الثقافيةالمقالاتعام

قراءة في متلازمة المحتال: بين ضوء النجاح .. وظلّ الشك

✍️جمعان البشيري 

تعقيب على حديث الكاتبة لبنى الخميس في برنامج الليوان وإلحاقًا بما نشرته صحيفة مكة الإلكترونية في 9 مارس 2026 الرابط :

https://www.makkahnews.sa/5495478.html

حول حديث الكاتبة والباحثة لبنى الخميس في برنامج «الليوان» الذي يقدّمه الإعلامي عبدالله المديفر، وما تناولته من شرحٍ لافت لمفهوم متلازمة المحتال التي قد تصيب بعض أصحاب الإنجازات والنجاحات الكبيرة،
يأتي هذا التعقيب محاولةً لإضاءة جوانب أخرى من هذه الحالة النفسية التي تبدو في ظاهرها مفارقة عجيبة؛ إذ تطارد أحيانًا أولئك الذين يقفون في الصفوف الأولى من التميز والكفاءة.
فقد يظن المتلقي لقصص النجاح أن أصحابها يعيشون في يقينٍ كامل بثقتهم وقدراتهم، وأن طريقهم مفروش بالاطمئنان الداخلي كما هو مفروش بالإنجازات.
غير أن النفس البشرية أكثر تعقيدًا من هذه الصورة المبسطة؛ إذ كثيرًا ما يسكن داخل بعض الناجحين صوتٌ خافت يهمس لهم بأن ما حققوه ربما يفوق ما يستحقونه، أو أن ما نالوه من تقدير قد يكون مبالغًا فيه. ومن هنا تبدأ حكاية ما يُعرف في علم النفس بـ متلازمة المحتال.
ما طرحته الكاتبة لبنى الخميس يفتح نافذة عميقة على جانب خفي من النفس البشرية؛ جانب لا يراه الناس في قصص النجاح، لكنه كثيرًا ما يسكن قلب صاحبها. فكم من إنجازٍ يصفق له العالم، بينما يقف صاحبه في داخله متسائلًا: هل أنا حقًا أهلٌ لكل هذا؟
إن المفارقة التي أشارت إليها الخميس ليست غريبة على طبيعة الإنسان؛ فكلما ارتفع المرء في مدارج التميز، اتسعت دائرة الضوء حوله، ومع الضوء تتكاثر الأسئلة. فالنجاح لا يثقل الكاهل بالمسؤولية فحسب، بل يفتح باب المقارنة والمحاسبة الذاتية، حتى يجد الإنسان نفسه أحيانًا أسيرًا لتوقعات الآخرين أكثر من كونه مستمتعًا بما حقق.
ولعل ما أشارت إليه الكاتبة لبنى الخميس في حديثها يتجلى في أمثلة معروفة؛ فالعالم ألبرت أينشتاين – رغم ما أحدثه من ثورة علمية غيّرت فهم البشرية للزمان والمكان – كان يعترف أحيانًا بشعورٍ داخلي بأنه قد يُكتشف يومًا أنه ليس بذلك العبقري الذي يراه الناس. وكذلك الشاعرة والكاتبة الأمريكية مايا أنجيلو، التي ألهمت ملايين القراء، كانت تقول إنها بعد كل كتابٍ تنشره يساورها إحساس بأن أحدًا سيأتي ليكشف أنها خدعت الجميع بنجاحها.
وإذا كان هذا الشعور قد مرّ بعقول علماء وأدباء كبار، فليس مستغربًا أن يظهر أيضًا في عالم الفن؛ حيث عبّر الممثل العالمي توم هانكس عن إحساس مشابه حين قال إنه قد يأتي يوم يكتشف فيه الناس أنه مجرد شخص محظوظ كان في المكان المناسب في الوقت المناسب. وهو اعتراف يكشف أن النجاح الكبير لا يمنع أحيانًا من وجود ظلٍ خفي من الشك الداخلي.
وهذه الظاهرة لا تقف عند حدود العلماء أو الفنانين، بل قد نجدها في ميادين عديدة؛ في التعليم، والإدارة، والكتابة، والإعلام. فكثير من المعلمين المتميزين – على سبيل المثال – قد يشعرون أحيانًا بأنهم لم يقدموا ما يكفي رغم الأثر العميق الذي يتركونه في طلابهم، وكثير من الكتّاب قد يترددون قبل نشر نصوصهم لأنهم يخشون ألا ترقى إلى مستوى توقعات القراء.
ومن هنا تتجلى المفارقة العميقة؛ فالأشخاص الذين يشعرون بهذا القلق هم في الغالب الأكثر حرصًا على الجودة، والأكثر رغبة في التطوير. فالإحساس بعدم الاكتفاء قد يكون في بعض الأحيان وقودًا يدفع صاحبه إلى بذل مزيد من الجهد، وإلى السعي المستمر لتحسين أدائه.
غير أن المشكلة تبدأ حين يتحول هذا الشعور من حافزٍ للتطور إلى عبءٍ نفسي يثقل صاحبه ويحرمه متعة الإنجاز. ولذلك فإن التعامل مع هذه المتلازمة – كما أشارت لبنى الخميس – يحتاج إلى قدر من التوازن النفسي، وإلى بيئة إنسانية داعمة تذكّر الإنسان بقيمة ما يقدّم، وتساعده على رؤية نفسه بموضوعية بعيدًا عن جلد الذات المفرط.
كما أن قدرًا من خفة الروح قد يكون أحيانًا أفضل علاج لهذه الحالة؛ فالسخرية اللطيفة من هذه الهواجس تضعها في حجمها الطبيعي، وتمنعها من التحول إلى قيدٍ نفسي يحدّ من الإبداع.
إن النجاح في جوهره ليس لحظة يقينٍ مطلق، بل رحلة طويلة بين الثقة والتساؤل، بين الضوء والظل. وإذا كان بعض الناجحين يخافون من الضوء كما قالت الخميس، فذلك لأن الضوء لا يكتفي بإبراز الإنجاز، بل يكشف أيضًا إنسانيتنا بكل ما فيها من شكوك وتساؤلات.
غير أن الحقيقة الأعمق تبقى أن الإنجاز الحقيقي لا يولد من الغرور، بل من ذلك الصوت الداخلي الذي يقول دائمًا: ما زال الطريق أمامك أوسع مما قطعت.
همزة وصل :
لعل هذا الصوت – على الرغم من إزعاجه أحيانًا – هو ذاته الذي يدفع الإنسان إلى أن يكون أفضل مما كان عليه بالأمس، وأن يظل في رحلة التعلم والنمو ما دام في العمر متسع للأمل والعمل.

جمعان البشيري

محرر صحفي - جدة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى