، وتضييعه، وتفويته؛ بدلاً من أن يؤدي إلى ولادةِ إنسانيةٍ جديدةٍ مغايرةٍ كليًّا؛ فاستمرت الأمم؛ تعيد إنتاج ذاتها تلقائيًّا؛ بذات الانساق الثقافية المتوارثة، وبنفس الأنماط التي تكَوَّنَتْ في الازمان السحيقة؛ فكل إنسان؛ يولد بقابلياتٍ فارغة؛ فتتبرمج قابلياته؛ قبل انبثاق وعيه؛ بما تنقله حواسُّه من البيئة إلى دماغه؛ فالإنسان بما ينضاف إليه: ((فكل مولود يولد على الفطرة؛ فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه)) إن كل الناس يولدون بقابليات فارغة؛ قابلة لأي تشكيل؛ لذلك فإن قابليات الجنس البشري بأجمعه؛ تختطفها في الطفولة؛ الأنساقُ الثقافية المتوارَثة؛ وبذلك تَفوت وتَضيع إمكانات التحولات الجذرية للجنس البشري؛ فالقابليات المفتوحة لكل المواليد من مختلف الأمم؛ يتم اختطافها في الطفولة؛ لكن المرونة النسبية للدماغ البشري؛ تتيح إمكانية إعادة تكوين الإنسان على أي نحو يراد. غير أن هذا الإمكان العظيم؛ ظل بعيد المنال؛ حيث ظل التعليمُ في كل العالم؛ يتولى صياغة كل الأجيال صياغةً رديئة مشحونة بالتحيزات، والأوهام، والترهات؛ تستبقي كل الأمم؛ امتدادًا تلقائيًّا لماضيها؛ فاستمر الجهلُ البنيوي يتحكم بالعقل البشري، وبقي تأثير العلوم الموضوعية محصورًا بالمجالات العملية، وبناء قدرات التمكين، وتوفير الأدوات، وتنويع الوسائل، كما استمر التنافر بين الأمم، ودامت العداوات، والمنازعات؛ كما استمرت المنافسات والأحقاد والتدافع والتنافرات بين الأفراد؛ فاليهود على سبيل المثال يدَّعون بأن تاريخهم ونسقهم الثقافي؛ يمنحهم أرض فلسطين؛ فيقتلون الأطفال، ويبيدون النساء والرجال، ويحيلون المدن إلى ركام؛ كل هذه الفظائع تتم باسم الوعد التاريخي المزعوم، ولكل نسقٍ ثقافي موروث؛ نقائصه، وسوءاته، وأوهامه، وتخريفاته؛ وبسبب ذلك استمرت النقائص البشرية هي المهيمنة؛ لذلك فإن العقلانية السائدة في القرن الحادي والعشرين؛ حتى في أشد المجتمعات ازدهارًا هي عقلانية مؤسسات وقوانين ودساتير ونُظُم وليست عقلانية مجتمعات ولا عقلانية أفراد؛ فالعقل البشري ما يزال يتحكم به الجهل البنيوي. ومن هنا جاء عنوان مشروعي الفكري: (تأسيس علم الجهل لتحرير العقل)
إن مناهج وأساليب التعليم في كل العالم؛ قد أبقت الإنسانية متحاربة ومتصارعة، وأبقت الأفراد متعادين، ومتحاسدين ومتنافسين، ومتدافعين؛ ليس هذا فقط بل إن التعليم قد أبرز، وأكَّد، وأشعل؛ أسباب التنافر لقد ضاع الإمكان العظيم، وفاتت الفرصة الهائلة للتغيير الجذري؛ إن سنوات التعليم الطويلة؛ كافية لخلق إنسانٍ حيِّ الضمير؛ يتحرك تلقائيًّا؛ بحسٍّ أخلاقيٍّ عميقٍ، ويتعامل بمودةٍ وعدلٍ وإخلاص، ويتكلم بصدق، وموضوعية، ووضوح، ويعمل بتركيز ومهارة وإتقان، وتكون نواياه، وآراؤه، ومواقفه، واتجاهاته وعلاقاته؛ قائمة على الحس الأخلاقي، والمعرفة الموضوعية؛ وبذلك تَخرج الإنسانية من أوضاعها البشعة البائسة؛ فتكف عن الحروب، والصراعات، والمنازعات، ويكف الأفراد عن المنافسات والخصومات والأحقاد الماحقة. وبذلك ترتقي الإنسانية بأجمعها؛ علمًا وعملًا وتعامُلاً. إن بناء الانتماء للإنسانية أجمع، وخَلْق الضمير اليقِظ الحسَّاس، وتكوين الشعور العميق بالواجب، وبناء القدرات العملية، وتأكيد وتعميق المعرفة الموضوعية، وخلق الدافع القوي للتحقُّق؛ هو إمكانٌ عظيمٌ هائل للوثوب بالجنس البشري؛ خارج مساراته التاريخية المشحونة بالسوءات، لكن هذا الإمكان لم يتحقق في أي مجتمع؛ إن التعليم الجاري في كل العالم؛ يُشعِل في الأمم أسوأ عناصر إرثها التاريخي والثقافي. إن تعميم التعليم في كل العالم؛ قد جعل المتعلمين في كل مجتمع؛ يتشبعون بالتحيزات التاريخية؛ فتمتلئ نفوسهم بكل ما يتوهمون أنه يميزهم عن غيرهم، ويملأ ذواتهم بالانتفاش الفارغ؛ فالتعليم يُضَخِّم الاختلافات الثقافية، ويُشيع المزاعم القومية، ويُشعل المنافسات الفردية؛ وهي قابلة للتضخيم والإشعال بسهولة؛ وبذلك تضَخَّمت أسباب الاختلافات والمنازعات بين الأمم، كما بين الأفراد داخل المجتمع الواحد؛ إن التعليم بدلًا من أن يُبرز أسباب التقارب، ويقلل أسباب الاختلاف، وتكوين الضمير الحي، وخَلْق التفكير الموضوعي؛ قد كرَّس أسباب القطيعة، وضخَّم عوامل التنافر، وأبرز عوامل المنافسة؛ وصار ذلك عامًّا لكل الجنس البشري؛ فكل أمة تعمل على تكريس وتعميق وتضخيم أوهامها التاريخية، وإبراز وتأكيد ما تزعمه لنفسها من مزايا ومآثر.
ورغم أن الهدف من تعميم التعليم؛ هو تكوين أجيالٍ تنفيذيةٍ منتجةٍ قادرةٍ على العمل بمهارة وإخلاص وإتقان للإسهام في التنمية؛ فإنه في معظم المجتمعات؛ حتى هذا الهدف الأبسط لم يتحقق؛ فالدارسون لم يكتسبوا المهارات العملية، ولم يتعلموا الانضباط الأخلاقي، ولم يتربوا على التفكير الموضوعي، لقد تمت تنشئة أجيال كل مجتمع على التنافر والتمايُز عن المجتمعات الأخرى، وإشعال التنافس فيما بينهم؛ فتضخمت الأوهام، وتأكَّدت الاختلافات، وضاعت سنوات التعلم الطويلة من دون محصولٍ علمي، ولا كفايات، ومهارات عملية، ولا التزامٍ أخلاقي؛ لأنهم لم يلتحقوا بالتعليم رغبةً في العلم ذاته وإنما اضطروا إليه اضطرارًا من أجل الوظيفة، والشهادة، والوجاهة؛ فهذا الاجماع العالمي؛ على التعلُّم لم يكن انجذابًا طبيعيًّا؛ بل كان بالنسبة لأكثر الدارسين؛ كُرْهًا واضطرارًا؛ فقبل تعميم التعليم؛ لم يكن يندفع ذاتيًّا، وتلقائيًّا؛ إلى التعلُّم احتياجًا، وشغفًا، والتذاذًا، وتَوَفُّرًا؛ سوى قِلَّةٍ من الأفراد؛ أما بعد أن صارت الشهادات التعليمية؛ شرطًا للوظائف والعمل؛ فقد اضطر الجميع إلى تَجَرُّع التعلُّم كُرْهًا؛ وبسبب التعلُّم من دون رغبةٍ ولا شغف، ولكون التعليم؛ صار يعتمد على اللغة بعيدًا عن الواقع، ولغياب الشغف، وعدم الالتحام أثناء التعليم بالواقع العملي؛ فقد جاءت النتائج ضحلة وبائسة.
إن إحساسي بعُقْم التعليم الجماعي النظامي؛ كان إحساسًا عميقًا؛ فبقيتُ أنظر إلى إخفاق التعليم بوصفه المشروع العالمي؛ الأوسع امتدادًا، والأشد فشلاً، والأكثر إخفاقًا، والأرفع تكلفةً؛ وظل هذا الإحساس العميق؛ أحد الاهتمامات الرئيسية التي لازمتني خلال سنوات عمري؛ لقد أدركتُ مبكرًا ضآلة، وضحالة؛ نتائج التعليم اللفظي الوصفي الجماعي، الذي يتم من دون رغبة ذاتية عميقة، وأن التعلُّم الناجع؛ لا يتحقق إلا بتوفر الحافز الداخلي المتأجج، وكدليل على أهمية الحافز الذاتي؛ البزوغ الاستثنائي للأفراد الخارقين؛ فهم مندفعون تلقائيًّا للتعلم والعمل والإبداع، أما الدليل الآخر فهو نجاحُ التعليم في ألمانيا وفي اليابان؛ فقد أسفر عن أجيال من المندفعين تلقائيًّا للتعلُّم وللعمل لأن التربية في ألمانيا وفي اليابان تركز على خلق الحماس، وتشرُّب الإخلاص، وغرس الانضباط؛ فيكون الدارس شديد الحماس للتعلم، ومندفعًا للعمل بكثافة، ودقة، وإتقان؛ إنه يملك الحافز الذاتي التلقائي القوي؛ فالدافع يحركه من داخله؛ فلا يفتر، ولا يتراخى، ولا يتهاون؛ وإنما هو في حالة استنفار ذاتي تلقائي.
ولا يكفي الحافز الذاتي التلقائي بل إن التعلُّم لابد أن يرتكز أيضا على الالتحام الشديد بالواقع؛ فلا يمكن معرفة الشيء إلا بعد تقليبه باهتمام، وتمييزه بوضوح، وفحصه بعناية، والتركيز عليه بتحديد، والتفاعل معه بيقظة؛ لذلك نبَّه أرسطو إلى أن المعرفة مشروطةٌ بمرافقة الشكل فهو يقول: ((إن التفكير مستحيلٌ من دون صُوَرٍ)) وكما يؤكد العبقري الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء؛ وليم شوكلي: ((إنك لا تستطيع؛ أن تَفهم شيئًا؛ إلا إذا رأيته بأشكال متباينة عديدة)) ويؤكد الفيلسوف الفرنسي مونتاني على أن مَن ملأ ذاكرته بالمعلومات؛ يصاب بالعجز حين يصير في ميدان العمل فيقول: ((اقذف به في المشهد الحقيقي؛ فسوف تجده؛ لا يعرف من أين يبدأ)) فالتعلم يبدأ بالعمل ومثلما قال جوته: ((في البدء كان العمل)) ويقول العالم الفرنسي الشهير كلود برنار في كتاب (الطب التجريبي): ((ليس بالإمكان التوصل إلى معرفة القوانين، وخواص المادة الحية؛ إلا بتفكيك الأجسام الحية؛ للدخول إلى وسطها الداخلي؛ لكشف ورؤية عمل الأجزاء الداخلية في الجسم)) لذلك فإن القائد الألماني الشهير كلاوزيفيتز؛ ينبه في كتابه (فن الحرب) إلى أن المعرفة ليست حفظًا لمعلومات؛ وإنما هي تَوَجُّهٌ، وملاحظةٌ، وتجربةٌ، وبحثٌ، وتأمُّل؛ ينتهي كل ذلك بتكوين رؤيةٍ فاحصة، وإدراكٍ واضح، وعميق، لكيفية تطبيق المعارف النظرية؛ على الفنون العملية، كما أنها تعني التعمق بروح البحث، وتعلُّم كيفية تكوين الأفكار، وبناء التصورات حول المجال. إن حفظ المعلومات ليس سوى المادة الأولية أو المكوِّن الأوَّلي لبناء المعرفة.
وقد كان لعلم اللسانيات الحديثة، وعلم الدماغ، وعلم النفس؛ إسهامٌ كبيرٌ في معرفة طبيعة العقل البشري، وتأكيد اعتماده على المعاينة، والتجسيد، وتركيز القصدية؛ من أجل التعبير، ومن أجل الفهم، ومن أجل الإفهام؛ ففي السابق كانت الاستعارة في اللغة؛ تُدْرَس ضمن علم البلاغة؛ ثم تبين أن مفهوم الاستعارة؛ ليس أسلوبًا بلاغيًّا فقط بل إنه أساس التفكير نفسه؛ إن الاستخدام الاستعاري؛ يعني أننا نفهم شيئًا بواسطةِ شيءٍ آخر؛ أي أننا نستعمل خبرةً حسية، أو عملية ملموسة؛ لفهم فكرةٍ مجردة؛ فالاستعارة ليست طريقة في الكلام، بل طريقة في التفكير؛ إن الإنسان لا يستطيع إدراك المعاني المجردة إلا بواسطة الاستعارات؛ فالاستعارة تعني استخدام مجالٍ محسوسٍ معروفٍ؛ لفهم مجالٍ مجرد؛ وهذا يعني أن الفهم يتطلب الرؤية والمعاينة واللمس والجس وإمعان النظر في الشيء. إن العقل البشري؛ لا يفهم المعاني مباشرةً، بل يترجمها من خلال خبرات جسدية وحسية؛ وهذا يؤكد أن التعليم عن طريق اللغة وحدها؛ ليس تعليمًا مجديًا؛ ففي كتاب (الاستعارات التي نحياها) يقول المؤلفان جورج لايكوف ومارك جونسن: ((يعتقد الناس أن الاستعارة خاصية لغوية؛ تنصَبُّ على الألفاظ، وليس على التفكير أو الأنشطة؛ وعلى العكس من ذلك؛ فقد انتبهنا إلى أن الاستعارة حاضرةٌ في كل مجالات حياتنا اليومية؛ إنها توجد في تفكيرنا، وفي الأعمال التي نقوم بها؛ إن النسق التصوري العادي الذي يُسَيِّر تفكيرنا وسلوكنا؛ له طبيعة استعارية بالأساس؛ إن كيفية تفكيرنا، وتعاملنا، وسلوكياتنا، في كل يوم؛ ترتبط بشكل وثيق بالاستعارة)) وبهذا نرى أن الأصل في العقل البشري؛ أنه مكَوَّنٌ للتعامل مع الأشياء المجسَّدة، وحتى حين سَمَّى الأشياء، وصار يتفاهم بواسطة اللغة؛ فإن الفهم بقي مرتبطًا بالتجسيد؛ لذلك جاءت اللغات البشرية؛ ذات طبيعة استعارية. لذلك جاء في كتاب (الأسس النفسية للسانيات) تأليف إيفا فيرنانديز وهيلين سميث كيرنز: ((لابد أن تحتوي الإشارة الكلامية على ما يكفي السامع من معلومات لكي يقوم بإعادة بناء الأبنية المجردة؛ التي تقوم في النهاية بنقل الأفكار المجردة)) لقد ظل العالم جورج لايكوف مدة خمسين عامًا؛ يدرس العقل البشري، ويدرس اللغة، ويدرس وسائل الفهم، والادراك، وطرائق التعلُّم والتعليم. ثم انضم إليه مارك جونسن. وأصدر الاثنان عددًا من الدراسات العلمية التي أكدا فيها ارتباط الفهم بالتجسُّد ثم قدَّما دراستهما المشتركة الكبرى في كتاب (الفلسفة في الجسد: الذهن المتجسِّد) إنه كتاب ضخم يقع في (798) صفحة وليست القيمة في الضخامة بل في المحتوى الذي دشَّن مرحلةً جديدة في رؤيتنا لطبيعة العقل البشري، وكيفية التعلُّم.
ولأنه يهمني إبراز ضآلة نتائج التعليم القائم على اللغة الوصفية؛ بانفصالٍ عن المجالات العملية المستهدَفَة؛ خصوصًا إذا كان التعلم من دون رغبة ذاتية، ولا شغف تلقائي؛ لذلك يهمني أن تتضح الرؤية حول ذلك؛ ففي كتاب (عبقرية الإخراج المسرحي) يقول أحمد زكي: ((نظرية الآليات الحية لماير هولد؛ مفادها أن حقيقة العلاقات الإنسانية، والسلوك الإنساني، وكذا جوهر الإنسان؛ لا يجب التعبير عنه بالكلمات، ولكن بالحركة، والإشارة، والإيماءة، والخطوة، والموقف)) وهكذا تتضافر التأكيدات على أن التعلُّم مرتبطٌ بالتجسُّد، وبالرؤية الفاحصة، وبتأمل الشكل، وتمييز الحجم، واللون، وبالتفاعل المباشر.
