المقدمة
يمثّل شهر شعبان محطةً إيمانية دقيقة في التقويم التعبدي الإسلامي، يقع بين رجب – شهر التعظيم – ورمضان – شهر الصيام والقرآن. وبين هذين الموسمين العظيمين، قد يغفل كثير من الناس عن شعبان، فتضيع على القلوب فرصة ثمينة من فرص القرب والارتقاء. وقد تنبّه النبي ﷺ إلى هذا المعنى تنبيهًا خاصًا، فخصّ شعبان بعبادة ظاهرة، وفسّرها تفسيرًا مقاصديًا عميقًا، يربط بين الزمن، والغفلة، ورفعة العمل، وحال القلب.
أولًا: حديث أسامة بن زيد ومعنى العبادة في زمن الغفلة
روى أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال:
قلتُ: يا رسول الله، لم أرك تصوم شهرًا من الشهور ما تصوم من شعبان؟
فقال ﷺ: «ذلك شهرٌ يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر تُرفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يُرفع عملي وأنا صائم».
يحمل هذا الحديث دلالات مركزية، من أهمها:
1. وصف شعبان بأنه شهر الغفلة
والغفلة هنا ليست غفلة كفر، وإنما غفلة انشغال؛ انشغال الناس بما قبل الموسم وما بعده، فيغيب عنهم الحضور القلبي في هذا الزمن الوسيط. وهذه سُنّة بشرية، لكن الفضل كل الفضل فيمن يخالف التيار.
2. ربط العبادة بزمنها لا بكثرتها فقط
فالنبي ﷺ لم يبيّن فقط فضل الصيام، بل فضل الصيام في هذا الوقت بعينه، مما يدل على أن قيمة العبادة تتضاعف عندما تُؤدّى في زمن قلة.
3. الوعي بلحظة رفع الأعمال
إذ لم يكن صيامه ﷺ عادةً مجرّدة، بل عبادة واعية مرتبطة بلحظة عرض العمل على الله، وفي ذلك تربية للمؤمن على أن يسأل نفسه: كيف أُحب أن أُعرض على الله؟ وبأي حال؟
ثانيًا: «صلّوا بالليل والناس نيام»… منطق التفرّد لا الجماهير
في الحديث المشهور الذي رواه عبد الله بن سلام رضي الله عنه، قال:
لما قدم النبي ﷺ المدينة، كان أول ما سمعته منه:
«يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام».
واللافت هنا أن قيام الليل ذُكر مقترنًا بوصف الناس نيام، أي حين يخلو الجو من العيون، وتسكن الأصوات، وتغيب المجاملات.
فالعبادة في هذا السياق ليست مجرد فعل، بل اختيار طريق غير مطروق، وسلوك درب لا يسلكه إلا من طلب الخصوصية مع الله.
وهذا المعنى يلتقي تمامًا مع صيام شعبان:
• عبادة في وقت لا يلتفت إليه الناس
• وقرب في لحظة يغيب عنها الجمع
ثالثًا: «العبادة في الهرج كهجرة إليّ»… الصفاء وسط الضجيج
قال النبي ﷺ:
«العبادة في الهرج كهجرة إليّ»
ولما سُئل عن الهرج قال: «القتل» – أي زمن الفتن والاضطراب.
وهذا الحديث يضع قاعدة عظيمة:
أن العبادة حين يفسد الزمان، وتضطرب القلوب، وتعلو الأصوات، تكون أصدق دلالة على صفاء النية، وأعظم أجرًا من عبادة تؤدّى في زمن الاستقامة العامة.
وشعبان – من هذا الوجه – يشبه زمن الهرج من حيث الغفلة لا الفتنة؛ إذ ينشغل الناس عنه، فيكون الاشتغال بالطاعة فيه نوعًا من الهجرة القلبية إلى الله.
رابعًا: الجامع بين الأحاديث… عبادة التميّز لا التكرار
إذا جمعنا بين هذه النصوص، ظهر لنا خيط ناظم واضح:
• صيام في شهر يغفل عنه الناس
• قيام في وقت ينام فيه الناس
• عبادة في زمن الهرج والاضطراب
وكلها تشير إلى معنى واحد:
أن تكون عبدًا متفردًا لا تابعًا، حاضر القلب لا منساقًا مع العادة، باحثًا عن القرب لا عن الكثرة.
وهنا يتجلّى معنى قوله تعالى:
﴿وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾
[المطففين: 26]
فالتنافس الحقيقي ليس في كثرة الظاهر، وإنما في اختيار مواقع الفضل الخفية، ومواطن القرب التي لا يزاحم فيها إلا القليل.
الخاتمة
إن شهر شعبان ليس شهرًا تمهيديًا لرمضان فحسب، بل هو شهر إعادة ضبط البوصلة القلبية، والانتقال من العبادة الموسمية إلى العبادة الواعية.
فيه نتعلم أن الله يُحب العمل في زمن الغفلة، والطاعة في ساعة الخلوة، والعبد الذي يختار الله حين لا يراه الناس.
فطوبى لمن فهم شعبان على هذا الوجه، وجعله جسرًا للقرب، لا مجرد ممرٍّ للزمان.






