المقالات

أعلام مكية تتلمذتُ على أيديهم بقلم: أ.د. بكري عساس

أشير هنا بعرفان إلى عددٍ من الأساتذة الكبار الذين رسخوا في الذاكرة بما تميزوا به من علمٍ راسخ، وقدرةٍ فريدة على صناعة طلابهم. وأحب هنا أن أذكر نماذج أخرى ما زالت حاضرة في الذاكرة.
من هؤلاء فضيلة الشيخ الجليل الدكتور علي بكر الكنوي، المدرس بالمسجد الحرام وبكلية الشريعة، كان عالمًا جليلًا، وصاحب أسلوبٍ جذابٍ مؤثر. أذكر أنه فسر لنا مرة سورة الأحزاب حتى كأننا نرى المعركة أمام أعيننا! وما تزال أحاديثه ودروسه عالقة في الذهن بصوته المميز ووقاره المهيب.
وأذكر من هؤلاء المربي القدير الأستاذ هاشم مقيبل – رحمه الله –، فقد درسنا في مدرسة مكة الثانوية مادتي الفيزياء والرياضيات، وكان يقول لنا كل صباح: «أنا أقبل من الطالب كل شيء إلا الغش». كان يقبل الخطأ والاعتذار وإعادة الاختبار والسؤال والإيضاح، ويجبر عثرات الطلاب.
وأذكر أيضًا من هؤلاء الكبار الأستاذ سراج صالح دبلول – رحمه الله –، الذي درسنا في المدرسة الناصرية الابتدائية. فبالإضافة إلى تمكنه من مادة اللغة العربية – التي أصبحت بسبب أسلوبه المادة المفضلة لدينا حتى كنا ننتظر حصته بفارغ الصبر – لم يكن دوره مقتصرًا على تعليم قواعد اللغة العربية فحسب، بل كان يقدم المعرفة والفكر، وينمي المهارات الفنية، ويعزز السلوكيات الحسنة التي جاء بها نبينا ﷺ وحث عليها ديننا الحنيف.
ومنهم الإعلامي والمذيع الأستاذ حسين نجار، فقد تتلمذت على يديه في مادة اللغة العربية في المدرسة الناصرية بحي المسفلة بمكة المكرمة. كان معلمًا قديرًا يتميز بتمكنه العلمي الدقيق ومهاراته الفائقة في إدارة الفصل الدراسي، حيث جمع بين الصفات الشخصية كالصبر والشغف، بالإضافة إلى قوة الشخصية والمهارات التربوية التي توازن بين الشرح الممتع ومراعاة الفروق الفردية بين طلابه.
وعندما كنا طلابًا في مدرسة بلال بن رباح المتوسطة بالمسفلة، كان مدير المدرسة آنذاك المربي الكبير الأستاذ جميل عطار – رحمه الله –، وهو قيادي تربوي من الطراز الرفيع، يتمتع بقوة الشخصية مع الطيبة وحسن التعامل مع طلاب المدرسة. كان لديه قائمة بأسماء طلاب الأسر المحتاجة، وكان يعطي كل طالب منهم يوميًا ورقة يقدمها في الفسحة الكبرى للمقصف، فيُصرف لهم بموجبها ساندويتش مع مشروب.
وأختم بمعالي الدكتور عبدالعزيز خوجة، وزير الثقافة والإعلام الأسبق وسفير خادم الحرمين الشريفين في أكثر من بلد. فقد درسني مادة الكيمياء العضوية بأسلوب عصري أقرب ما يكون إلى المنطق، وكان ذلك إبّان عمادته لكلية التربية بمكة عندما كانت تابعة لجامعة الملك عبدالعزيز. كان سمح المحيا، مشرق الوجه، جيد الشرح، حسن الإفهام، يخلق روحًا عالية من التنافس بين طلابه، وكان دقيق الإشراف قوي المتابعة.
هذه نماذج لبعض الأساتذة السعوديين الكبار الذين تشرفت بالتلمذة على أيديهم. أردت من ذكرهم أن أُبيّن أن الأجيال لا تنسى، وأن التعليم الحق يبقى أثره وإن ارتحل صاحبه.

أ. د. بكري معتوق عساس

مدير جامعة أم القرى سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى