المقالات

لا سلَّمَ اللهُ المؤامرات!!

ثمّة عبارات تولد من رحم الألم، لا تصنعها النخب ولا تُروَّج في المنابر، بل تتشكّل تلقائياً على ألسنة الشعوب حين يفيض الكيل. عبارات تختصر تجربة كاملة من الخذلان والدم والنهب وانتهاك الكرامة. وحين تتكرّر هذه العبارات في أكثر من بلد، وبصيغ متقاربة، فذلك ليس تواطؤاً لغوياً، بل شهادة شعبية على نمطٍ واحدٍ من السلوك السياسي. لقد بات التدخل في شؤون الدول، ودعم جماعات مسلحة خارج إطار الدولة، وتمويل الفوضى بدل الاستثمار في الاستقرار، سلوكاً مكشوفاً مهما تغيّرت مسمّياته. والنتيجة واحدة: دول تتآكل، مجتمعات تُنهك، أعراض تُنتهك، وأموال عامة تُستباح بلا وازع ولا مساءلة. والمفارقة التي لا تخطئها العين أن هذا العبث لا يصدر عن دول مسحوقة تبحث عن موارد، بل عن حكومات تملك فائض المال، وشح السكان، وضيق الامتداد الجغرافي والبشري. وبدل أن يُستثمر هذا الفائض في بناء نموذج متوازن يحترمه محيطه، يُستخدم كوقود لمغامرات خارجية لا تسندها الحكمة، بل المراهقة السياسية، كأن المال قادر على تعويض غياب العمق، وكأن النفوذ يمكن شراؤه كما تُشترى الصفقات.

وفي عمق هذا السلوك، يبرز عامل نفسي لا يمكن تجاهله: عقدة النقص السياسي. فحين لا يمنح الحجم الطبيعي الإحساس الكافي بالثقل، يتحول النقص إلى هوس إثبات. وحين تفشل الدولة في بناء قيمة داخلية راسخة، تبحث عن حضورٍ مصطنع في خرائط الآخرين. هنا لا يعود التدخل سياسة، بل تعويضاً، ولا يصبح النفوذ تعبيراً عن قوة، بل استعراضاً صاخباً لإقناع الذات قبل العالم. ويبلغ التناقض ذروته حين تُعقد المعاهدات مع عدوٍّ واضح، ويُصافَح باسم «الواقعية»، بينما يُخاصَم القريب باسم «السيادة». تُستدعى مقولة «عدوّ عدوي صديقي»، لكنها تنقلب إلى معناها الأكثر فجاجة: عدوّ أخي… صديقي. فيغدو من يهدد الأمة شريكاً، ويُعامل من يشارك الدم واللغة والمصير كعبء يجب تحييده أو العبث به.

ومن بين أشد المشاهد إيلاماً التي تختصر معنى العبث بالإنسان والطبيعة، أن ترى امرأةً مشنوقة على جذع شجرة، ضحية للظلم والعنف، في أرضٍ أنهكها السلاح، وفي الوقت نفسه تُجتث شجرة نادرة من موطنها الطبيعي وتُحمل بعيداً، كما لو أن السلطة تريد إثبات سيطرتها على كل شيء، حتى ما خُلق ليبقى في بيئته. المشهدان مختلفان في الشكل، متطابقان في المعنى: حين تُفقد السياسة إنسانيتها، يصبح الإنسان والأرض هدفين متساويين للبطش. وليـت هذه الدول المتعطشة للخراب تقتدي بسلوك المملكة العربية السعودية، التي لطالما قدّمت نموذجاً مغايراً في إدارة الأزمات، داعمةً للشعوب العربية والإسلامية، وممتدة الأيادي البيضاء حتى لشعوب غير إسلامية، إغاثةً ومساعدةً بلا وصاية ولا استغلال، وبعيداً عن صناعة الفوضى أو الاستثمار في الانقسام. ويكتمل هذا المشهد العبثي بدورٍ إعلامي لا يقل خطورة عن السلاح؛ إعلامٍ امتهن الكذب بوصفه سياسة لا خطأً عارضاً. فمن جهة، يُنفق بسخاء على تضخيم سرديات تاريخية مصطنعة، وادعاء «اكتشافات أثرية» تُساق لإثبات قِدم الإنسان على أرضٍ لم تسعفها الشواهد بقدر ما أسعفها المال، في محاولة محمومة لشراء الجذور حين يغيب العمق.

ومن جهة أخرى، ينحدر الخطاب ذاته إلى مستوى الابتزاز الرخيص، لا عبر منصات هامشية أو أصوات مغمورة، بل على ألسنة مسؤولين وقيادات حاليين وسابقين في أجهزة الدولة، يلوّحون بنشر صور ومقاطع خاصة، تشمل مواد ذات طابع عائلي وشخصي محض، في سلوك يُجَرِّم ذاته أخلاقياً وقانونياً، وكأن التهديد بفضح الخصوصيات وانتهاك الحُرمات بات سياسة مُعلنة. وهذا السقوط المزدوج ليس تناقضاً، بل اعترافٌ فاضح: اعتراف بأن التاريخ يُفبرك، وبأن ما يجري خلف أبواب الفنادق ليس سياحة ولا انفتاحاً، بل بيئة رخوة تتقاطع فيها المصالح مع أساليب العصابات. هكذا يفقد الإعلام وظيفته الأخلاقية، ويتحوّل من رواية الحقيقة إلى حارسٍ للكذب، ومن قوة ناعمة إلى سلاحٍ قذر، يفضح أصحابه أكثر مما يسيء إلى خصومهم، ولا تقف آثار هذا الانحدار عند حدود الخصوم، بل تمتد إلى دوائر الأصدقاء، فتتحول العلاقات التي يجب أن تقوم على الاحترام والشراكة إلى عبء مؤقت، ويغدو الجميع مشاريع أزمات مؤجلة. لقد علّمنا التاريخ أن الدول التي تبني حضورها على الفوضى تحصد العزلة، وأن من يستثمر في المليشيات يخسر الدول، وأن المال حين ينفصل عن الحكمة يتحول من نعمة إلى نقمة.

وهكذا، حين ينحدر الإعلام من منصة سردٍ إلى أداة ابتزاز، ومن مرآة مجتمع إلى غرفة تهديد، فإن المؤامرة تكون قد بلغت ذروتها… لا قوتها. فالمؤامرات لا تسقط حين تُكشف فقط، بل حين تفقد غطاءها الأخلاقي، وحين يعترف أصحابها — من حيث لا يدرون — بأنهم لا يملكون حجة سوى التشهير، ولا تاريخاً سوى ما يصنعه المال، ولا نفوذاً سوى ما تفرضه الفوضى. عندها يبدأ العدّ التنازلي. لأن السياسة التي تُدار بالكذب، والإعلام الذي يُبنى على الفضائح، والنفوذ الذي يقوم على انتهاك الخصوصيات، كلها قوى مؤقتة، تنقلب على أصحابها قبل خصومهم. فالقوة الحقيقية لا تُقاس بعدد الساحات المشتعلة، بل بقدرة الدولة على بناء احترامٍ لا يحتاج إلى فرض. لا سلام يولد من المؤامرات، ولا نفوذ يدوم بعد سقوط القيم، ونهاية الظلم ليست احتمالاً… بل موعداً محتوماً.

د. عبدالله علي النهدي

عضو هيئة التدريب في معهد الإدارة العامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى