لم أتعلم وضع المسافة لأنني لا أُجيد القرب،
بل لأنني كنت أُفرط فيه.
أقترب حتى أنسى نفسي،
وأمنح حتى أُرهق قلبي،
ثم أتعجّب : لماذا يؤلمني الخذلان بهذا العمق؟
الحقيقة التي لا نحب الاعتراف بها :
أن بعض الأوجاع لم يصنعها الآخرون وحدهم،
بل صنعناها حين اقتربنا أكثر مما يحتمل وعينا،
وحين منحنا مشاعرنا بلا حدود
لمن لا يعرف أين يضعها.
مسافة الأمان ليست برودًا،
هي ترتيب داخلي،
ووعي متأخر يقول:
ليس كل من طرق الباب يستحق الدخول،
وليس كل من ابتسم يستحق أن نفتح له القلب.
الخذلان لا يأتي فجأة،
يأتي على مهل…
في كلمة لم تُراعَ،
وفي غياب لم يُبرَّر،
وفي حضورٍ مشروط،
نغضّ عنه الطرف لأننا نحب،
حتى يصبح الوجع عادة،
ونصبح نحن الاستثناء الوحيد الذي لا يُراعى.
تعلمت أن المسافة
لا تُنقص من قيمة المشاعر،
بل تحميها من التآكل.
أن تحب لا يعني أن تذوب،
وأن تثق لا يعني أن تُسلّم روحك رهينة.
هناك أشخاص
لا يؤذون عن قصد،
لكنهم لا يجيدون الحفاظ على القلوب القريبة.
ومهما كانت نياتهم بريئة،
فالنتيجة واحدة:
قلبٌ يتعب،
ونفسٌ تُثقلها الأسئلة.
لهذا…
أضع مسافة.
بين قلبي وكل علاقة لا تمنحني الطمأنينة.
بين روحي وكل حضور متقلّب.
بين نفسي وكل من يقترب وقت فراغه
ويغيب وقت حاجتي.
في المسافة أتعافى.
أسمع صوتي دون تشويش،
وأتذكّر من أنا دون أن أشرح نفسي لأحد.
أفهم أن السلام ليس في كثرة العلاقات،
بل في صدقها،
وأن القرب الحقيقي لا يوجع.
لسنا مطالبين أن نكون دائمًا متاحين،
ولا أن نُثبت طيبتنا على حساب صحتنا النفسية.
القوة أحيانًا
أن نحب من بعيد،
وأن نختار أنفسنا دون ضجيج.
وضعت مسافة…
لا لأنني قسوت،
بل لأنني تعبت من أن أُخذل
وأقنع نفسي أن الألم جزء من الحب.