ومع ضرورة التفاعل المباشر مع المجال؛ من أجل الفهم، ومن أجل الإدراك، ومن أجل التعلُّم؛ فإن ذلك لا يكفي؛ فلا تعلُّم، ولا إنجاز، ولا إتقان؛ إلا بدافعٍ داخليٍّ متأجج ذاتيًّا؛ يستمر في التوقد، والاندفاع؛ فخَلْق الحافز الذاتي التلقائي؛ للتعلم، والعمل، والإنجاز بإتقان؛ يجب أن يكون هو الهدف الأول والأقصى؛ لقد تميز التعليم في اليابان، وفي ألمانيا؛ ليس بكثافة المواد التعليمية؛ وإنما في إشعال الحماس، وخلق الولاء الذاتي التلقائي، فالفرد الياباني والألماني؛ يتشرب الحماس وحب العلم، والدقة في العمل، والولاء للوطن، ويمتلئ بالحماس المتقد؛ لمواصلة تكوين ذاته في العلم والعمل؛ دقةً وكثافةً. يقول الدكتور مصطفى الكاظمي: ((التجربة اليابانية تستحق الوقوف والتأمل؛ فحكاية النهوض الكبرى؛ لا تبدأ من وفرة المال، ولا من زخارف الخطاب، إنما تنطلق من لحظة صدقٍ قاسية مع الذات؛ لحظة يقرر فيها المجتمع؛ نُخَبًا ومؤسسات وأفرادًا؛ أن ينهضوا وأن يُشَكِّلوا دولةً حقيقية؛ لا مجرد تجمعات متناثرة؛ تبحث عن الغنيمة في ثقوب القانون؛ فتلك اللحظة لا تُفرَض من الخارج ولا تُستَورد جاهزةً؛ بل تُصنع داخليًّا؛ فحين نتأمل التجربة اليابانية؛ نجد أن جوهر التحول؛ إنما هو إرادةٌ سياسية واجتماعية واعية؛ قرَّرَتْ مواجهة البنى العميقة التي كبلت المجتمع طويلا وفي مقدمتها البنية العشائرية؛ التي كانت ساحة صراع بين ولاءات متنافسة؛ شَكَّل قانون ميجي نقطةَ الانعطاف في مسار بناء الدولة اليابانية الحديثة؛ حيث كان إعلانًا واضحًا عن ولادة مفهومٍ جديدٍ للدولة، ساعد اليابان؛ بكسر السطوة التشتُّتية، وتفكيك منظومة الولاءات الضيقة؛ اتخذت الدولة قرارًا شجاعًا بتحويل الولاء من العشيرة والقبيلة إلى الدولة المركزية؛ فقبل ذلك كانت المسؤولية تضيع في تعدد الولاءات؛ إن المشروع النهضوي لابد أن يبدأ بحسم مسألة المرجعية السياسية والقانونية)) هكذا كانت فلسفة النهضة في اليابان. وبالمقارنة مع حالة المملكة نجد أن الملك عبدالعزيز قد وحَّد شتات القبائل، والعشائر، والتجمُّعات، وكرَّس الولاء للوطن، وأقام كيانًا قويًا صلبًا متماسكًا؛ ثم جاء الملك سلمان ومحمد بن سلمان؛ فاشتد التماسك، وترسَّخ الكيان، واتضحت الرؤية، وتكاثف العمل، وتسارع الإنجاز، وتنوعت مجالات التنمية، وامتد الانفتاح إلى كل الآفاق.
ولأن الحديث عن تعميم التعليم في العالم، وفوات الفرصة في استثماره؛ على النحو الناجع؛ فلابد أن ننتبه إلى أنه يوجد التباسٌ شديدٌ، وخلطٌ حول أهداف ونتائج تعميم التعليم في العالم؛ فلابد أن نحرر عقولنا من هذا الخلط والالتباس، وأن نتخلص من هالاته الفارغة، وأن ندرك أسباب نتائجه البائسة؛ فالتعليم مشروطٌ بأن يتوافق مع الطبيعة البشرية؛ وأن يرتكز على معرفة الحوافز والمثبطات؛ إنه لا يعمل منفصلًا عن الأنساق الثقافية السابقة له، ولا عن الأوضاع المحيطة به؛ فقد جرى تعميم التعليم في كل العالم، وامتلأت المجتمعات بحاملي أرفع الشهادات؛ لكن ذلك لم يغير من أوضاعها البائسة؛ فالتعليم يجب أن يكون هدفه الأساسي غرس، وتعميق، وإشعال؛ الشغف بالمعرفة الموضوعية، وتأكيد الولاء المتقد للمصلحة العامة، وتكوين الرغبة القوية المتجددة في العمل؛ بإخلاصٍ وكثافةٍ وإتقان. وإدراك أن حفظ المعلومات في أي مجال؛ يؤدي إلى النجاح؛ لكنه لا يدل على الفهم؛ ولا عمق الإدراك، ولا وضوح الرؤية؛ وإنما هي معلومات اضطر لحفظها؛ تلفظها الذاكرة بعد مدة قصيرة من نهاية الامتحانات؛ على النحو الذي يؤكده الخبير التربوي العالمي جيروم برونر في كتابه (ثقافة التربية وعلم النفس الثقافي) ومثلما يقول عالم الرياضيات المبدع شاركوفسكي: ((الحقيقة يجب أن تكون معاشة؛ لا أن تُعَلَّم)) ويقول عالم النفس مارتن سليجمان: ((الخلايا العصبية؛ مبرمَجة لتستجيب للأحداث)) وليس للكلمات. ويقول الطبيب المبدع سومرست موم: ((المعرفة قد تطوَّرت لأسبابٍ عملية؛ في معمعة الكفاح من اجل البقاء)) ومن هنا جاءت الفلسفة الظواهرية لإدموند هوسرل وغيره من الظواهريين؛ للتأكيد على حتمية التوجُّه القصدي المباشر والمركَّز نحو الأشياء، والتفاعل مع الواقع؛ وكما قال الفيلسوف الألماني هانز جورج غادامير: ((الشعار الظاهراتي المتصل؛ هو الاتجاه إلى الأشياء ذاتها)) فكل وعيٍ هو وعيٌ بشيء؛ فالوعي يجب لكي يعرف الشيء أن لا يكتفي بما يقال عن الشيء؛ وإنما يتجه إليه بكل كيانه، وبجميع أحاسيسه، وبكافة أدواته المعرفية وبكل طاقاته؛ من أجل تأمُّله، وفحصه، وتمييزه، والتحقق منه، والتعرُّف عليه. لذلك كان من أهداف الفلسفة التحليلية؛ أن تُعيد الاعتبار للإدراك الفطري؛ فهذا الإدراك المصحوب بالاهتمام؛ هو المصدر الأول الأساسي للمعرفة.
وقبل الفلسفة الظاهرية، وقبل الفلسفة التحليلية؛ كان الفيلسوف الإيطالي فيكو؛ يؤكد أن الإنسان لا يعرف شيئًا حتى يقوم بتقليبه والتفاعل معه. ليس هذا فقط بل إن عالم الإدارة البريطاني جوردون ريدينغ؛ يؤكد في دراساته عن الأعمال والشركات في العالم؛ بأن الكفايات العملية لا تُكتسَب بالمعرفة النظرية، حتى مع الممارسة؛ وإنما الكفايات الحقيقية؛ لا تُكتسب إلا بالمواجهات الساخنة مع مشكلات العمل؛ فيقول: ((بصرف النظر عن عدد الكتب التي يمكن؛ أن يكون المرء قد قرأها، أو عن إحكام خطة العمل التي وضَعها؛ فلن يجديه هذا نفعًا؛ إن لم يكن قد اقترف بالفعل أخطاء، وتعلَّم كيفية إعادة ضبط مساره؛ حتى يتجنب الوقوع في الأخطاء مستقبلاً)) لذلك يؤكد يوهانيس باولمان في كتابه (الهيمنة العالمية) بأن التعليم في العالم قد أنتج: ((معرفةً ميتة)) أما نتشه فإنه في كتابه (محاسن التاريخ ومساوئه) يقول: ((تعليمنا الحديث لم يحقق شيئًا؛ إنه بلا حياة؛ إنه ليس تعليمًا على الإطلاق)) أما عالم الفيزياء الشهير إيرفين شرودنجر الحائز على جائزة نوبل؛ فهو يرى أن التعليم النظامي؛ يُبرمِج الدارسين على مسارٍ خَطِّي؛ فيبقون مشدودين لهذا المسار الخطي المضاد للإبداع، وبذلك يصيرون غير قادرين على التفكير التباعدي المستقل، ولآينشتاين كلامٌ مماثل عن التعليم وعن المسار الخطي، ونفس الرؤية؛ نجدها عند المبدع العالمي؛ تولستوي؛ وبهذا نرى أن قمم العلم، والفكر، والإبداع؛ قد تضافرت تأكيداتهم على عُقم التعلم كرهًا، ويشتد الخلل باعتماد التعليم على الوصف اللغوي؛ بانفصالٍ تامٍّ عن التفاعل مع الواقع.
يتوهَّم الكثيرون بأن تعميم التعليم في العالم؛ قد جعل المتعلمين؛ يفكرون تفكيرًا علميًّا موضوعيًّا؛ أما الحقيقة فهي أنهم يكتسبون وظيفة، ومصدر رزق؛ أما التفكير العلمي الموضوعي؛ فما يزال غريبًا حتى في أشد المجتمعات ازدهارًا. إن البشر مهما تعلموا يبقون مشدودين للبداهات غير العلمية. لذلك يؤلف العالم لويس وولبرت كتابًا بعنوان (طبيعة العلم غير طبيعية) ليؤكد: ((إن أفكار العلم غريبة عن فكر أغلب الناس، إن الناس المتعلمين؛ يَقْبَلون أفكار العلم؛ لأنها قُدِّمَتْ لهم، وليس لأنهم يفهمونها؛ إن طبيعة العلم غير واضحة)) ويُنبِّه العالم إيزاك أسيموف: ((إن الناس لا يفهمون كيف يعمل العلم؛ فمن السهل التغرير بهم باسم العلم)) إن تعميم التعليم في كل العالم لم يجعل المتعلمين يفكرون تفكيرًا علميًّا موضوعيًّا. إن مئات الملايين من المتعلمين؛ لا يدركون روعة العلم، ولا يستمتعون بجمال الأفكار العلمية؛ وإنما يحفظون فينجحون من دون اكتساب الرؤية الموضوعية. وينبه الدكتور فريد الزاهي إلى أنه في الثقافة العربية: ((يهيمن اللغوي على البصري)) فيبقى الدارسون يعيشون مع اللغة الوصفية من دون أن يلتحموا بالواقع. يقول الدكتور شاكر عبدالحميد في كتابه (عصر الصورة): ((التفكير البصري كما يُعَرِّفه أرنهايم: بأنه محاولةٌ لفهم العالم من خلال لغة الشكل والصورة. والتفكير بالصورة يرتبط بالخيال، والخيال يرتبط بالإبداع، والإبداع يرتبط بالمستقبل، والمستقبل ضروري لنمو الأمم، والجماعات، والأفراد، ضروري لخروجهم من أسر الواقع الإدراكي الضيق المحدود؛ لكنه المهم إلى آفاق المستقبل الرحبة الأكثر حريةً وإنسانية))
يشتد عُقْمُ التعلُّم اضطرارًا؛ حين يكون تعليمًا وصفيًّا؛ منفصلًا عن المجالات العملية؛ ومن أقرب الشواهد على الفرق النوعي بين المعرفة النظرية، والأداء العملي؛ ما يواجهه من صعوبات وتعثُّر من يحاولون تعلُّم لغةٍ أجنبية عن طريق حفظ الكلمات، مقابل تلقائية وسهولة التعلم عن طريق المخالطة، والمعايشة المباشرة للمتكلمين بنفس اللغة؛ لذلك فإن الأطفال من كل الأمم؛ يتشرَّبون اللغات بلهجاتها المميزة تلقائيًّا من دون أي تعليم؛ فالتعلُّم في كل المجالات مشروطٌ بالتفاعل الحي مع المجال؛ ومن هنا جاء عقم تعلُّم اللغة بواسطة الكتب وحدها؛ فالدارسون العرب يتلقون دروسًا ممتدة لسنوات؛ لتعلم اللغة الإنجليزية خلال كل سنوات التعليم؛ لكنهم ينتهون بمعرفةٍ ضحلةٍ متكسرةٍ ركيكةٍ؛ بينما أن عُمَّال أرامكو جاءوا من البادية أميين؛ ولكنهم عن طريق المخالطة؛ تعلموا اللغة الأجنبية بطلاقة، بل تعلموا عن طريق التقليد والممارسة أن يكونوا ميكانيكيين ماهرين كما اكتسبوا عددًا من المهارات في أعمال معقدة. إن التعلُّم يكون بالاهتمام التلقائي، وبالممارسة الحية، وبالاحتكاك الجياش بالوقع؛ إن التعلُّم من التفاعل المباشر مع الواقع؛ هو الأصل منذ وُجِد الإنسان؛ أما التعلُم الوصفي اللفظي؛ فإنه غير طبيعي بل إنه مضادٌّ للطبيعة البشرية التلقائية؛ لذلك فإنه يكون تعليمًا عقيمًا، ويشتد العُقْمُ إذا كان تعليمًا لفظيًّا، ومن دون رغبة ذاتية عميقة، ولا شغف ذاتي متأجج، ومن غير التحامٍ حميمٍ مباشرٍ مع الواقع؛ إنه في هذه الحالة؛ لا ينجلي إلا عن الخواء؛ إن التعليم النظامي الجماعي في أحسن حالاته؛ يقدِّم معلومات؛ بينما أن المعرفة لا تتشكَّل من المعلومات وحدها؛ وإنما المعلومات هي مواد لبناء المعرفة؛ فالتعليم الوصفي يعطي المواد؛ وعلى الدارس أن يجتهد لتحويل المعلومات إلى معرفة متبلورة ناضجة؛ وفي الغالب لا يتحقق البناء المعرفي إلا بالالتحام بالواقع؛ يقول البروفيسور جاك أومون في كتابه (الصورة): ((اللغة تعجز عن نقل مظاهر أساسية من التجربة المعيشة)) ويقول: ((تُزوِّدُنا الصورةُ بالمعلومات، وهي تؤدي هذه المهمة بقوة إقناع؛ لأنها تُظهِر الغرض الذي تفيدنا بمعلومات حوله، كما أنها تُظهِره بطريقة قريبة من الواقع)) لذلك يقال: ((الصورة عن ألف كلمة)) فليس من رأى كمن سمع؛ وليس الخَبَر كالمعاينة؛ ليس هذا فقط بل إن الدارس في التعليم المنفصل عن الواقع؛ ينشغل بالكلمات، ويستغرق بها؛ أكثر مما ينشغل بفهم الشيء الذي تتحدث عنه الكلمات؛ بعكس التفاعل المباشر مع الأشياء وكما يقول غي غوتيني في كتابه (الصورة: المكونات والتأويل): ((الصورة نافذة مفتوحة على العالم) ويقول المفكر الفرنسي ريجيس دوبري في كتابه (حياة الصورة): ((الصورة تُمارس الفعل، وتًحُث على رد الفعل؛ ففي البدء كانت الصورة، إن الصورة خاصية الإنسان، وأُولى أفعاله)) وإذا كان هذا للصورة فقط؛ فإن التأثير يتضاعف أضعافًا؛ إذا حصل الالتحام مع الواقع: ملاحظةً، وتمييزًا، وإمعانًا، وفحصًا، وتأمُّلاً، وتقليبًا، وتصنيعًا؛ حيث تشترك وتتضافر كل القدرات، وأهمها؛ اليد، والبصر، والدماغ؛ ومن هنا جاء التأثير القوي المباشر؛ لفنون الأداء كالمسرح، والسينما، والأفلام؛ لأنها تعتمد على الحركة، والتجسيد الحي.
إن تأثير الأفكار المجسَّدة ليس فقط قويا وإنما يستمر حاضرًا في الذاكرة؛ فالصورة التي ترافق الخبر تُبقي المشهد حيًّا في الذاكرة؛ بعكس الخبر اللفظي المجرد. ومن هنا فإنه حين ظهر التلفزيون؛ همَّش الإذاعة والراديو. لأن التلفزيون مرئيٌّ، بينما الإذاعة مسموعة فقط. وحين ظهر النت يكاد يهمش التلفزيون؛ لأنه أشد حضورًا، ولنفس السبب كانت قوة تأثير الكاريكاتير. ومثلما يقول الدكتور سعيد بنكران: ((إن البُعْد البصري في الإنسان؛ أقوى من كل الحواس؛ فالعين خزانٌ كبير لصور ممكنة)) لا يستطيع الوصف اللفظي المجرد؛ أن يقدم الحقيقة كما هي؛ لذلك لا تكتفي الأمم بالكتابة عن عظمائها؛ وإنما يقيمون لها التماثل التي تُبقي وجودهم مرئيًّا وحيًّا ومجسَّدًا؛ إن لوحة (مونيليزا) لدافنشي أكثر شهرةً وخلودًا من أي وصف لفظي مجرد. لذلك انتشر في أوروبا قبل اختراع التصوير (فن البورتريه) يقول جيزيل فروند في كتابه (التصوير الفوتوغرافي والمجتمع): ((بدأت موضة البورتريه في الانتشار في الأوساط البورجوازية قبل الثورة الفرنسية، مع تأكُّد احتياج الشخصية البورجوازية للظهور، وتقديم الذات؛ وقد أوجدتْ هذه الظاهرةُ؛ أشكالا وتقنيات جديدة تستجيب لهذا الاحتياج كما أن الفوتوغرافيا التي ظهرت في الأوساط العامة في فرنسا عام 1839 تدين في تطورها التقني وتوسعها لهذا الاحتياج)) وهكذا يرتبط الإنسان بالواقع، وتُشعِل الحاجة مواهبه، إنه لا يتعلم إلا بالتفاعل الحي.
إن حقائق كثيرة متضافرة تؤكد ضآلة نتائج التعليم الوصفي اللفظي المجرد؛ فهذه الحقيقة قد باتت من حقائق العلم؛ وعلى سبيل المثال فإننا نجد هذا التأكيد بوضوحٍ شديد؛ في كتابٍ ضخمٍ يقع في نحو ألف صفحة بعنوان (الفن والإدراك الحسي) حيث يُبيِّن أستاذُ علم النفس بجامعة هارفارد رودلف أرنهايم؛ وجود خلل جذري في العملية التعليمية؛ لأن التعليم يتم بواسطة اللغة، بانفصال تام عن الواقع العملي ويقول: ((نؤمل في استعادةٍ عميقةٍ لما فقدناه؛ عندما قمنا عمدًا بتضييق آفاقنا)) ويقول: ((إننا نرث حالةً ثقافية لا تتناسب مع الإبداع، وتُشَجِّع على نوعٍ غير صائب من التفكير، وتميل أفكارنا، وتجاربنا؛ إلى العمومية؛ في غير عُمْقٍ. لقد أهملنا موهبة إدراك الأشياء، وفَهْمِها عن طريق حواسنا؛ فالمفاهيم قد انفصلتْ عن المدرك الحسي؛ فالفكر يتحرك وسط عالَمٍ من الألفاظ والمجردات؛ فنحن نعاني من نقص الأفكار، ولدينا عجزٌ في قدرتنا على اكتشاف المعنى وراء ما نراه؛ ومن الطبيعي أن نشعر بالضياع في مواجهة الأشياء؛ فهي لا تعطي المعنى؛ إلا للرؤية المكثّفة؛ فنحن نلجأ إلى وسيطٍ هو أكثرُ ألفةٍ لنا وهو الكلمات)) إن الدارسين يعيشون مع الكلمات بانفصالٍ تامٍّ عن المجال، وعن الواقع، إن الدارسين يضطرون إلى حفظ النصوص من غير أن يفهموها؛ فيتحقق لهم النجاح من غير أن يتحقق لهم التعلُّم. ولو أننا راجعنا الإبداعات؛ في الأفكار، وفي الفنون، وفي الاختراعات، وفي الأعمال، ولو تأملنا الاكتشافات الكبرى في العلوم؛ لوجدان أنها نتاج الاهتمام التلقائي القوي المستغرق؛ فالتعليم النظامي بكل مراحله وبمختلف تخصصاته لا يُنتِج مبدعين. تَخَيَّل لو أن الخريجين قد فوجئوا بعد سنوات من تخرجهم؛ بأن بقاءهم في وظائفهم مشروطٌ بأن يتم اختبارهم فيما درسوه؛ من المؤكد أن أغلبهم لن يجتازوا الامتحان بنجاح؛ فهم في الغالب لا يحتفظون بأذهانهم إلا بأشباح مما تعلموه وهذا يؤكد بأنه يجب أن يكون هدف التعليم بناء الشغف، وخلق الاهتمام التلقائي بالمعرفة، والتأكيد على مهارات وكفايات الأداء؛ فمهمة التعليم هي خلق القدرات وليس إعطاء المعلومات.
ينبه أستاذ علم النفس رودلف أرنهايم؛ إلى أن الغالبية من المتعلمين يبقون منفصلين عن الفهم حتى لو أظهروا اهتمامًا تلقائيًّا وعلى سبيل المثال فإن الناس غالبًا لا يدركون دلالات ومعنى الأعمال الإبداعية في الفن التشكيلي، لأن المتعلمين؛ نتاجُ تعليمٍ وصفيٍّ لغويٍّ؛ بعيدٍ عن التفاعل مع الواقع فيقول: ((هناك أعدادٌ هائلةٌ ممن يزورون المتاحف ويقتنون الكتب المصوَّرة من دون اكتساب أي معرفة بالفن ذاته؛ إن قدراتنا الفطرية على الفهم من خلال العيون قد خَلَدَتْ إلى النوم ولابد من إيقاظها مرةً أخرى؛ إلا أن العادات السيئة، والمفاهيم الخاطئة؛ ستعمل على سد الطريق أمام من لم تُقَدَّم إليه يدُ المساعدة من خلال الشواهد البصرية)) ويؤكد على أن: ((الفنانين ومعلمي الفنون يؤكدون على أن اللغة المنطوقة لا يمكنها أن تنقل الأمور البصرية؛ ويكمن جوهر الحقيقة في ذلك؛ فمثل ذلك لا ينطبق فقط على الفن بل على أي موضوع لأية تجربة؛ فليس هناك وصفٌ أو شرحٌ يمكنه أن يُقدم)) المعرفة الحقيقية بالأشياء. ويقول: ((لا يمكن للغة أن تؤدي العمل مباشرةً؛ فليس للغة اتصال حسي مع الواقع)) لذلك تلجأ اللغة إلى الاستعارة لمحاولة تجسيد المعنى وتقريبه للفهم وينبه أرنهايم إلى أن: ((روائع الفن امتدادٌ لأنشطة بصرية في الحياة اليومية؛ فكل أشكال الإدراك الحسي هي نوعٌ من التفكير، إن التوقف عند مستوى السطح؛ قد يعمل على بتر المشروع بأكمله، ويحيله إلى قوام لا معنى له)) ويُذًكِّر بأننا نتلقى الواقع: ((من خلال حواسنا ومشاعرنا. وعلى الكلمات أن تنتظر، ولابد أن تنتظر؛ حتى تقوم عقولنا بعمليةِ تقطيرٍ لبعض العموميات التي يمكن لحواسنا أن تدركها وتَعضُّ عليها بالنواجذ؛ فنتصورها ونسميها؛ وذلك من خلال أصالة التجربة وتمييزها؛ فالرؤية مثلاً ليست مجرد تسجيل ميكانيكي للعناصر بل هي فهمٌ واستيعابٌ للأنماط الإنشائية المهمة، والتجربة البصرية نفسها كيانٌ ديناميكي في جوهره، وما يدركه المرء حسيًّا؛ ليس فقط مجرد تنظيم للكيانات الموجودة، والألوان، والأشكال، والحركات، والأحجام؛ بل هو تفعيلٌ بين توترات موجهة؛ وتلك التوترات تكون متأصلة في أي كيان مدرك؛ لأن لها اتجاهًا ويمكن أن نطلق عليها؛ قوى سيكولوجية)) وكان الفنان العبقري دافنشي: ((ينصح الفنانين بتأمُّل أشكال السُّحُب والصخور ومختلف الأشكال؛ فمن هذا التأمل تتنوع الصور وتتعدد الأشكال؛ فينمو الخيال المبدع)) هكذا نرى أن إخفاق التعليم الجمعي؛ يعود إلى أنه جماعي، وأنه غير تفاعلي، وأنه لم يحصل بدافع الشغف الذاتي التلقائي العميق، وأنه يتم بعيدًا عن التفاعل الحسي الحي مع الواقع؛ ومثلما يقول الطبيب النفسي الشهير دانيال سيغل في كتابه (عقلك طبيبك): ((التجربة ضرورية للتعلُّم؛ دماغنا يتحدَّد بواسطة تفاعلنا مع العالم؛ إن تجاربنا تُغَيِّر هيكلية أدمغتنا)) فالتعليم السائد؛ محرومٌ من التفاعل المباشر مع الواقع، كما أنه محرومٌ من التعاطف الوجداني، وهو ذو فاعلية أساسية. كما أنه قد استبعد الحواس، واعتمد على الوصف اللغوي؛ منفصلاً عن المجال الحي، فالطالب يعيش مع تجريدات من الكلمات؛ منفصلةً عن الواقع؛ إنه يحفظ النص؛ من دون أن يتعرَّف مباشرةً على ما يتحدث عنه النص؛ فينجح من دون أن يفهم، وبعد فترة ينسى النص أيضا؛ لأنه قد حفظه اضطرارًا، ولم يرتبط به وجدانيا.
إن التعلُّم لا يكون سريعًا وناجعًا وباقيًا؛ إلا حين يأتي استجابةً لحاجة عقلية حافزة؛ كثمرةٍ لتساؤلات حادة وحارقة. ثم إن التعليم اللفظي؛ قد تناسى (علم الذاكرة) وغَفَل عن سطوة النسيان الماحية؛ إن موضوع الذاكرة والنسيان قد شغل العلماء؛ ومن أبرز العلماء الذين استغرقوا في دراسة هذه القضية المحورية؛ عالم الأعصاب الشهير جيمس ماكغو؛ الذي توصل إلى أن الذاكرة لا تحفظ لحظة الحدث، بل تمر بمرحلة اسمها الترسيخ؛ وخلال هذه المرحلة التمهيدية؛ يمكن تقوية المحفوظ، أو إضعافه؛ كما تَوَصَّل د/ ماكاغو إلى اكتشاف عظيم؛ وهو أن المحرك الأساسي لعملية التعلُّم والإدراك والحفظ؛ هو الشحنة العاطفية؛ فالتأثُّر والحفظ يمر بمراحل فيسيولوجية؛ فعندما يواجه الشخص حدثًا؛ يفرز جسمه الأدرينالين؛ فتنشط اللوزة الدماغية؛ التي ترسل إشارات للحصين؛ وبذلك يعزز تثبيت المعلومة أو الحدث في الذاكرة؛ فما لا يهزك لا يبقى في ذاكرتك؛ فالدماغ لا يهتم بالفكرة الأقوى منطقيا؛ بل يستجيب بفاعلية للتجربة الانفعالية؛ وقد دَوَّن د/ ماكاغو اكتشافاته في كتابه (صناعة الذكريات الدائمة) وفيه يقول: ((إذا شاركتَ في حوار؛ سوف تتذكَّر في الغد مجملَ الذي دار اليوم، وفي غضون أسبوع؛ سوف تنسى الكثير من المعلومات التي تضمنها الحوار، وفي غضون عام سوف ينمحي الحوار بأكمله)) ونجد نفس المعنى عن فاعلية النسيان لدى الخبير التربوي الشهير جيروم برونر وقد تعزز ذلك؛ بما تَوَصَّل إليه عالمُ الأعصاب أنطونيو داماسيو. وعالمة الأعصاب ليزا فيلدمان باريت. وغيرهما ولكن مراحل التعليم الممتدة تتجاهل حقائق النسيان، وأن كل مرحلة تمحو المرحلة التي قبلها؛ وأن النسيان يمحو الكل بعد سنوات من انتهاء كل مراحل التعليم؛ فيجب أن يكون الهدف إلهاب الحماس للمعرفة الموضوعية، وتكوين القدرات والمهارات العملية، وخلق الشغف المتجدد بالإنجاز، وبناء الحس العميق بالمسؤولية.
ومادام أن الحديث عن الخلل الذي أدى إلى إخفاق التعليم في كل العالم؛ فعلينا أن نسأل؛ كيف نشأ هذا الخلل الجذري في التعليم النظامي على المستوى العالمي ؟! ربما أن الكثيرين لا يعلمون بأن بداية تعميم التعليم في العالم؛ قد تأسست في ألمانيا؛ ولم تكن البدايةُ؛ تستهدف التحصيل العلمي؛ وإنما كانت تستهدف إشعال الحماس المتجدد، وخلق الولاء العميق؛ كانت بدايةً تربوية عسكرية؛ تستهدف إنجاز تربيةٍ وطنيةٍ تتغير بها نفسية المواطن البروسي؛ تغيرًا نوعيًّا؛ كان الهدف من التعليم؛ تعبئة الأجيال الألمانية وجدانيًّا، ومَلْئها بحب الوطن، وشحنها بالإخلاص له، ومحض الوطن بالولاء التام، وتهيئة الجميع للتضحية من أجل ألمانيا؛ كان هدف التعليم؛ خَلْق شعبٍ؛ محاربٍ، ومُنتِجٍ ومنضبطٍ، وذي ولاءٍ وطنيٍّ مطلق؛ كانت مملكة بروسيا؛ تخطط لتوحيد ألمانيا؛ عن طريق الإقناع، والإخضاع؛ وحين انهزمت فرنسا أمام مملكة بروسيا؛ وتساءل العالم عن هذا التحول النوعي العظيم المفاجئ؛ صرَّح بسمارك؛ لقد هزمنا فرنسا بالتعليم؛ فبادرتْ فرنسا وتبعها العالم؛ في تقليد النموذج الألماني في التعليم الذي لم يكن أساسًا يستهدف التحصيل العلمي؛ بقدر ما أن هذا التحصيل كان هدفًا ثانويًّا. كان التعليمُ في ألمانيا البروسية؛ تربيةً في الوطنية العميقة المحضة؛ كان يُرَكِّز على خلق الاهتمام التلقائي بكل ما يحقق لألمانيا أن تتجاوز حالة التخلف؛ لتثب وثبةً عظيمةً مدويةً؛ تجعلها في المقدمة بدلاً من أن تبقى في الذيل؛ لذلك كانت التربية؛ تركز على خلق الولاء المطلق لألمانيا؛ استعدادًا لكل ما يتطلبه الوطن من قدرات وتضحيات، كانت تعبئة وجدانية بالولاء والاهتمام والتوقُّد، كما كانت تركز على غرس وتعميق الانضباط التلقائي، وتكوين الحافز المتجدد، والاهتمام الذاتي التلقائي، كما تركز على المران، وتكوين المهارات العملية؛ أكثر من تركيزها على التحصيل المعرفي؛ ولكن العالم قلَّد ألمانيا شكلًا؛ وأهمل المكوِّنات الأكثر أهميةً في النموذج؛ وهو خلق الاهتمام الذاتي التلقائي، ليكون المتعلم مندفعًا بجيشانٍ ذاتيٍّ داخلي متجدد، مع كثافة في التمرين، والتدريب، وتكوين المَلَكات العملية؛ لقد تم التركيز في العالم على الشكل، وجرى إهمال الجوانب الوجدانية والعملية؛ ومن هنا جاء الخلل. لقد أدركتُ مبكرًا وجود الخلل؛ فرحت أبحث وأستقصي حتى عرفت مصدر الخلل.
إن إخفاق التعليم الجمعي في كل العالم، وضآلة نتائج التعلُّم كُرْهًا، واضطرارًا، ومن دون شغف بالمعرفة؛ كانت إحدى القضايا التي ظلت تشغلني خلال سنوات عمري؛ فمن تجربتي في التعلُّم، وتجربتي في العمل، ومن معايشتي للخريجين من مختلف التخصصات؛ أثناء عملي؛ مسؤولا سنوات طويلة في قطاع البلديات، ومن مجابهة الواقع؛ حيث لا نهاية للأعمال التي أود إنجازها، وكنت أحترق من أجل أن يكون المنجَز متقَنًا؛ كنت أتلهَّف للإنجاز، وكنت أتأجج احتراقًا من أجل الاتقان؛ من كل ذلك، ومن البحث والاستقصاء؛ توفَّرت لديَّ قناعةٌ تامة وراسخة؛ بأن الإنسان كائنٌ تلقائيٌّ، وبأن قابليات الفرد؛ تتبرمج تلقائيًّا؛ بالممارسة العملية، وبالاحتكاك المباشر بالواقع؛ وأن مفتاح قابليات الإنسان للتعلُّم العميق الفعال، وللإنجاز الوفير المتقن؛ محكومة بتوقد اهتمامه التلقائي، وبأن هذا التوقد مصدره الوجدان، والعُمْق العاطفي؛ فالتعلُّم من دون شغف بالمعرفة؛ ينجلي عن الخواء؛ كما أن العمل بغياب حرارة الوجدان، ومن دون توَقُّد الاهتمام التلقائي؛ ينجلي عن البُطْء والركاكة والكلال، ومجافاة الإتقان.
ولكي ندرك الأهمية الجذرية للتفاعل المباشر مع الواقع، وللتوقد الوجداني؛ علينا أن نتذكَّر بأن العقل ذاته يتكوَّن في الطفولة تلقائيًّا؛ من دون أي تعليم؛ بل يتكوَّن تلقائيًّا بالتفاعل مع المحيط؛ فالإنسان لا يولد بعقل جاهز، وإنما يتكون عقله مما يتلقاه تلقائيًّا من البيئة، كما أن الطفل يكتسب اللغة واللهجة تلقائيًّا من دون أي تعليم؛ ليس هذا فقط بل إن المجتمعات؛ بسبب الحاجة إلى التواصُل، وعن طريق التفاعل التلقائي؛ كوَّنت آلاف اللغات واللهجات بشكل تلقائي. وكذلك تكوَّنت النُّظم الاجتماعية بشكل تلقائي؛ ومثلما يقول توماس سوويل في كتابه (تناقض الرؤى): ((النظام مع الزمن ينمو تلقائيًّا؛ وتُمثِّل اللغة أحد الأمثلة لهذا الانتظام من دون تصميم مسبق؛ وفي تعقيد النظام اللغوي، ودقته، وفاعليته؛ دليلٌ على التفوق الكبير للتفاعلات الكامنة في الأشياء)) إن ربط الوظائف والأعمال والكفايات بالشهادات التعليمية؛ قد أحدث في التقييم؛ ارتباكاً وخلطًا شديدين، وخَلَق خللا جذريا؛ فقد بولغ مبالغة شديدة بل مُفْرطة في قيمة التعليم اللفظي؛ حتى كاد يتم إخراج الأميين من دائرة العقل؛ أما الحقيقة؛ فهي أن الأميين خلال التاريخ قد بزغ بينهم قادة عظماء، وحكماء فائقين، وشعراء مبدعين، ومخترعين ملهمين؛ بل إن المعلم الصيني مينكيوس يقول: ((لا يوجد إنسان بلا بصيرة؛ تميز الحق من الباطل)) ففي غمرة الانشغال بالتعلُّم اللفظي؛ نسي الجميع بأن عظماء مؤسسي الدول، وكبار القادة؛ خلال التاريخ كانوا أميين، أو على حافة الأمية؛ مثل صولون، وبيركليس، والاسكندر المقدوني، ويوليوس قيصر، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وزياد بن أبيه، ومعاوية، وعمرو بن العاص، والحجاج بن يوسف، وغيرهم من القادة والدهاة. بل حتى عظماء الفلاسفة: طاليس، وهيروقليطس، وديموقريطس، وبرمنيدس وجورجياس وانكساجوراس وأبقراط وتوسيديدس وهيرودوت وسقراط وأفلاطون وأرسطو وإقليدس وأرخميدس وأريستارخوس وسلسلة عظماء الفكر لقد تخرجوا من مدرسة الحياة، ومقابل هؤلاء الرواد العظماء في مجالات الفكر والعلم والسياسة والقيادة؛ نجد سذاجةً فاضحةً في أكثر الخريجين، إن التعليم لا يُخرِّج مبدعين؛ وإنما يُخَرِّج مرددين، ومقلدين، ومنشدين، ونُسَّاخ. أما المبدعون؛ حتى من حَمَلَة الشهادات التعليمية؛ فلم يكن بزوغهم وإشراقهم بسبب التعليم، وإنما بالعكس يأتي الإبداع نقضًا؛ لما تلقنوه؛ وخروجًا على ما يردده غيرهم؛ فالإشراق الفردي لا يتحقق بتلقين معلومات أو بالإلزام بحفظ مقررات تعليمية، وإنما هو ثمرة المواهب السخية، والاهتمام الذاتي التلقائي القوي المستغرق.
لا يحصل التميُّز في الفكر، والعلم، والفن، والعمل؛ إلا بالاهتمام التلقائي، وتجدُّد الشغف؛ ومثلما يؤكد دانيال كولمان في كتابه (ذكاء العواطف): ((كل جزء في الدماغ؛ يعطي الأولوية للعواطف على الأفكار)) ويقول العبقري الشهير دافنشي: ((كل معرفة تبتدئ من العاطفة)) ويقول جوته: ((الابتهاج بالعلم شرطٌ لتحصيله)) فلابد من تَوَقُّد الاهتمام، والالتصاق الحميم مع المجال، والاندفاع التلقائي للمعرفة والإنجاز. كما أنه لابد من تكرار الفعل؛ تكرارًا ينتهي ببناء مَلَكة راسخة يتدفَّق منها الأداء؛ تدفُّقًا تلقائيًّا؛ ويكون مندفعًا مثلما يندفع الماء من شلال، أو مثلما يفور البخار من الغليان. ورغم أنه بات معروفًا في كل العالم أن المهارات العملية تختلف نوعيًا عن المعارف النظرية؛ على النحو الذي يؤكده العالم جيروم برونر في كتابه (ثقافة التربية وعلم النفس الثقافي) حيث يؤكد بأن المهارات العملية لا تُكتسَب إلا بواسطة الممارسة وتكرار الفعل؛ إلا أن هذه الحقيقة كانت أيضا مؤكَّدة بوضوح في التراث العربي؛ فقد أكد عليها الإمام الغزالي، والإمام الشاطبي، وكرر التأكيد عليها ابن خلدون في المقدمة؛ فقد نبَّه إلى أن الكثيرين من علماء اللغة يكونون متبحرين في علوم اللغة لكنهم يبقون عاجزين عن التعبير كتابةً، لأن إجادة الكتابة، خاضعة للمران واكتساب المَلَكة فهي تختلف نوعيًّا عن التمكُّن النظري. ويعلل ابن خلدون ذلك: ((إن العلم بقوانين الإعراب؛ إنما هو علمٌ بكيفية العمل؛ وليس هو نفس العمل؛ لذلك نجد كثيرًا من جهابذة النحو؛ المحيطين علمًا بتلك القوانين؛ إذا سئل في كتابة سطرين إلى أخيه، أو ذي مودته، أو شكوى ظلامة؛ أخطأ عن الصواب، وأكثر من اللحن، ولم يُجِدْ الكلام)) إن الدارس قد ينال شهادة الدكتوراه في دراسةٍ عن شاعرٍ أميٍّ، إن دراسة الشعر لا تجعل الدارس شاعرًا؛ فالتعلُّم النظري؛ لا يعني القدرة العملية. ومقابل ذلك فإن ابن خلدون يوضح أن الممارِس الموهوب؛ يجيد الكتابة ولا يلحن؛ من دون أن يعرف علم النحو؛ فالممارسة أهم من المعرفة النظرية فإذا اجتمعا فهذا فضلٌ على فضل؛ وكما يقول ابن خلدون: ((نجد كثيرًا ممن يحسن هذه الملكة، ويجيد الفنين: (الشعر والنثر)؛ وهو لا يُحسن إعراب الفاعل من المفعول، ولا المرفوع من المجرور، ولا شيئًا من قوانين صناعة اللغة العربية؛ فمن هذا نعلم أن تلك المَلَكة هي غير صناعة العربية، وأنها مستغنية عنها)) ونكرر التأكيد على تصريحه بأن إجادة الفعل تكون مستغنية عن المعرفة النظرية لأن هذه الإجادة هي الهدف من المعرفة وهذا ليس خاصًّا باستخدام اللغة وإنما ينطبق على كل المجالات؛ فالملايين يمكنهم دراسة علم القيادة، أو علم الإدارة؛ لكن ذلك لا يجعلهم قادةً، أو مديرين ناجحين.
إن عالم الأحياء، أو عالم الفيسيولوجيا؛ يَعْلَم كل شيء عن الجسم البشري؛ ربما أكثر من معظم الأطباء؛ لكن ذلك لا يجعله طبيبًا أو جراحًا. ومثلما يقول ابن خلدون: ((من المخالطين لكتاب سيبويه؛ من يغفل عن التفطن لهذا؛ فيحصل على علم اللسان، ولا يحصل على مَلَكة)) وينبه ابن خلدون إلى حِرَفٍ كثيرة يجيدها الأميون؛ ويفتقر إليها المتعلمون كالنجارة، والحدادة، والخياطة، والزراعة؛ ففي المقدمة يعقد فصلا يُفَصِّل في الفرق بين المعرفة النظرية، والأداء العملي؛ وفيه يؤكد: ((أن صناعة العربية؛ إنما هي معرفةُ قوانين هذه المَلَكة، ومقاييسها؛ فهو علمٌ بكيفية؛ لا نفس الكيفية؛ فليست نفس الملكة؛ وإنما هي بمثابة من يعرف صناعةً من الصنائع علمًا؛ ولا يُحكِمُها عملاً)) وبعد ابن خلدون جاء ابن الأزرق فتوسَّع في البيان، وفي تأكيد الفرق النوعي بين المعرفة النظرية والأداء العملي. وقد قام الدكتور علي زيعور والدكتور إياد زيعور بدراسة واسعة فأصدرا كتابا بعنوان (الفلسفة العملية عند ابن خلدون وابن الأزرق) كما قام فريق من خبراء التربية المغاربة، بإصدار كتاب ضخم عن (النظرية الملكاتية) ليؤكدوا الاختلاف النوعي بين المعرفة النظرية والأداء العملي؛ وهو الجانب الذي تم إغفاله في مناهج التعليم؛ فلم يكن خلق وإلهاب الحماس، وتكوين الشغف، والمران الميداني، والتدريب العملي جزءًا من العملية التعليمية إلا في الطب، والطيران، والكليات العسكرية؛ لذلك يأتي الخريجون إلى مواقع العمل في مختلف التخصصات الأخرى من دون أية مهارات عملية؛ ومما ضاعف القحط العملي؛ أن الدارسين قد تَوَهَّموا أنهم قد تخرجوا مكتملي التأهيل، فيتحاشون أية ممارسة تكشف افتقارهم إلى المهارات العملية؛ فيبقون فارغين لكنهم منتفشون.
إن الشغف العميق المتجدد شرطٌ لأي إنجاز عظيم؛ سواء في التعلُّم أم في العمل؛ إن من يقرأ حياة المبدعين في مختلف المجالات؛ يجد أنهم مندفعون تلقائيًّا؛ وكما يقول أرنستو ساباتو وهو في الأصل عالم فيزياء ثم تحول إلى مجال الأدب فأبدع ونال جائزة نوبل في الأدب؛ وهو ينبه إلى أن كل المعلومات، وكل الأحداث، وكل المؤثرات؛ لا تكون ذات فاعلية إلا: ((إذا لامستْ وتَرًا في عقل القارئ)) أما عالم النفس الشهير ألفريد آدلر فينبه إلى مركزية الاهتمام التلقائي فيقول في كتابه (الطبيعة البشرية): ((لا يمكننا أن نعطي القدر الكافي من الانتباه والتركيز لأي شيء إلا إذا حلَّ اهتمامٌ جديد محل الاهتمام التليد)) ويقول: ((إن أهم عامل في إيقاظ قدرات الفرد على الانتباه والتركيز؛ هو الاهتمام الأصيل وعميق الجذور)) فلابد للتعلُّم والعمل؛ من إشعال الاهتمام، وخلق الرغبة، وتنمية الحوافز الذاتية التلقائية؛ للتعلُّم والعمل. لقد تَحدَّد مسار التعليم قبل كل الاكتشافات النوعية التي بيَّنتْ العلاقة العضوية بين العقل والوجدان، كما أنه قد تحدد؛ قبل اكتشاف مركز المكافأة، والعقاب، في الدماغ، وقبل اكتشاف الذكاء العاطفي، وقبل كل الاختراقات العلمية النوعية المتعلقة بطبيعة الإنسان، وكيفية نشاط الدماغ، وتأثير مبدأ اللذة والألم على عملية التعلم، واكتساب الملكات (الكفايات والمهارات). ولكن مهما بلغ وضوح الخلل؛ فإنه يكاد يكون محالا على الإنسانية؛ أن تخرج من مسارٍ، قد تحدَّد وتعمَّق؛ فالسوابق عوائق.
تتضافر تأكيدات الفلاسفة، والعلماء، والمفكرين، والأدباء، والمؤرخين، وخبراء التربية؛ على أن تعميم التعليم في كل العالم؛ لم يحقق الآمال المعلَّقة عليه؛ وأن كل القفزات النوعية التي تحققت في مجالات العلوم، والفنون، والتقنيات، والإبداعات؛ قد جاءت من خارج نطاق التعليم؛ فاقتصر دور الخريجين من الجامعات والمعاهد؛ على تطبيق الأفكار الإبداعية التي حققها أفرادٌ خارقون، مبدعون من خارج حقل التعليم، أو جاءت من المتعلمين الذين انفَكُّوا من أسر التأطير التعليمي؛ أما عموم المتعلمين؛ فهم محض تنفيذيين. لأن التعلُّم، وبناء المَلَكات والمهارات، وتكوين القدرات المعرفية والعملية؛ مشروطة بالتجاوب والتلاؤم مع الطبيعة البشرية؛ فالتعلُم الناجع؛ يأتي استجابة لحاجة عقلية ملحَّة، أو بدافع الشعف العميق المتجدد؛ ومثلما يؤكد الفيلسوف الإسباني خوسيه، أورتيغا إي غاسيت: ((التعلُّم يبدأ من الحاجة)) ويقول: ((التعلُّم ليس تلقين معرفة؛ بل إيقاظ حاجة)) ويقول: ((لا معرفة إلا بسياقٍ حي)) ويقول: ((يتعلم الإنسان؛ استجابةً لمتطلبات الفهم والاختيار وضرورات العيش)) ويقول: ((المعرفة التي لا تكون استجابة لحاجة؛ هي معرفة ميِّتة)) ويقول: ((التعلُّم بناء رؤية للحياة)) ويقول: ((المعلومات من دون تكوين رؤية؛ تُنتج إنسانًا عاجزًا عن الفعل)) ولتأكيد الاستجابات التلقائية يقول: ((لابد من ثقافة جديدة؛ هي الثقافة البيولوجية؛ فعلى العقل المحض؛ أن يترك سلطانه للعقل الحيوي)) وهو بذلك يؤكد بشدة على الاندفاع التلقائي؛ لقد دافع عن هذه الأفكار بحرارة في كتابه (مهمة الجامعة) وكتاب (الإنسان الجماهيري) وكتاب (موضوع زماننا) وكتاب (دراسات في الحب) فهو حين يتناول التعلُّم والعمل؛ يشترط قوة الشغف التلقائي بالمعرفة، والولع بالإتقان، كما يستحضر الحاجة العقلية؛ حين تشتعل حرقةُ التساؤلات.
إن المتابع لقضايا التعلٌّم، والتعليم، والعمل في العالم؛ سوف يجد أن عظماء الفلاسفة، وكبار العلماء، وخبراء التربية؛ يعلنون تكرارًا وبوضوح؛ أن جدوى التعليم مشروطة؛ بالرغبة الذاتية في المعرفة، وليس التعلُّم من أجل الشهادة؛ فهذه الأفكار هي محل تضافُر فلسفي، وتأكيدات علمية من أعظم العقول العالمية؛ فالفيلسوف الأشهر برتراند رسل لا يكتفي بتأكيد ضآلة النتائج الإيجابية للتعليم الجمعي، وإنما يرى أن الانتظام في التعليم الجمعي؛ يصيب قابليات الدارسين بالعطالة؛ فيقول: ((أشعر بالسعادة؛ إذ أنني لم أذهب إلى المدرسة من قَبْل؛ وإلا لافتقرت إلى المقدرة، والشجاعة؛ على التفكير المبدع المستقل)) وقد ظل راسل طول حياته يطالب بإحداث تغيير جذري للعملية التعليمية. ويصطف كبار الفلاسفة، وقادة العلم في هذا الاتجاه الناقد للتعلُّم الجمعي؛ فالعالم الفيلسوف وايتهد؛ ينبه إلى أن قابليات الإنسان في التعلم والعمل محكومة بدرجة الاهتمام فيقول: ((يمتنع كل نمو ذهني؛ إذا غاب الاهتمام؛ فبغير الاهتمام لن تظفر بتقدُّم)) ويكرر التأكيد في موضع آخر فيقول: ((إننا لنجد؛ أنه حتى الإدراك النافذ؛ لأساسٍ عظيمٍ؛ يكون مكتسَبًا بقوةٍ عاطفيةٍ هائلة)) وهذا يعني أن التعلُّم اضطرارًا، ومن دون رغبةٍ ذاتيه في العلم، ومن غير اهتمامٍ شخصيٍّ بالمعرفة؛ ينتهي بالخواء فهو حسب تأكيد ويتهد؛ لن يحقق أي تقدُّم. وقد أكد العلم على الأساس الوجداني لأي إنجاز عظيم؛ فالفيلسوف الفرنسي هنري برغسون يؤكد: ((إن العامل الأكبر في المعرفة هو الجانب الوجداني)) ويقول الفيلسوف الروسي برديائيف: ((لابد أن نُعَلِّق أهميةً حاسمة؛ في مجال المعرفة؛ على العنصر الوجداني)) لذلك فإن التعلُّم اضطرارًا لا يُنتج متعلمين، وإنما يَنجلي عن فارغين منتفشين، كارهين لكل ما يرمز إلى الكتب، وما يشير إلى المعرفة والتعلُّم. لذلك فإنه لتكوين المَلَكة المعرفية والعملية؛ لا يكفي التوقُّد الوجداني؛ وإنما لابد من بناء المَلَكة المعرفية والعملية؛ وهذا يستلزم حصر الانتباه، وتوجيه الاهتمام، وتركيز الوعي، وتكرار الفعل؛ فالتعلُّم الذي لا يتأسس على التفاعل الحي مع الواقع هو ضياعٌ للأعمار والأموال وهدرٌ للطاقات، ووأدٌ للآمال.
إن حقيقة أن التعلُّم؛ مشروطٌ ببناء المَلَكة، وبأن هذا البناء لا يتحقق؛ إلا بالسَّورة الوجدانية، وبالممارسة الجياشة، وبالتكرار المتقد؛ الذي يؤدي إلى تأسيس الملكة، ومواصلة بنائها، وإنضاجها، والحرص على ترسيخها، وديمومة تنشيطها. إن اشتراط التوقد الوجداني للتعلم؛ هو حقيقة معروفة منذ أقدم العصور؛ فقد أكَّد أفلاطون في كتابه (الجمهورية): ((أن المعرفة حين تُكتَسَب بالإكراه؛ لا يمكن أن تبقى عالقة في الذهن)) وقد تَوَصَّل العلم إلى نفس النتيجة؛ فقد قام الدكتور جورجي لوزانوف بدراسة موسعة لأشخاص متميزين فوجد أنهم مندفعون تلقائيا للتعلم، وأنهم يتعاملون مع المشكلات بتلقائية، وأنهم يستمتعون بالاكتشاف؛ وانتهى إلى أن: ((المتميزين لا يضغطون على الإرادة، ولا يحاولون إجبار العقل على العمل؛ فينجزون بسهولة)) ومثلما تؤكد بوبي سومر في كتابها (السيبرنطيقا النفسية): ((أن ما يحفظه الإنسان بإرغام نفسه؛ ينساه بسرعة، بينما أن ما يحفظه تلقائيا أو عن رغبة لا ينساه)) وقد تَوَصَّل الدكتور ماكسويل مالتيز إلى: ((أن الجهود الواعية تَكبِت وتُشوِّش على الآلية التلقائية المبدعة؛ فإذا استطاع الناس عدم التفكير في سلوكهم فإنهم يستطيعون التصرف بصورة تلقائية مبدعة)) فالإنسان لا يتعلم بتكليفه بأن يحشو ذاكرته بمعلومات لا يَشعر أنه بحاجة إليها؛ فهي لا تجيب على تساؤلاته الحارقة، ولا تُعَبِّر عن احتياجاته النفسية، ولا تستجيب لمتطلبات عقله المُلِحَّة؛ إن هذا يكاد يكون محل إجماعٍ بين الفلاسفة، والعلماء، وخبراء التربية، والمهتمين؛ ويتضح ذلك مما سبق؛ من نصوصهم.
قبل تعميم التعليم لم يكن يتجه للتعلُّم سوى قلة من الأفراد الاستثنائيين؛ فالفرد يكون مدفوعًا تلقائيًّا باحتياجات عقله، فهو يبحث عما يجيب على تساؤلاته الملحة؛ إنه مدفوع بالحاجة، وبالرغبة، وبالفضول القوي، إنه يجد في المعرفة لذَّةً غامرةً متجددة؛ فالمعرفة حين تكون عشقًا ولهفةً؛ فإنها تستمر في النمو، والاتساع، والتعمُّق، وكلما عرف أكثر، وكلما تعمَّق أشد؛ تنامت لهفته، وتعمَّق عشقه، واشتدت لهفته؛ ومثلما يقول مؤسس علم التحكم والتواصل؛ العبقري نوربرت فاينر: ((إن العلماء، والفنانين، والكُتَّاب؛ يجب أن يتحركوا باندفاعٍ لا يقاوَم)) وكما يقول الفيلسوف الألماني جوته: ((الانفعال هو أعظم قوة، وأحفل حياة؛ فلا يأخذ المرء في معرفة شيء إلا إذا كان يحبه. والمعرفة ستكون من الإحاطة والعمق بقدر ما يكون الحب)) كما أن آينشتاين قد نبه إلى أن التعليم النظامي يُعطي وظيفة لكنه لا يجعل الدارس متعلما؛ فالتعلُّم الفعال؛ لا يتحقق إلا بالشغف الفيَّاض، وبالتفاعل الجياش مع الواقع، وبالمجابهة الحية مع حركة الحياة؛ ليس هذا فقط بل إن القدرات العلمية والعملية؛ لا تتكوَّن إلا في ثلاث مراحل من مجابهة الواقع، وتكرار الممارسة؛ يقول عالم الفيزياء الشهير برونوفسكي في كتابه (العلم والبداهة): ((إن مهارَتي العقل واليد تمضيان معًا)) ويقول الدكتور عصام البشير في كتابه (تكوين المَلَكة اللغوية): ((المَلَكة العلمية؛ صفةٌ في النفس، وليست مجموعة من المعلومات، أو منظومة من القواعد)) ويقول الدكتور محمد فارس: المَلَكة ((تترسخ بالتكرار والمكابدة حتى تصير كالطبع وكالعادة؛ بحيث يصعب زوالها بعد استحكامها، ويَسْهُل تَذَكُّرها بعد نسيانها)) ويقول الفارابي: ((تَعَمُّد إحساسِ أشياء كثيرة؛ مرارًا كثيرة؛ ليفعل العقل في ما يتأدَّى إليه عن الحس؛ فعله الخاص، حتى يصير يقينًا؛ يُسَمَّى التجربة)) ويقول الفارابي: ((التجريب هو الذي به يفعل العقل في ما يتأدَّى له عن الحس إلى الذهن؛ فعله الخاص؛ حتى يصير يقينًا)) ويُنَبِّه المفكر فتحي رضوان في كتابه (نصف قرن بين السياسة والأدب) إلى: ((أن الإنسان مفطورٌ بطبعه؛ على الإحساس بالماديات بأسرع مما بالمعنويات)) ويقول الفيلسوف إدغار موران في كتابه (معرفة المعرفة): ((يتوَلَّد الفكر؛ انطلاقًا من دينامية تَحاوُرية لا تنقطع)) ويقول: ((المعرفة بنت الِفعل؛ كل تقدم معرفي؛ يفيد الفعل، وكل تقدم في الفعل يفيد المعرفة؛ فالفعل والمعرفة متلازمان ومترابطان)) ويقول: ((إن الدماغ يُحَوِّل المؤشرات الحسية إلى معرفة فردية)) ليس هذا فقط بل كما يقول موران: ((إن تَشَكُّل الأجهزة العصبية؛ ملازمٌ للأفعال وردود الأفعال)) ويقول: ((تؤدي العلاقة مع الغير إلى تطور المعرفة؛ فتصير جدلية الفعل/المعرفة؛ جدلية الفعل/ المعرفة/التواصل)) وقد باتت هذه الحقيقة شديدة الوضوح في كل العالم؛ لكن العالم ما يزال عاجزًا عن حل معضلة ضآلة نتائج تعميم التعليم النظامي؛ رغم كل النقاشات والبحوث والدراسات والمؤتمرات العالمية التي عَرَّت الخلل الجذري الذي تعاني منه العملية التعليمية في كل العالم. فلا تكفي المعرفة لتحقيق التغيير؛ فالواقع على مختلف المستويات يقاوم التغيير؛ إن التحول في أي مجال يتطلب مواجهة الواقع، وكسر المسلَّمات، والإقدام على ما يعارضه الجميع؛ لذلك فإن نقائص التعليم بقيت تغل العقل البشري وتُقَيِّد قدرات الإنسان.
هكذا يؤكد الفكر العالمي. أما على المستوى العربي؛ فقد احتشد عام 2025 عددٌ كبيرٌ من رجال العلم وخبراء التربية؛ تحت مظلة المنتدى الأوروبي في بلجيكا، وقد تمخض هذا الاحتشاد عن كتابٍ ضخم بعنوان (النظرية الملكاتية) وقد تَكَوَّن للمشروع لجنة علمية مكوَّنة من عشرين خبيرًا تربويًّا، وكَتَبَ مقدمة الكتاب الدكتور حسين أبو عمشة، أما الدكتور علاَّل الزهواني فكتب التصدير، أما تنسيق البحوث فنهض به الدكتور الحسن قايدة، والدكتور حمزة شرعي، والدكتورة فاطمة السباعي. إن هذا الاحتشاد لنخبة من المفكرين التربويين؛ قد جاء ثمرةً للإحساس العميق بوجود خلل جذري في العملية التعليمية، وبأن هذا الخلل يمثل خطرًا وجوديًّا؛ فالثروة البشرية؛ هي الثروة المتجددة، وهي الإمكان الهائل المفتوح؛ لكن تحويل هذا الإمكان إلى حقيقة؛ مشروطٌ بأن تأتي ثمار التعليم متناسبةً مع الآمال المعقودة عليه؛ ولا يتحقق ذلك إلا بالتركيز على بناء المَلَكات؛ فإعطاء المعلومات هو أيسر مُكَوِّنات التعلُّم؛ إن المعلومات هي أبسط عناصر التعليم؛ وقد انطلق المؤتمرون من قناعة تامة بأن إهمال بناء الملكات هو الخلل الجذري الذي أدى إلى إخفاق التعليم؛ لقد استهدفوا الإيقاظ لهذا الخلل والتأكيد على الأهمية القصوى (لبناء الملكات) لدى جميع الدارسين. إن غياب أو ضَعف الشغف، وإهمال بناء الملكات هو الخلل الجذري الذي يعانيه التعليم النظامي؛ فالتعلم لا يتحقق بحفظ المعلومات ولا بالنجاح النظري؛ بل يتحقق في تَوَقُّد الشغف، وبناء الملكات المعرفية والعملية وهذا مشروطٌ بالممارسة العملية الحميمة، وبالتكرار الطويل والعميق، وبالالتحام بالواقع؛ حتى تتكون (المَلَكة) بل حتى تصير راسخةً رسوخًا يجعلها تفيض تلقائيا كما يفيض التنفس، وكما هي حال اندفاع فناني كرة القدم.
وقد تمخَّض احتشاد هؤلاء العلماء عن صدور كتابٍ جماعي حافل بعنوان (النظرية الملكاتية) يقع في (689) صفحة وقد جاء فيه أن: ((النظرية الملكاتية؛ تراهن على صقل أبعاد الشخصية وتنميتها في اتجاه بلوغ درجات الإتقان والإحسان في القول، والعمل، وفي التصورات، والتصرفات)) ويضيف: ((إن النظرية الملكاتية تنظر للتعلم من زاوية السياقات العقلية الداخلية للمتعلم، وتُرَكِّز على صقل مواهبه، وقدراته، وكفاياته، ومهاراته، واتجاهاته، وميوله)) ويضيف: ((إن تحقُّقها يتأتَّى من خلال الممارسة، والمعاينة، والتكرار والتجريب؛ لتحقيق جودة التعليم، وحصول التعلُّم الفعَّال)) إن كل الدراسات، والبحوث، والمشاركات في هذا الجهد العلمي الجماعي الاستثنائي؛ قد ركَّزت على تأكيد أن التعلُّم الفعَّال؛ مشروطٌ بتكوين وبناء المَلَكات وليس بحفظ المعلومات. إن المَلَكة كما يقول الجرجاني في كتابه (التعريفات) هي: ((صفةٌ راسخة في النفس؛ وتحقيقه أنه تَحْصل للنفس هيئة بسبب فعلٍ من الأفعال؛ ويقال لتلك الهيئة: كيفية نفسانية؛ وتُسَمَّى حالة مادامت سريعة الزوال؛ فإذا تكررتْ ومارسَتْها النفس حتى رسخت تلك الكيفية فيها، وصارت بطيئة الزوال فتصير مَلَكة؛ وبالقياس إلى ذلك تصير عادةً وخُلُقًا)) إن التعلُّم ليس معلومات تـُحفَظ، ولكنها ممارسةٌ تعاش؛ ومثلما يقول المبدع الألماني هرمان هسه: ((الحقيقة يجب أن تُعاش، لا أنْ تُدْرَس)) أما الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون فيؤكد: بأن ((الدماغ عضو عمل وليس عضو تفكير)) كما يؤكد أن ((معارفنا كلها أصلها حسيٌّ)) ((وأن العقل البشري مجاله العمل والمادة)) وأن: ((العقل لا يريد إلا المحافظة على وجود الكائن الحي؛ فالعقل وظيفته نفعية؛ أما النظر فمجرد ذريعة للعمل)) ويؤكد ((أن الإنسان كائنٌ يفعل ويرغب ويريد ويحس في بيئة خارجية)) أي أن النشاط موجَّهٌ خارج الذات؛ وأن ((العقل في صميمه وظيفةٌ عملية؛ فالعقل قد جُعِل أوَّلاً وأخيرًا للعمل لا للنظر)) وبهذا نرى أن التعلُّم يتطلب ليس حفظ المعلومات بل تكرار الفعل، وبأن تكوين القدرة العملية أو مهارة الأداء أو ما يُسمى (المَلَكة)؛ لا يتحقق إلا بالممارسة، وبأنَّ القدرة لا تتكوَّن دفعةً واحدةً؛ بحفظ المعلومات؛ وإنما تتكوَّن على مراحل بواسطة تكرار الفعل، حتى تتكوَّن المَلَكة وبأن بناء القدرة يستمر فلا نهاية للاكتمال (فالمَلَكة)؛ تتكوَّن خلال ثلاث مراحل لكنها تستمر في النمو والتعمق والرسوخ حتى يفيض منها الأداء فَيَضانًا تلقائيًّا.
حتى هيجل رغم أنه إمام الفلسفة المثالية في العصر الحديث؛ فإنه يؤكد أن التعلُّم لا يحصل إلا بالتفاعل مع الواقع، وممارسة العمل فهو يقول: ((من خلال العمل يتعلم الوعيُ أن يثبت نفسه في عالَمٍ موضوعي، وأن يرى ذاته متحققة في ما يصنعه)) كما يؤكد أن: ((الوعي الحقيقي يتكوَّن لدى من يعمل وليس لدى من يستهلك)) فالتعلُّم ليس استقبالاً بل هو فعلٌ وتفاعلٌ؛ إن هيجل يؤكد من خلال ما يسميه جدل السيد والعبد؛ أن العبد من خلال العمل يعمل ويغيِّر العالم فيرى أثر فعله ويكتسب وعيًا بذلك؛ وللعمل وجهٌ آخر في التعلُّم؛ فالعمل يؤجل الإشباع؛ فيتكوَّن الانضباط، وينمو الوعي، وتتسع المعرفة يقول هيجل: ((العمل هو الرغبة المكبوحة، والاختفاء المؤجَّل؛ فالعمل يشكل الشيء، وفي هذا التشكُّل يشكل العامل نفسه)) أما إدموند هوسرل فيؤكد أن: ((المعرفة لا تُعطى جاهزةً، بل تُكتسَب في أفعال الوعي؛ وكل معنى هو ثمرة إنجازٍ قصدي فعلي)) كما يؤكد أن: ((الوعي ليس مخزنًا للمعاني بل هو نشاطٌ مُنجِزٌ للمعنى؛ فالعلم عنده ليس استقبالا بل هو تحقُّقٌ عبر فعلٍ قصدي)) أي أن الفهم لا يحصل إلا بممارسةٍ واعية. ونجد التأكيد نفسه لدى مارتن هايدغر فهو يقول: ((الفهم ليس معرفة نظرية بل طريقة وجود)) ويقول: ((الفهم ينشأ من الانخراط العملي في العالم)) ويؤكد: ((التعلُّم يَحدث في الاستعمال لا في الشرح)) إن هايدغر يرى أننا: ((نفهم الأشياء أولا في استعمالها لا في النظر إليها)) وينبه هايدغر إلى أن التعليم النظامي قد فتَّت المعرفة فيقول: ((إن مجالات معرفتنا منفصلة عن بعضها بمسافات شاسعة؛ فالطريقة التي تتناول بها علومنا موضوعها؛ تختلف بشكل أساسيٍّ من علمٍ إلى آخر. ولعل تناثر الفروع المعرفية، وتفتُّتها لا يعود تناسقه اليوم إلا إلى التنظيم التقني للجامعات والكليات؛ وهو لا يأخذ معنى إلا عبر الأهداف العملية التي يتوخاها المتخصصون؛ وعلى النقيض من ذلك؛ فإن انغراس العلوم في أساسها الجوهري قد انتهى منذ زمن)) ويقول بول ريكور: ((الذات لا تَعرِف بالتأمل الخالص بل تَعرِف عبر أفعالها وقدرتها على الإنجاز)) كما يؤكد أن: ((الفهم الحقيقي يتحقق بواسطة التطبيق)) ويؤكد غوتولد إفرايم ليسينغ بأن التعلُّم لا يحصل إلا بالاندفاع نحو الفهم، والالتصاق الحميم بالواقع؛ فالنشاط العملي هو مصدر الفهم، وهو منبع المتعة فيقول: ((ليس امتلاك الحقيقة هو الذي يهم بل السعي الحي إليها)) ويقول: ((لو خُيِّرت بين الحقيقة في يدي وبين السعي الدائم إليها لاخترت السعي)) فالمعرفة ليست معطى جاهزًا بل هي انتقالٌ من حال إلى حال، إنها نشاطٌ حيٌّ، وتركيزٌ للانتباه، وحركةٌ للجسم، وإمعانٌ للنظر، وفعلٌ، وتفاعُل.
أما فلاسفة أمريكا فهم الأشد تأكيدًا لفاعلية العمل في التعلُّم؛ فالبراجماتية تَعني فلسفة الفعل يقول جون ديوي: ((التعلُّم يَحدُث عندما نعمل وليس عندما نُلقَّن)) ويؤكد: ((كل تعلُّم حقيقي هو إعادة تنظيم للخبرة من خلال العمل)) ويقول: ((إذا علَّمنا اليوم كما علمنا بالأمس؛ فإننا نسرق المستقبل من أبنائنا)) فالتعلم عنده خبرةٌ حية؛ والخبرةُ الحية هي ملاحظةٌ، وفحصٌ، وإمعانُ النظر، وتفاعُلٌ، وحركةٌ، ونشاطٌ، وفِعلٌ؛ إن ديوي يؤكد بشكل صريح ومتكرر بأن التعلُّم لا يتحقق إلا عبر العمل. ونجد نفس التأكيد على فاعلية العمل في التعلم لدى وليم جيمس فهو يؤكد: ((لا نعرف الشيء حقًّا إلا حين نعرف ما الذي يغيِّره في سلوكنا)) ويقول: ((الفهم الحقيقي لأية فكرة؛ لا يظهر إلا في آثارها العملية)) أما جان بياجيه فيؤكد: ((المعرفة ليست نسخة عن الواقع بل بناء ينشأ بواسطة الفعل)) ويقول: ((الذكاء يتطور عبر العمل على الأشياء)) ويقول عالم التربية الشهير باولو فريري: ((التعليم ليس إيداعًا للمعلومات بل ممارسة فردية)) ويقول: ((التعليم الحقيقي يَحدث عندما يعمل الإنسان على تغيير واقعه)) إن البنية الذهنية للمتعلم تتغير بقدر ما يلاحظ، ويمعن النظر، ويفحص، ويتأمل، ويمارس، ويعمل، ويكرر العمل، ويتحرك، وينشط، ويواجه الواقع، ويتفاعل مع الناس، ويحتك بالأشياء.
وهكذا يتضح أن التعلُّم العميق الفعَّال؛ لا يمكن أن يتحقق إلا بالتفاعل الجياش مع الواقع. وبأن القدرات لا تتكون إلا بالممارسة بدقة، وشغف، ومتعة، وإخلاص، واندفاع؛ حيث يحتشد الوجدان، ويلتحم بالوعي، وبأن القدرات العملية؛ مختلفة نوعيًّا عن المعلومات أو المعارف النظرية؛ فالشخص لا يكون طبيبًا جرَّاحًا بأن يتعلم كل شيء؛ عن تكوين جسم الإنسان، وأعضائه؛ وإنما يتعلم الجراحة من الممارسة تحت توجيهِ وتدريبِ وقيادةِ جرَّاحٍ خبير، إنه لا يحق لعالم الأحياء، أو عالم الفسيولوجيا؛ أن يمارس الطب؛ ليس عن نقص في معلوماته؛ وإنما لأنه لم يتدرب عمليًّا كطبيب. كما أن الفرد لا يكون لاعبًا ماهرًا بقراءة قوانين اللعب، ولا يكون سبَّاحًا بالقراءة عن السباحة، ولا يكون موسيقارًا بأن يقرأ عن الموسيقى، ولا يكون طيارًا بأن يقرأ عن الطيران، ولا خيَّالاً بأن يقرأ عن ركوب الخيل، ولا محاسبَا بأن يقرأ عن المحاسبة، ولا كاتبًا بأن يقرأ عن الكتابة، ولا روائيًّا بأن يقرأ عن الفن الروائي، ولا خطيبًا بليغا بأن يقرأ عن الخطابة، ولا شاعرًا مبدعًا بأن يقرأ عن الشعر، ولا قائدًا بأن يقرأ عن القيادة. إن من يريد إتقان الرماية؛ لابد أن يمارس الرماية حتى يمتلك قدرة التصويب ويصل درجة الإتقان؛ ويقال مثل ذلك عن كل مجال من مجالات الأداء؛ فلابد لاكتساب (المَلَكة) من الممارسة بعناية شديدة، وتكرار الفعل بتركيز؛ وبذلك تتكون المَلَكة ومثلما يقول ابن خلدون: ((المَلَكات إنما تحصل بتتابُع الفعل وتكراره؛ وإذا تُنُوسي الفعل تُنُوسِيَتْ المَلَكةُ الناشئة عنه)) فالأداء مختلفٌ نوعيًا عن المعرفة النظرية ولكن ضوضاء التعليم، وبريق الشهادات؛ غيَّبتا هذه الحقيقة الأساسية الكبرى البديهية. مثلما غمرتا وغيَّبتا حقائق كثيرة.
إن عجز التعليم في كل العالم عن إصلاح ذاته؛ هو أحد الشواهد الضخمة؛ على حقيقةٍ بشريةٍ كبرى؛ وهي أن السوابق عوائق؛ فإذا اتخذتْ الحياةُ مسارًا؛ فإنها لا تتحول عنه مهما اشتد النقد، ومهما تكاثرت العيوب، ومهما تكشَّفت النقائص، ومهما بلغ سطوع الأفكار الناقدة؛ فالتحول عن المسار السائد؛ لا يتحقق؛ إلا بحدوث قطيعة استثنائية فاصلة؛ تُشبه الطفرة في الأحياء؛ وهذه إحدى القضايا الإنسانية الكبرى التي يغيب إدراكها عن معظم الأذهان؛ ليس عن نقص في القابليات لديهم لكن لغياب الاهتمام؛ فالإنسان لا يتفحَّص بعناية ودقة إلا ما يلفت نظره؛ فينتبه له، ويثير اهتمامه، ويتابع الاستقصاء حوله. إن ما أريد التذكير به هو أنه قد بولغ مبالغة شديدة في تعظيم شأن التعليم اللفظي؛ الذي هو في الكثير من الحالات يزيل الأمية الحَرْفية ويستبقي الأمية الفكرية بل إنه في الكثير من الحالات يُرَسِّخ هذه الأمية الأكثر ضررًا، والأشد إعاقةً، والأوسع انتشارًا. لكن رغم هذا الجدب، فقد تم تضخيم التعليم اللفظي؛ حتى كاد يتم إخراج الأميين من دائرة التعقُّل والتمييز؛ مع أن بعض الأميين قد عركتهم تجارب الحياة؛ ففاضوا بالحكمة العميقة، والرؤى السديدة، والمهارات الفائقة؛ بينما ملايين المتعلمين يفتقرون إلى أبسط متطلبات الحكمة، ونفاذ المهارة، وسداد الرؤية. لقد غاب عن الكثيرين أن تعلُّم القراءة في حد ذاته ليس علمًا وإنما هو مجرد مهارة عملية؛ وهذا يستوجب إعادة النظر ووضع الأمور في مسار التقييم السليم.
إن التعليم اللفظي السائد؛ قد سَحَب الأجيال من التعلُّم من معترك الحياة؛ ليغرقهم في تعليمٍ وصْفيٍّ لفظي؛ يحرمهم من فهم الواقع؛ فلو أخذنا طلاب أية مدرسة، إلى البر وطلبنا منهم التعرُّف على مئات النباتات، والأشجار، والأودية، والجبال، والتضاريس الطبيعية، والنجوم، والأنواء، والاتجاهات، وأسماء المكوِّنات الطبيعية للبيئة؛ لو فعلنا ذلك لاكتشفنا الجهل الفاضح؛ بينما أن هذه كانت من المعارف الأولوية لأي طفل عاش في البادية أو في القرى المتاخمة للبادية. وقد نَبَّه إلى ذلك عددٌ من الدارسين الرائعين يأتي في طليعتهم الشيخ حمد الجاسر بمؤلفاته التي غطت التاريخ والجغرافيا والناس. والشيخ محمد العبودي الذي أمد الباحثين بمراجع شاملة عن الأُسر والأماكن والتاريخ. وكذلك الدكتور سعد الصويان الذي أثرى المكتبة بتراثٍ ضخمٍ في مؤلفاتٍ علميةٍ؛ غزيرة المحتوى، ودقيقة الاستنتاج، وذات إحاطة مُلهِمة؛ ومن أبرز مؤلفاته عن صحرائنا وعن أهلها؛ كتاب (الصحراء العربية: ثقافتها وشعرها عبر العصور) وكتاب (الشعر النبطي: ذائقة الشعب وسلطة النص) وكتاب (أيام العرب الأواخر: مرويات شفهية في التاريخ والأدب) وكتاب (أُطروحات أثنولوجية) وكلها قد جاءت في مجلدات ضخمة وهي تستحق أن تُقرأ، وأن تُدرَس، وأن تكون مرجعًا؛ حاضرًا يُحتفى به؛ يربط الحاضر بالماضي من أجل أن تعي الأجيال المنَعَّمة المترفة؛ طبيعة البيئة الصحراوية القاسية التي عاشتها الأجيال السابقة في صحرائهم الجدباء القاحلة. لكن الحياة المصطنعة؛ تحت المكيفات، في الفلل الأنيقة، والحياة الرخية المترفة؛ قد حجبت عنهم حقائق البيئة القاسية التي عاشها أهلهم وأجدادهم.
إن كل ما سبق قد ألهب اهتمامي فصارت هذه القضية العامة من جملة الاهتمامات الملحَّة التي شغلتني طول حياتي؛ فقد لاحظت ضآلة نتائج التعلُّم اضطرارًا، كما لمستُ عَظَمَة الكفايات الإنسانية التي تتشكَّل تلقائيًّا، وأمعنت النظر في روعة الإنجازات الكبرى التي تكوَّنت بالتفاعل التلقائي كتكوُّن اللغات بكل ما تنطوي عليه من ثراء هائل، وتنوع عظيم، وفروقات بالغة الدقة؛ إن الأميين يستخدمون اللغة اليومية بكفاية لا تقل عن كفاية كثير من المتعلمين؛ وينتبهون لأدق الفروق اللغوية مثل الفرق بين لفظة؛ (بُر وبَر و بِر) إن الأمي يستخدم اللغة، ويميز بين هذه الفروقات الدقيقة؛ بمنتهى التلقائية، ليس هذا فقط بل إن الأمي قد يكون شاعرًا عظيمًا؛ يفيض بالإبداع، ويُعَبِّر عن الحكمة في أروع تجلياتها مقابل ضآلة نتائج التعلُّم اضطرارًا، رغم طول مدته، وتعدُّد مراحله، وضخامة تكاليفه، واستمرار الإنفاق عليه، وتنوع متاعبه، وثُقْلِ مسؤولياته، وكثرة التجهيزات اللازمة له؛ وقد لمستُ ضآلة نتائج التعلُّم كُرْهًا أو اضطرارًا، أثناء عملي في إدارة العمل البلدي؛ خلال سنوات حياتي الوظيفية والإدارية؛ فبقيت مقتنعًا اقتناعًا عميقًا؛ أنه يوجد خللٌ جذري؛ في العملية التعليمية في كل العالم، فالتعلُّم الحقيقي؛ لا يحصل إلا بالتحاور التام مع الواقع، والالتحام التام بالمجال، وخلق الإحساس بالمسؤولية، وتكوين الاهتمام التلقائي بالوجب، والتلذذ بالمعرفة، والمتعة بالإنجاز.
وكنت كلما امتد الوقت في مكابدة ضعف الأداء عند مختلف العاملين، تكشَّف الكلال العملي؛ فازددت اقتناعًا بوجود هذا الخلل الجذري. إن تعميم التعليم في كل العالم هو المشروع البشري؛ الأعظم هدفًا، والأعم تطبيقًا، والأكثر التزامًا. لكن نتائجه أقرب إلى الفضيحة؛ إنها لا تتلاءم أبدًا مع السنوات الطويلة التي يقضيها الدارسون فيه، كما أن هذه النتائج لا تتناسب مع ما يؤمَّل منه، ولا مع ما يُبذَل فيه؛ من اهتمام ومال ووقت وطاقة؛ مما يستوجب إحداث تغيير جذري في مضمونه وفي أسلوب أدائه؛ وقد تَوَصَّلْتُ إلى أن الخلل ناشئٌ عن عدد من الأسباب؛ ومن أبرز هذه الأسباب؛ هو التركيز على المعلومات، وإهمال بناء الملَكات؛ فهذا البناء أو هذا التكوين لا يتحقق بحفظ المعلومات وإنما هو مشروطٌ بالإقبال الحميم، وبالشغف المتقد، وبالممارسة الجياشة، وبتكرار الفعل؛ تكرارًا يؤدي إلى تكوين وبناء المَلَكات؛ يضاف إلى ذلك غياب العلاقة الوجدانية مع التعلُّم؛ فأكثر الدارسين؛ لا يتجهون إلى التعلُّم رغبةً في التعلُّم ولا حُبًّا في العلم؛ وإنما ينتظمون فيه؛ كارهين لأنهم مضطرون، إلى مواصلة التعلُّم النظامي؛ فهو السبيل الوحيد للحصول على وظيفة، وتأمين مصدر رزق. وقد ناقشتُ ذلك، في كتاب (عبقرية الاهتمام التلقائي) وبرهنتُ على أن: ((التعلُّم اضطرارًا مضادٌّ لطبيعة الإنسان التلقائية)) ففي ذلك الكتاب؛ وفي كتاب (الريادة والاستجابة) وكتاب (الإبداع والاتباع) وكتاب (إخفاق التعليم) وكتاب (بنية التخلف) وكتاب (الإنسان كائن تلقائي) بجزئيه؛ وكتاب (النبع الذي لا ينضب) وكتاب (وأد مقومات الإبداع) ورغم تباين موضوعات هذه الكتب إلا أنها كلها تتناول الطبيعة البشرية وقابليات الإنسان وما يمكنه أن يحققه من خلال هذه القابليات؛ في كل هذه الكتب؛ قدَّمت شواهد وبراهين استقصائية كافية ومقنعة لمن يهمه معرفة الحقيقة.
المعروف أنه لا ينقطع للتعلُّم عن شغفٍ عميق في العلم، ولهفة قوية بالمعرفة، ورغبة متجددة في التحقق، وتطلُّعٍ محرِّك إلى الاكتشاف؛ سوى قِلَّةٍ من الأفراد؛ ومثلما قال وليم كوبر: ((يبدأ البحث حين يَحدُث أمرٌ يُشعِل خيال المرء: شيءٌ ما؛ يجهله الإنسان، وتصبح مسألة التعرُّف عليه، واكتناهه جذَّابة، وجزئيًّا يصبح ذلك الشيء نفسه مهِمًّا وأخَّاذًا بحد ذاته، وبصورة جزئية أيضا؛ يربط الأمر بإثارةٍ داخلية تحث المرء على معرفة ذلك الشيء؛ ثمة شرارة وتحفيز يجعل عملية التعرف فائقة الإثارة إلى حد يصعب مقاومته؛ هناك التماعٌ وكحال الحب؛ يَعرف الإنسان أنه وقع في أسره)) هذه بعض صفات الذين يتعلمون اندفاعًا. وعكسهم الذين يتعلمون كُرهًا واضطرارًا؛ وهو الغالب عند أكثر من ينتظمون في التعليم بمختلف مستوياته؛ فبعد تعميم التعليم، في كل العالم، وبعد أن صارت الشهادات التعليمية معيارًا للتوظيف، وبطاقةً للدخول إلى أبواب العمل وإلى مصادر الرزق؛ صار الكل يلتحقون بالتعليم ومنهم من يواصلون الدراسة إلى أعلى المراحل؛ ليس حبًّا في العلم ولا رغبة في المعرفة؛ وإنما تَحوَّلت الشهادة الخادعة أو ما يسميها داود الشريان (الورقة القذرة) تحولت إلى مفتاح للوظيفة، وبوابة للرزق، وسُلَّم للوجاهة، ووسيلة للنفوذ؛ فضاع تميُّز القلة الشغوفة المندفعة تلقائيا؛ لقد ضاع أهل الشغف المندفعون للتعلُّم؛ ضاعوا وسط طوفان الذين اضطروا إلى التعلم اضطرارًا. فالجميع يحملون نفس الشهادات أما المضمون فهو شيء يختبئ في الأذهان، فالقلة الشغوفة بالمعرفة؛ تكون مكتنزةً معرفةً، وتزداد اكتنازًا كلما امتدت حياتهم أما الكثرة فهي فارغة وتزداد بالنسيان؛ فراغًا وعطالةً ذهنيًّة؛ ويتجلى هذا الخواء في الكلال العملي.
في العصور القديمة؛ لم يكن يتجه للتعلم سوى قلة من الأفراد الراغبين ذاتيا؛ أما بعد أن صار التعلُّم مصدرًا للرزق فقد صار الكل يتجهون للتعليم؛ إن دخول الكل في ما كان في الأصل من خصائص المندفعين تلقائيا، الباحثين حقًّا عن المعرفة؛ قد أربك المشهد برمته، وإن استمرار التعليم في تجاهُل الفرق النوعي بين المعرفة النظرية، والقدرات العملية؛ قد فاقم الخلل؛ وبذلك تعطَّلَ تكوين الكفايات لدى مختلف الأجيال؛ فالمعلومات هي مجرد مدخل لاكتساب المعرفة والبدء في تكوين المهارات العملية، فالخريجون يأتون إلى مواقع العمل من دون أية مهارات عملية؛ فالأصل أن يكونوا مدركين أنهم قد امتلكوا فقط إمكانية البدء في تكوين المهارات العملية ولكنهم قد أُوهموا بأنهم قد تخرجوا مكتملين؛ فيبقون عاجزين عن الممارسة الحية. وقد أدرك ذلك الخبراء التربويون الذين احتشدوا في بلجيكا فأصدروا كتاب (النظرية المَلَكاتية) حيث قدَّموا تصورًا تربويًّا؛ بهدف تدارك الخلل بجعل سنوات التعليم مجدية معرفيا وعمليا. يقول الدكتور خالد أبو عمشة في تقديمه للكتاب: ((ينطلق الكتاب من مسَلَّمة أساسية؛ مفادها أن الأزمات التربوية المعاصرة؛ من ضعفٍ في نواتج التعلُّم، إلى تفكُّكٍ في البناء المعرفي للمتعلمين؛ لا يمكن معالجتها عبر وصفات تقنية معزولة؛ بل تتطلب رؤيةً فلسفية عميقة تنظر إلى التعلُّم على أنه فعلٌ وجوديٌّ لا مجرد أداة تقنية؛ ومن هنا تتبلور الحاجة إلى نظرية تعليمية تعيد الاعتبار للتدرج، ولزومية التكرار، وتعميق الفهم، وتنمية القدرة على نقل المعرفة، وتوظيفها؛ في سياقات جديدة؛ وهي جميعا سماتٌ جوهريةٌ في نظرية المَلَكة)) ويضيف: ((يُقَدِّم هذا العمل؛ قراءةً متعددة الأبعاد لهذا المفهوم (مفهوم الملكات) في امتداداته النظرية والعملية، ويطمح إلى أن يكون لبنةً في مشروعٍ أوسع؛ لإعادة تأسيس النظرية التربوية)) إن هذا الجهد الفكري التربوي الجماعي؛ يكشف الفرق النوعي بين المخرجات الهزيلة للتعليم؛ مقابل ما يجب أن تكون عليه؛ وكما يقول الخبير التربوي المغربي الدكتور محمد الدريج فيُعَرِّف المَلَكة فيقول: ((المَلَكَة تركيبة مندمجة من قدرات ومهارات واتجاهات تُكتسَب بالمشاهدة والمعاينة وتَرْسخ بالممارسة وتكرار الأفعال في إطار المشكلات ومواجهة موقف)) كما يؤكد أن: ((المَلَكَة قابلة للتطوير والتراكم المتدرِّج ويكون لها تجليات سلوكية خارجية)) فبناء الملكة لا يتحقق بالمعلومات وإنما المعلومات مجرد مدخل لبناء الملكات؛ حيث يبدأ البناء بالممارسة العملية وتستمر عملية التكوين والبناء؛ فلا يوجد سقفٌ ينتهي عنده بناء الملكات وإنما تستمر عملية البناء لكي يفيض الأداء تلقائيا وبسهولة وبشكل مكتمل ومتقَن.
يقول الدكتور خالد أبو عمشة: ((نظرية التدريس بالملكات لا تنطلق من تصور ميكانيكي لعملية التعليم بل ترتكز على تصور عضوي ينظر إلى التعليم بوصفه تراكما تدريجيا للخبرات المعرفية والمهارات حتى تستحيل تلك الخبرات إلى مَلَكَة راسخة أي قدرة نفسية ثابتة لا تتشكل دفعة واحدة)) ويؤكد على أهمية: ((التعلُّم العميق)) ويقول: ((يرى بياجيه أن المعرفة لا تُكتَسب من الخارج بل تُبنى في الذهن عبر نشاطٍ تفاعليٍّ طويل المدى)) ويضيف: ((كذلك نجد صدى الملكة في تصور فيجوتسكي حيث يشترط أن يكون التعليم في سياقٍ تفاعليٍّ مع داعمٍ خبيرٍ عبر التدرج من الاعتماد إلى الاستقلال)) كما يبين أن: ((المقاربات الحديثة تَفهم الكفاية على أنـها القدرة على تعبئة المعارف والمهارات والاتجاهات بشكل مندمج لمواجهة وضعيةٍ معينة)) ويَعرف المهتمون بأن نظرية الملكات كانت مفهومة بعمق في التراث العلمي العربي؛ فيؤكد ابن خلدون: ((أن المَلَكَة صفة راسخة تحصل عن استعمال ذلك الفعل وتكراره مرةً بعد أخرى حتى تترسَّخ صورته وعلى نسبة الأصل تكون المَلَكَة)) كما يؤكد أن: ((نَقْل المعاينة أوعب وأتم من نقل الخَبَر والعلم، فالملكة الحاصلة عن الخبر على قدر جودة التعليم وملكة المتعلم في الصناعة وحصول ملكته)) كما يؤكد ابن خلدون أن: ((الملكات لا تحصل إلا بتكرار الأفعال لأن الفعل يقع أولاً وتعود منه لِلذَّات صفةٌ ثم تتكرر فتكون حالاً ومعنى الحال أنـها صفةٌ غير راسخة ثم يزيد التكرار فتكون مَلَكَةً أي صفة راسخة)) ويضيف ابن خلدون: ((إن الخدمة في العلم والتفنُّن فيه والاستيلاء عليه إنما هو بحصول مَلَكَة في الإحاطة بمبادئه وقواعده والوقوف على مسائله واستنباط فروعه من أصوله وما لم تحصل هذه الملكة لم يكن الحذق حاصلاً في ذلك الفن المتناول))
علينا أن نستحضر في أذهاننا دائمًا؛ أن الذين يضطرون إلى الانتظام في التعليم من غير شغف ولا رغبة بل من أجل الوظيفة، أو الوجاهة، أو النفوذ؛ لا يحصلون على علم بل يحصلون على وظائف؛ فالدماغ البشري؛ لا يَستقبِل، ويتفاعل، ويستوعب، ويستجيب؛ إلا لحاجة، أو رغبة، أو متعة، أو دهشة، أو إثارة؛ وقد نبَّه إلى ذلك علماء وفلاسفة من أمثال برتراند راسل، ووايتهد وآينشتاين وغيرهم فقد أكَّد آينشتاين؛ أن التعلُّم الحقيقي لا يتحقق إلا بالشغف، والرغبة الذاتية في العلم فيقول: ((نبدع نظريات علمية؛ لأننا نجد متعةً فائقةً في أن نَفهَم؛ إننا نستمتع بالفهم؛ ولولا هذا الاستمتاع لما كان هناك علم ولا رياضيات)) ويقول: ((التعليم يعطيك وظيفة؛ أما التعلُّم الذاتي فيعطيك عقلا)) ولقد نادى كثير من الفلاسفة والعلماء والمفكرين والمهتمين إلى إحداث تغيير جذري في العملية التعليمية؛ لكي يأتي التعلُّم بوصفه؛ استجابة تلقائية؛ لجوع العقل، وحاجة ملحة للنفس، وبما يتوافق مع طبيعة الإنسان التلقائية. لكن لم يحصل التغيير المطلوب؛ لأن السوابق عوائق؛ سواء على مستوى الأفراد، أم على مستوى المجتمعات، أم على المستوى الإنساني بأكمله؛ إن بداية تعميم التعليم في العالم؛ لم تبدأ من أجل العلم؛ بل كانت البداية في ألمانيا؛ من أجل تكوين مجتمعٍ منضبطٍ محاربٍ؛ وتم تتويج التجربة الألمانية التعليمية؛ بانتصار ألمانيا على فرنسا؛ فقال بسمارك: انتصرنا على فرنسا بالتعليم؛ فبادرت فرنسا ومن بعدها كل العالم إلى تعميم التعليم على النمط الألماني؛ وحين تم تعميم التعليم في مختلف بلدان العالم؛ ظل محكومًا ببداياته؛ ثم صار من الصعب العدول عما تم التعود عليه؛ فحين ينتظم الناس في اتجاه؛ ويعتادون عليه؛ وحين ينتظمون في مسار؛ فإنه ليس سهلاً التحول عنه؛ وبسبب هذه الطبيعة البشرية العميقة والعقيمة؛ بصلابتها الشديدة؛ وعقمها المعطِّل؛ فإن جهود محاولات التغيير في مختلف المجالات تواجَه بمقاومات عنيدة وصلبة وشرسة.
وما أريد التذكير به هو؛ أن الدارس لا يستجيب ذهنه؛ فيؤثر فيه إلا ما يتفاعل معه؛ عن لذَّةٍ به، أو حاجة إليه، أو عن رغبة فيه، أو انفعال به أو عن اندهاشٍ مثيرٍ له، أو اندفاع نحوه؛ فالإنسان كائن تلقائي؛ إنه يواجه صعوبة شديدة؛ حين يحاول إرغام قابلياته؛ إن التعلُّم كُرْهًا أو اضطرارًا؛ مضادٌّ للطبيعة البشرية؛ إن قابليات الإنسان لا تستجيب كُرهًا، وإذا هي استجابت في حالة التعلُّم اضطرارًا فإن الاستجابة لا تتحقق إلا بمشقة وربما تأتي النتائج عكسية؛ وكما يقول الدكتور ريتشارد أوكونور: ((كلما حاولت الذات الواعية؛ أن تسيطر على ما هو تلقائي؛ زاد شعورنا بالإعاقة؛ فنحن نعتمد على الذات التلقائية في 99 في المائة من أعمالنا اليومية)) فالدارسون ليسوا فقط مضطرين للدراسة، وإنما أيضا الدراسة؛ تأتي مصطنعة، ومتعارضة مع الطبيعة البشرية؛ وجماعية، وغير تفاعليَّة؛ إنه تعليمٌ قسريٌّ، لغويٌّ، وصفي، منفصلٌ عن حركة الحياة.
إن الإنسان لا يتعلم إلا عن طريق التفاعل مع الواقع، والاحتكاك بالأشياء، ومواجهة صعوبات الحياة، والتصدي لتغيرات الوجود، والتأمل في تقلبات الأوضاع؛ إن التعلُّم لا يأتي إلا استجابة لجاجة عقلية، أو مطلب نفسي، أو ممارسة عملية؛ لذلك فإن الأصل أنه خلال القرون الماضية، ومنذ أزمان الإنسان السحيقة؛ كان التعلُّم يَحصُل تلقائيًّا؛ بالتفاعل مع الواقع، والتعلُّم من الممارسة، والتعلم من مجابهة المشكلات، ومن تجاب الحياة؛ فالحياة، وصعوباتها، والتفاعل معها للحصول على الاحتياجات، وتحقيق الرغبات، والسعي نحو الأهداف؛ كان ذلك كله؛ هو المعلِّم الحقيقي الأول. ليس هذا فقط بل إن البشرية؛ خلال عهود الأمية الطويلة الشاملة؛ قد حققت ابتكارات نوعية عظيمة؛ جاء في مقدمتها؛ إبداع اللغات وهي أعظم وأعقد ابتكار حققته الإنسانية بتفاعلاتها التلقائية؛ إن الأهمية الأساسية للغة؛ قد دفعت إلى القول؛ إن الإنسان كائنٌ لغوي؛ فمن دون اللغة ما كان للإنسان إن يحقق أي تطور؛ ومع ذلك فإن الإنسان بدافع الحاجة الملحة إلى التواصل والتفاهم؛ تمكَّن أن يبتكر اللغة؛ وقد بلغت روعة هذا الإنجاز الهائل؛ أن بعض العلماء مثل نعوم تشومسكي؛ كان يعتقد أن اللغة؛ قد خُلِقت مع الإنسان وأنها جزءٌ من تكوينه البيولوجي؛ لكن العلوم المعرفية؛ التي صارت بمجموعها؛ تُسَمَّى (علم المعرفة) أو (علم الإدراك) قد أثبتت بأن اللغةَ ابتكارٌ بشريٌّ جمعي؛ وليست تكوينًا بيولوجيًّا. إن ابتكار اللغات؛ كان وما يزال وسيظل الإنجاز الأعظم إبهارًا، والأشد تعقيدًا؛ ومع ذلك فإن هذا الابتكار الأعقد؛ قد تم إنجازه جماعيًّا وبشكل تلقائي؛ لقد تم ذلك تلقائيًّا؛ بفاعلية ضغط الحاجة إلى التواصل؛ فاللغات البشرية؛ بكل ثرائها، وبكل تعقيداتها، وبكل قواعدها؛ هي نتاجُ التفاعل التلقائي الحي. إن كل من يهمه أن يعرف كيف يتعلم البشر وكيف يبدعون؛ إن عليه أن يتوقف طويلا للتأمل في إبداع البشر لآلاف اللغات، فما تكاد تنفصل أية مجموعة بشرية؛ حتى تتكوَّن لها لغة مغايرة للغات المجموعات الأخرى؛ يتشربها أطفالهم تلقائيَّا، وتستمر الأجيال تتوارثها بشكل تلقائي.
ينبه الفيلسوف الألماني الشهير هانز جورج غادامير في كتابه (بداية الفلسفة): إلى ((التفسير العقلاني للحياة؛ وهي الخطوة التي استهلتها الفلسفة قبل سقراط بشكلٍ تام)) ثم يتوقف مبهورًا عند ظاهرة التكوُّن التلقائي للغة فيقول: ((هناك شيءٌ آخر؛ مادةٌ شديدةُ الغموض؛ شيءٌ يسبق التراث المكتوب بأسره، ويسبق الأدب الملحمي، ويسبق الفلسفة أيضا؛ تلك هي اللغة؛ فاللغة أحد الألغاز العظيمة في التاريخ الإنساني؛ فكيف تشكَّلتْ اللغة؟! إن اللحظة التي يبدأ فيها شيءٌ ما؛ تشغل الفهم الإنساني فيتساءل: متى كان ذلك ؟؟!!)) ويقول عالم الأعصاب الدكتور مايكل ترايمبل في كتابه (الروح في الدماغ): ((اللغة معجزة الجنس البشري)) ويقول عالم اللغة الفرنسي الشهير جوزيف فندس في كتابه المرجعي عن (اللغة): ((في أحضان المجتمع تَكَوَّنتْ اللغةُ؛ وُجِدَتْ اللغةُ يوم أحَسَّ الناس بالحاجة إلى التفاهم فيما بينهم؛ فاللغة تَنتُج من الاحتكاك الاجتماعي؛ وصارت من أقوى العرى التي تربط الجماعات، وقد دانت بنشوئها إلى وجود احتشادٍ اجتماعي)) ويقول: ((الأطفال منذ ميلادهم متيقظون أمام العالم الخارجي؛ فهم قبل أن يُصدروا أصواتًا؛ يكونون على صلة بمن يحيطون بهم بواسطة السمع؛ ويجدون أنفسهم في اللحظة التي يتكلمون فيها؛ منغمسين في تيار التبادل الاجتماعي)) إن ظاهرة التكون التلقائي للغات، وكذلك تشرب الأطفال اللغات واللهجات تلقائيًّا ومن دون أي تعليم؛ لم تنل من الاهتمام ما تستحقه؛ لأن تَكَوُّنها التلقائي؛ يحمل دلالات لا تنتهي؛ إنه يُقَدِّم دليلا كثيفًا وحاسمًا؛ على الكيفية التي يعمل بها العقل البشري؛ وكيف يتعلم تلقائيًّا، وكيف يبدع حين تتأجج قدراته، وتتفتح مواهبه؛ فالإنسان كائن تلقائي؛ إن قابلياته لا تستجيب قسرًا، وإنما تتدفق بالشوق المُلهِم، والرغبة المتقدة، والشغف المتجدد، والتفاعل الحي.
إن الإنسان في أقدم عصوره قد ابتكر الأدوات وابتكر الزراعة، ومع الاستقرار ابتكر بناء البيوت، واستأنس الحيوانات وروَّض الخيل وابتكر السواني واخترع أدواتها المعقدة كما ابتكر السدود والتُّرع وأقام الحصون بل وأنشأ الاهرامات وبنى سور الصين بطوله الهائل وتكوينه المعقد، وأنجز عجائب كثيرة؛ فالأصل في التعلم والعمل أنه استجابة تلقائية للاحتياجات، والرغبات؛ فالأصل في الإنسان؛ أنه يمارس الحياة أميًّا؛ ولكن حين جرى تعميم التعليم، وصار الحصول على شهادة تعليمية؛ شرطًا للحصول على وظيفة، وحين عم الاحتشادُ كل المجتمعات من أجل قسر الأجيال على التعلُّم الجماعي؛ نتَجتْ عن ذلك مبالغة شديدة في قيمة، القراءة والكتابة؛ وانتشرت أوهامٌ معيقة عن دونية الإنسان الأُمِّي، وتأكيد جهله، وتَوَهُّم ضآلة شأنه، وانعدام المعرفة لديه؛ إن كل هذه من الأوهام الكبرى؛ قد أربكت الحياة الإنسانية؛ إن اختراع الكتابة، وابتكار الأرقام؛ قد أنجزه أميون خارقون. إنه يشبه ابتكار اللغات.
إن هذا النقد هو نقدٌ لمن يتعلمون كُرْهًا واضطرارًا أما المعايشة الحميمة مع الكتاب؛ فهي أعظم منجزات الإنسان؛ فلم تكن الحضارة لتبلغ هذا المستوى العظيم الهائل إلا عن طريق التعلُّم العميق؛ ولا يمكن أن يتم ذلك إلا عن طريق التفاعل مع الواقع، والغوص في أعماق المعارف التي تحملها الكتب لكن التعايش مع الكتب لا يأتي قسرًا ولا اضطرارًا إن التعلم من الكتب هو من خصائص المندفعين إلى المعرفة، الشغوفين بالعلم؛ لكنهم منذ وُجِدت الإنسانية؛ لا يمثلون سوى قلة من الأفراد الاستثنائيين الخارقين وعن طريقهم نشأت العلوم، وظهرت الاختراعات، وتطورت الحضارة؛ طاليس، وأنكسميندر، وبارمنيدس، وإنكساغوراس، وجورجياس، وهيراقليطس، واقليدس، وديمقريطس، وأبقراط، وسقراط، وأفلاطون، وأرسطو، وأرخميدس، ودافنشي، وجاليليو، وبيكون، وديكارت، ونيوتن، ومايكل فراداي، وجون لوك، وديفيد هيوم، وآدم سميث، وكانط، وهيجل، ووليم جيمس، وجون ديوي. وماكس بلانك، ونيلز بور، وهايزنبيرغ وآينشتاين وآخرين من مشاعل الفكر وقادة الفعل.
إن ابتكار اللغة التي انبثقت تلقائيا في الحياة اليومية للناس من دون تخطيط أو تصنُّع هي في جوهرها مرآة لعبقرية التفاعل التلقائي؛ فاللغة بكل ثرائها وتعقيداتها؛ ناتجة عن تفاعلٍ جياش وطويل بين الإنسان والعالم، بين الجسد والإحساس، بين التجربة المباشرة والذاكرة الحية؛ لذلك فإن كثيرًا من المفردات الشعبية اللغوية ــ رغم عفويتها ــ تحمل دلالات أكثر عمقًا ودقة من بعض المصطلحات العلمية المصوغة في المختبرات أو اللجان الأكاديمية إن المصطلح العلمي يولد عادة بقرار اصطلاحي محكوم بالمنهج والمقاييس ولكنه لا يحمل حرارة التجربة الإنسانية أما الكلمة التي تتكون في الاستعمال الطبيعي فإنـها تولد من الاحتكاك الفعلي بالعالم ومن الانفعال الحسي المباشر فتأتي أكثر التصاقًا بالواقع الحي وهنا تتجلى فاعلية الطبيعة التلقائية للإنسان لأن ما يفيض منه عفويا يكون في الغالب أكثر صدقا وملاءمة وأكثر تطابقًا مع بنية الوجود ذاته. إن اللغة التلقائية ـــ شأنـها شأن الفن الفطري وشأن التعلم بالممارسة ـــ تحمل معنى ذا مغزى عميق الدلالة وواسع الأثر عن الابتكار التلقائي للغات بكل ما فيها من عظمة وتنوع وثراء يذكرنا بقوة؛ أن التعليم الوصفي عن طريق اللغة وحدها ليس تعلُّمًا طبيعيا وإنما هو تعليم يتعارض مع طبيعة الإنسان التلقائية فالأصل في الإنسان أنه يتفاعل مع الواقع بعقله ووجدانه وأحاسيسه وكل جوارحه.
إن الإنسان منذ وجوده على هذه الأرض وهو يتفاعل بشكل ناجح مع الواقع؛ فابتكر الزراعة، واخترع الأدوات، وأتقن الغزل والنسيج ودجَّن الدواجن والطيور، واستأنس الأغنام وروَّض الحيوانات المتوحشة مثل الإبل والخيول والأبقار وأنشأ السدود وشق الترع وشيَّد القنوات وأقام الاهرامات وبنى القصور وقبل ذلك وبعده ابتكر اللغات بكل ما فيها من عظمة وتنوع وتعقيد. وكل هذا يؤكد سخافة المبالغات عن نتائج التعليم الوصفي، المنفصل عن الواقع، وكأن الأميين خارج نطاق العقل، وأنهم محرومون من التعلُّم؛ مع أن الأصل في التعلُّم أنه يحصل بالاحتكاك بالواقع والتفاعل معه بل وتغيير الواقع.
إن التعليم اللفظي الوصفي القائم على الحفظ والتلقين مضاد لطبيعة الإنسان التلقائية وهو يؤدي إلى تعطيل قابلياته؛ فالعقل لا يتغذى من الكلمات المجردة وإنما ينمو ويتعلم وتتسع مداركه وتتنوع قدراته بالتفاعل الحسي والعقلي مع العالم المادي الحي. إن العقل البشري لم يُصمَّم للتعلم من الكلمات وإنما لا بد أن تكون الكلمات مصحوبة بما تدل عليه وبـهذا التكامل بين الكلمة وما تدل عليه تترسخ في الذهن وتبقى في الذاكرة. إن العقل البشري منذ وجوده على هذه الأرض وهو يمارس حياته ويتعلم بالتفاعل والتجارب والمعاينة فمن رؤية الأشياء وتقليبها وتشكيلها تتكون معارفه وتنبني مهاراته ومن كل ذلك انبثقت لغاته فقد اختـرع الإنسان الأسماء لكل الأشياء وباختلاف الشعوب والأمم اختلفت اللغات وتنوعت اللهجات وكل ذلك تكوَّن بشكل تلقائي. إن الدارس الذي يحفظ النصوص بشكل منفصل عن حركة الحياة؛ لا يمكن أن يكون متعلمًا تعلُّما حقيقيا بل إنه يرغم ذاكرته فيحفظ النصوص من دون فهم؛ إن التعلم الذي لا يكون مدفوعًا بحاجه ذاتيه إلى المعرفة ويكون تعليمه لفظيا منفصلاً عن حركة الحياة ولم تكن المعلومات مقرونة بما تصفه وتتحدث عنه إن تعليمًا على هذا النحو هو إهدار للطاقة واستهلاك للوقت وتضييع للأعمار فالتعلُّم ليس حفظ معلومات بل هو تفاعلٌ جياش، ورؤيةٌ فاحصة وإدراكٌ للاختلافات، والتشابـهات. إن خاصية التعلُّم من الكتب هي خاصية فردية محضة؛ أساسها الشغف التلقائي العميق، والرغبة الشديدة، والولع المتجدد. أما الذين يضطرون للتعلم من الكتب اضطرارًا؛ فإن المعرفة لا تستجيب لهم.
إن عموم الناس يتعلمون بالعمل وبالفعل، وبالاحتكاك المباشر، وبالمشاهدة الفاحصة؛ فمن التعرف على أشياء الوجود بنى الإنسان المعاني وأطلق على كل شيء اسمًا يميزه ويُعَرِّف به؛ فالمعرفة ليست حفظ معلومات وإنما هي بناء ذهني إن هذا البناء الذهني لا يمكن أن يتكوَّن من اللاشيء أو في الفراغ وإنما تتكون المعاني والأسماء من التفاعل الحي مع الواقع وهو تفاعلٌ تشارك فيه العين واليد ومختلف الحواس؛ فالعين ترى، واليد تمسك، والعقل يلاحظ الأشياء في أوضاع مختلفة، وفي أحجام متباينة، وفي أشكال متعددة؛ ثم يلاحظها في أوضاع أخرى؛ فيدرك التغيرات التي تحصل؛ فتنفتح له آفاقٌ جديدة مع كل رؤية، وتنشأ في ذهنه بصيرة طارئة مع كل تغيير يلاحظه؛ فالإنسان كائن يتعلم مما يراه، وما يسمعه، وما يحسه، وما يلاحظه كما أنه يتعلم مما يعمله، وما يمارسه؛ فيتشكل عقله، ويتفتح ذهنه من التفاعل الحي الجياش مع الواقع. وعلى سبيل المثال عن فاعلية التفاعل المباشر مع الواقع؛ أن العلماء والفلاسفة والأدباء قد ظلوا آلاف السنين وهم يعانون قراءة الكتب المكتوبة بخطوط اليد الملتبسة الرديئة، وكانوا يعانون من عدم توفر الكتب، كما كانوا يعانون من قراءة خطوط النسخ الرديئة، ومع كل هذه المكابدات؛ فإن أيًّا منهم لم تخطر على باله فكرة اختراع المطبعة ولكن هذه الفكرة العظيمة الخارقة خطرت في ذهن الحداد جوتنبرغ لأنه أثناء أعمال الحدادة رأى تشكيلات الحدادة، ولاحظ تعدد الأشكال؛ فأوحت له بفكرة المطبعة؛ وليس هذا سوى مثال واحد من آلاف الأمثلة؛ من أمثال جيمس وات، وتوماس إديسون، وهنري فورد، وبيل جيبس، وستيف جوبز، وغيرهم؛ فالتفاعل المباشر مع المادة ورؤية تشكيلاتـها المختلفة خلقت أفكارًا إبداعية لا يمكن أن تخطر في بال الذين يتعلمون من الكلمات ومن النصوص المنفصلة عن واقع الحياة وتفاعلاتـها الخلاقة.
إن التعلُّم من الكتب خاصيَّة فرديةٌ محضة؛ ولا يصح تعميمها؛ ولها شروطٌ ذاتية خاصة؛ مثل خاصية النبوغ في الشعر، أو التميز في أي مجال؛ ثم إن الإثارة القوية، والإبهار المُلْهِب، والحاجة الملحة؛ شروطٌ أساسية للتعلم من الكتب؛ ومثلما يقول عالم النفس الحائز على جائزة نوبل دانيال كاينمان في كتاب (التفكير السريع والبطيء): ((لكي تُعَلِّم الطلاب؛ يجب أن تُدهشهم)) ويقول رتشارد واطسون في كتابه (عقول المستقبل): ((المخ البشري؛ لا يسجل إلا ما يسحره، أو يوجعه، أو يمس شغافه)) أما تشالز نيل فإنه في كتابه (مفاتيح لكل الأبواب) فيؤكد بأن إرغام الذات على التركيز القصدي يأتي بنتائج عكسية؛ فلابد أن يكون التركيز تلقائيًّا فيقول: ((إن كل أشكال المعرفة؛ هي نتاجٌ للتركيز التلقائي؛ ومن خلاله يتحول العقل إلى مغناطيسٍ جاذبٍ؛ حيث الرغبة في التعلُّم تجذب إليها؛ وتجعلها ملك يديك)) إن التعلُّم العميق من الكتب، والمصاحَبة الدائمة للكتاب، ومواصلة البناء المعرفي بالبحث، والاستقصاء، والتحقق؛ إن ذلك؛ يبدأ بإثارة عقلية قوية؛ فإذا اشتعلتْ إرادةُ المعرفة فإنها تستمر في الاشتعال؛ إن الاشعال لا يأتي بتخطيط؛ وإنما يجد الفرد نفسه أمام تساؤلات مثيرة ومحيرة فتتقد رغبته في التحقق؛ وإذا اتقد الفكر فإنه لا يهدأ؛ فيكون التعلُّم اندفاعًا تلقائيًّا متجددًا؛ مصحوبًا بمتعة غامرة؛ إن التعلُّم من الكتب، لا يكون مجديًا إلا إذا جاء استجابةً لتساؤلات ذاتية حارقة، وظل مطلبًا عقليًّا ملحًّا، وحاجةً نفسية عميقة، وولعًا معرفيًّا فائرًا؛ إن العيش بين الكتب هو من نصيب القلة الذين اندلعتْ فيهم الحاجة إلى التحقق؛ إن التعلم من الكتب لا يكون فاعلاً إلا حين يجيب على تساؤلات محيرة، ويلبي مطالب عقلية ذاتية عميقة. إن الغارقين بين الكتب؛ يستمتعون بالمعرفة، ويتلذذون بالقراءة، ويعيشون مع الكتب شغفًا مريحًا، واُنْسًا متجددًا؛ إنهم لا يطيقون مفارقة الكتب؛ إن الكتب هي عندهم خير جليس، وأروع أنيس، وأكرم مرافق، وأنبل صديق؛ إنهم في ولعٍ متجدد، إنهم يجدون لذةً غامرةً؛ في البحث والاستقصاء ومعايشة الأفكار، إن أحدهم يتشمَّم رائحة الكتب وكأنها أروع روائح العطر؛ بذلك وحده تكون قراءة الكتب سُلَّمًا للصعود إلى أرفع درجات المعرفة، وأنصع تجليات الفكر أما الذين يتجرعون المقررات المدرسية تجرُّعًا فإنهم يكابدون التعلُّم ولا يبقى منه في أذهانهم سوى أشباح معرفة؛ فالذاكرة البشرية، لا تُغتصَب، إنها ترفض الارغام، ولا تَحتفِظ إلا بما تهواه النفس؛ لذلك يعاني ويكابد التعلُّم الذين يضطرون إلى حفظ مقررات لا يجدون فيها ما يتلاءم مع خلجات نفوسهم، ولا هي استجابة لتساؤلات تحيِّرهم؛ فالإنسان كائن تلقائي؛ فكل استجاباته محكومة بردود فعله؛ ومع أن الدماغ مرن إلا أنه لا يستجيب للقسر، ولا ينقاد بالإرغام، وإذا أُرغم اكتسب نفورًا يصعب البرءُ منه؛ ومن هنا يمزق كثير من التلاميذ كتبهم بعد انتهاء الدراسة. 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى