عندما اجتاحَ العالمُ وباءُ كورونا، وارتبكَ الزمنُ في سويعاتٍ، حينها ظهر التعليم عن بُعْد من الهامش إلى الضوء، لا كضيفٍ عابر، بل كمنقذٍ يُمسِك بيد المعرفة وهي على شَكّ الانهيار. تحت أهميته كانت استجابة وزارة التعليم ومؤسساتها مثالية، وتغنّت به خطابًا ومنهجًا، حتى بدا وكأنه الوعد الجديد، والوجه المشرق لمستقبلٍ تتعلّم فيه العقول بلا جدران، وتسافر فيه المعرفة بلا حقائب.
في تلك المرحلة، تحوّلت الشاشات إلى نوافذ، والنقرات إلى خطوات، والصوت العابر عبر الأثير إلى درسٍ نابض بالحياة. حيث كان التعليم عن بُعْد أشبه بسحابةٍ ماطرة، هطلت فجأةً على أرضٍ بور، فأحيت زرعًا بعد يباس، ومنحت الطلاب والمعلمين لغةً جديدة للتواصل، وأثبتت أن العلم لا يُقاس بمساحة القاعة، بل باتساع الفكرة وكيفية إيصال المعلومة.
غير أن العاصفة هدأت، وعاد العالم إلى إيقاعه القديم بعد انتِهاءِ الجائحة، فإذا بالنشيد الذي ملأ الآفاق يخفُت صوته شيئًا فشيئًا، فبعض الجامعات، للأسف، تعاملت مع التعليم عن بُعْد كحالةٍ طارئة، لا كتجربةٍ جديرة بالتطوير والاهتمام، حيث طُويت صفحته كما تُطوى صفحة عام مضى، وكأن الدرس انتهى بانتهاء الجائحة، لا بها بدأ.
المفارقة أن التعليم عن بُعْد لم يكن وهمًا ولا ترفًا، بل أثبت جدارته حين ضاقت الخيارات، لقد كشف عن المرونة في قدرة التعليم والتعلم على التشكّل، لكن الإهمال الذي لحق به بعد ذلك كشف عن أزمة أعمق، وهي أزمة إيمان لا أزمة وسائل. فالفكرة التي لا تُسقى بالاستمرارية، تذبل ولو كانت جيدة. كما هو الحال في الوضع الراهن، فإن تجاهل التعليم عن بُعْد اليوم يشبه إنكار قيمة الجسر بعد عبور النهر، أو إطفاء المصباح لأن النهار أسفر وشع نوره، مع أن الليل قد يعود في أية لحظة. فهو ليس بديلًا عن التعليم الحضوري، بل ظله، وحليفه، وخياره الذي ينتظر من يعترف بحاجته إليه. ومن يقول بأن التعليم عن بُعْد أفقد التعليم التواصل اللفظي والبصري أو التفاعل في القاعة الدراسية، نستطيع بالقول أن من لديه المهارة من خلق بيئة فصل حضوري أكثر تفاعلاً ونشاطًا قادر على أن يخلقها عبر الأثير.
يبقى السؤال الأبرز مبهَمًا في ساحة التعليم: هل كان احتفالنا بالتعليم عن بُعْد نابعًا من قناعة، أم كان حاجة الضرورة آنذاك؟ فالإجابة وحدها ستحدد إن كان سيظل ذكرى من زمن الجائحة، أم بذرة حقيقية لمستقبل تعليمي أكثر اتساعًا ومرونةً.
0






