المقالات

في وداع الشاعرة ثريا قابل “رَحَلَتْ وَيُخْلَدُ فِي الْحَيَاةِ صَدَاهَا”

لم تكن ثريا قابل تنتظر ضجيجا، ولا تطلب احتفاء متأخرا.. لكنها -مثل غيرها من المبدعين- كانت تتمنى أن يأتي الاعتراف في زمن الحياة، لا بعد اكتمال الغياب.. واليوم، وقد كُتب عنها كثيرا، يبدو المشهد مألوفا حَدّ الألم.. فالمبدع لا يُستدعى إلى الضوء كاملًا إلا حين يوارى التراب!!
ثريا قابل لم تكن اسما عابرا في تاريخ الشعر.. لكنها كانت صوتا مبكرا، صادقا، ومغايرا في زمن كان الاعتراف فيه مكلفا، لا سيما حين تكتب المرأة بجرأة الإحساس وصدق التجربة.. كتبت دون ادّعاء، وحملت الشعر كحالة إنسانية لا كمنصة، فبقي أثرها هادئا، عميقا، لا يزاحم ولا ينسحب.
والمفارقة المؤلمة.. أن ما يُقال اليوم كان يمكن أن يُقال أمس، وأن الامتنان الذي يتكاثف بعد الرحيل كان أجدى لو قُدّم وهي تسمعه، وتشعر به، وتطمئن أن ما كتبته لم يذهب سدى.. فالمبدع، في جوهره، لا يطلب التصفيق، لكنه ينشد الاعتراف، ولا يبحث عن الخلود بقدر ما يبحث عن العدل.
وربما آن الأوان ألا يبقى الوفاء كلمات عابرة، ولكن أفعالا باقية.. أن يُطلق اسم ثريا قابل من قبل هيئة الترفيه على إحدى المنصات أو المسارح، لتظل حاضرة في الذاكرة والوجدان، لا في الرثاء وحده.. وأن تبادر وزارة الثقافة بتكريم يليق بقيمتها الشعرية ومكانتها، تكريما لا يأتي متأخرا.. إنما شاهدا على أن الوطن لا ينسى أصواته الصادقة.
رحلت ثريا قابل، وبقي سؤالها غير المعلن حاضرا.. لماذا نتقن الرثاء أكثر مما نتقن الوفاء؟
رحلت، لكن شعرها يذكّرنا بأن الإبداع لا يموت، وأن التقصير في حق المبدعين وهم أحياء هو الخسارة الحقيقية.
رحم الله ثريا قابل.. وغفر لنا هذا التأخر.،،

وتنوب القصيدة عن كل ما ضاق عنه الكلام

رَحَلَتْ وَيُخْلَدُ فِي الْحَيَاةِ صَدَاهَا
أَشْـعَـارُهَـا، إِبْـدَاعُـهَـا، وَرُؤَاهَـا

تِلْـكَ الـثُّـرَيَّا فِي رَبِـيـعِ زَمَـانِـهَـا
جَهَرَتْ،وَكَانَ مِنَ الْمُحَالِ نِدَاهَا

يَا بِـنْـتَ جُـدَّةَ كَـمْ تَـغَـنَّـتْ بَحْرَهَا
وَعَلَى الضِّفَافِ عَبِيرُهَا وَهَوَاهَا

نَـبْـضُ الْـحِـجَازِ حُرُوفُهَا تَشْتَاقُهُ
وَالـلَّحْنُ يَشْـدُو عَـازِفاً يَهْـوَاهَا

يَا رَبِّ فَاجْـعَلْ يَا كَرِيمُ مَكَـانَـهَا
جَنَّاتِ عَدْنٍ.. رَحْمَـةً سُكْنَاهَا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى