في عامه الأخير، خرج شاعر اليمن عبد الرحيم البرعي حاجًّا، فلما قارب مكة، هب عليه النسيم رطبًا عليلًا، معطرًا برائحة الأماكن المقدسة، فغلبه الشوق، فأنشد:
يا راحلين إلى منى بقيادي … هيجتمو يوم الرحيل فؤادي
ويلوح لي ما بين زمزم والصفا … عند المقام سمعت صوت مناد
ويقول لي: يا نائما جد السرى … عرفات تجلو كل قلب صاد
من نال من عرفات نظرة ساعة … نال السرور، ونال كل مراد
تلك هي مكة المكرمة في قلب كل مسلم: جنة روح، وشفاء قلب، وقرة عين، وسكينة جوارح. بلاد يسكنها شرف المكان، ويعتادها شرف الزمان، وبها، وفيها، ولها يشرف الإنسان.
إن أجمل ما قيل عن هذه المدينة المقدسة هو حب النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- لها، وتفضيله لها على سائر البلدان، ووصفها بالبلد الأمين، وأنها مأوى الأمان والسكينة والراحة الروحية. فكانت مكة المكرمة في قلوب المسلمين موطن الشوق والحنين، وملاذ الأمان الذي تتجه إليه الأفئدة قبل الأجساد، وتتجسد فيه آيات الإعجاز الإلهي. إنها مدينة الركن الخامس من أركان الإسلام، حج البيت لمن استطاع إليه سبيلًا.
إن مكة المكرمة ــ عمرها الله ــ لم تكن طوال تاريخها مدينة روحية فحسب، بل هي مع ذلك مدينة عقلية وحضارية. لم تكن مدينة للدين فقط، بل هي مدينة للدنيا أيضًا. ولئن كان (تديين) مكة واجبًا أصيلاً، فكذلك (تمدينها) واجب أكيد.
ولذلك شهدت هذه المدينة المقدسة، على مر تاريخها، حركة حضارية لا تخطئها العين. وحسبك أن تنظر إلى آثارها المعمارية الحجازية التي شكلت أسلوبًا مميزًا في تاريخ العمارة الإنسانية.
وإضافة إلى (العمران)، شهدت مكة حركة علمية ثرَّة، وحيوية تجارية مشهودة، ودبلوماسية سياسية فريدة. ما أريد أن أقوله: إن مكة ليست عاصمة روح فحسب، بل هي عاصمة حضارة كذلك، ولذلك حق لها أن تكون أجمل مدن العالم.
وها هي مكة المكرمة تنتفض حاليًا لتكون عروسة مجلَّة تسر الناظرين، تنظر بعينين طامحتين إلى غد أجمل ومستقبل أنضر، وذلك نتيجة مشروع “بوابة الملك سلمان” الذي أمر به خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز ـ حفظه الله ورعاه ـ وأعلن عنه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان ـ يحفظه الله ـ. وهو مشروع ضخم يهدف لتطوير 12 مليون متر مربع بالقرب من الحرم المكي الشريف، لتعزيز البنية التحتية، وتوفير مرافق سكنية وتجارية فاخرة، ورفع الطاقة الاستيعابية لاستقبال حوالي 900 ألف مصلٍ، وذلك ضمن رؤية سمو ولي العهد ـ حفظه الله.
ونحن على يقين بأن مشروع “بوابة الملك سلمان” التطويري سيضيف لمكة المكرمة حداثتها دون أن يسلبها عبقها، وسيشكل حاضرها دون أن يطمس ماضيها، وسيعطيها بريق الحضارة دون أن يأخذ منها أصالة التراث.
فليدم لمكة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان ـ أيدهم الله ـ اللذان عاشت مكة في قلبيهما، وما بخلوا عليها بشيء.


