أسهم اكتشاف الموارد الطبيعية التي تجود بها الأرض من نفط وغاز ومعادن عبر العصور في تحسين جودة الحياة لدى الإنسان. ففي العصر الزراعي كان اعتماد الناس على الأخشاب في التدفئة وطهي الطعام، وبعد اكتشاف جيمس واط للمحرك البخاري في القرن الثامن عشر بدأ ما يُعرف بعصر الاقتصاد الصناعي. وفي هذا العصر كان للفحم الحجري دورٌ بارز بوصفه مصدرًا بديلًا للطاقة عن الخشب، لما يتميز به من كفاءة عالية وتكاليف منخفضة، الأمر الذي أسهم في تسهيل عمليات التصنيع وتوزيع المنتجات.
وفي عام 1847م لاحظ الكيميائي الاسكتلندي جيمس يونغ تدفق سائل غريب من أحد مناجم الفحم، فتمكن من استخلاص زيت خفيف استخدمه في إنارة المصابيح، وحصل بموجب هذا الاكتشاف على براءة اختراع.
وكان هذا الاكتشاف بمثابة الشرارة لانطلاق عدد من الاختراعات المهمة التي غيّرت وجه التاريخ البشري. فقد اكتشف الجيولوجي الكندي أبراهام جيسنر عام 1846م سائلًا جديدًا من الفحم والزيت الصخري أطلق عليه اسم الكيروسين، والذي شكّل تحولًا جذريًا في مستقبل الطاقة. واستُخدم هذا السائل في إضاءة شوارع المدن الأمريكية آنذاك، وأسهم في تحسين جودة الحياة، وكان علامة على بداية عصر التكنولوجيا الصناعية، ليصبح النفط والغاز لاحقًا مصدرًا يدر ملايين الدولارات يوميًا للشركات المشغلة للآبار والمرافق.
ومنذ اكتشاف النفط والغاز لم يعد الأمر مجرد مصدر للطاقة، بل قوة أعادت رسم خريطة الاقتصاد والسياسة عالميًا. فهناك دول ارتقت وازدهرت بفضل مواردهما المالية، وأخرى رهنت مصيرها بهما وحدهما دون أن تبحث عن بدائل، فأصبح النفط نعمةً للبعض ونقمةً على البعض الآخر.
فالنفط يجب أن يكون وقودًا للتنمية البشرية، يُموِّل بناء المؤسسات التعليمية بمختلف أشكالها، والمستشفيات والمراكز الصحية، والطرق والجسور والأنفاق، ويمنح الدولة فرصة لبناء اقتصاد حديث لا يعتمد على الإنتاج والتكرير فقط، بل يتحول إلى الاستثمار في بناء الإنسان وصناعة المستقبل، لا إلى مجرد دخل عابر ينتهي بنضوب الآبار.
ويجب أن ندرك جميعًا أن الموارد الطبيعية من نفط وغاز وغيرها لها عمر محدود، وأن الاعتماد المفرط عليها يقتل روح الإنتاج، ويضعف المبادرة، ويحوّل الدولة إلى اقتصاد ريعي ينتظر سعر البرميل بدلًا من استثمار العقل البشري الذي وهبه الله للإنسان ليبدع ويبتكر ويفكر ويصنع اقتصادًا بديلًا لا ينضب، وهو اقتصاد المعرفة.
فالمعرفة هي التي رفعت دولًا كثيرة إلى مراتب متقدمة عالميًا رغم أنها لا تمتلك نقطة نفط واحدة. فمنتجات النفط والغاز والمعادن تُباع مرة واحدة، في حين أن منتجات العقل البشري من أفكار وابتكارات وإبداعات تُباع مراتٍ لا تُحصى. وصدق القائل:
«إن عطاء الأرض محدود، وعطاء العقل ليس له حدود».
ومن هنا جاءت رؤية سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان –يحفظه الله– التي تقوم في جوهرها على تنويع مصادر الدخل للمملكة، والانتقال من الاعتماد على النفط والغاز فقط إلى الاعتماد على ما ينتجه عقل المواطن السعودي المبدع، الذي وصفه سموه ذات يوم بأنه جبل طويق.




