رحيل الدكتور سعيد السريحي عن المشهد الثقافي يعدّ خسارة كبيرة للثقافة العربية، ووجعًا مؤلمًا للمثقفين؛ فلم يكن ناقدًا عاديًا ولا كاتبًا عابرًا، بل كان أمةً في رجل واحد، أثرى المكتبة العربية بثراء علمه ووفرة مؤلفاته، ونمير حرفه الذي لا يطير عبثًا، ولا يشدو إلا بما يفضي إلى منجز ثقافي.
قال ذات شعر:
«من سيقرؤ قلبي السلام
إذا ران في جانبيه التعب
فيا جنةَ الله مدّي يديك
فقد أصبح العمر قافلةً من عطب»
رحل فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة؛ الأنيق لغةً وصوتًا، المثير حرفًا وخطابًا، المدهش حضورًا وغيابًا. رحل الفيلسوف وبقيت آثاره نقشًا بديعًا في ذاكرة الزمن. ولم يكن، قبل رحيله، اسمًا عابرًا في خارطة الثقافة العربية، بل كان العارف بمكنوناتها ومكوناتها، العازف الماهر على آلة اللغة، حتى غدا أيقونةً فارقة ونجماً مضيئًا وشعلةً لا تنطفئ.
السريحي سعيدٌ اسمًا وصفةً، ظل طوال حياته يعتق الكلمات من أقفاصها، ويكتب حياةً خارج المألوف، وهو يقود الحراك للنهوض بالمجتمع تارة، وينهض بالعِراك لينير عتمات الدروب تاراتٍ أخرى. كتب المقالات الأدبية والثقافية والاجتماعية ذات الهم اليومي، وألف الكتب، وأثرى المكتبة العربية نثرًا وشعرًا، وقدم أعمالًا صنعت أجيالًا عبر المنافذ المقروءة والمسموعة والمرئية، ومنصات الإعلام الجديد، بما جعله اسمًا مختلفًا؛ أسكن الناس في قلبه فسكن في قلوبهم.
رافق الكبار وزاملهم وقدّرهم ونهل من معينهم، واحتوى الشباب وكبّرهم، وساهم في تنمية مواهبهم، وأنصف أساتذته، وواجه خصومه بثبات وشرف. إنه عرّاب المجددين، وأوركسترا اللغة، وربان سفينتها، وأحد أهم الرموز والرواد في المشهد الثقافي محليًا وعربيًا.
في السنوات الأخيرة، وتحديدًا عام 2016، اقتربت منه عندما كان ضيفي الدائم في برنامج «مساءات» عبر شاشة الثقافية، حيث استمرت الحلقات لأكثر من عشرين حلقة تناولنا خلالها الثقافة بمفهومها الشامل، ولا أزال أحتفظ بالكثير من تعليقاته الثرية على مشاهد ومواقف مختلفة أنوي طرحها لاحقًا. ثم تشرفت بتقديم حفل تكريمه في نادي جدة الأدبي وجمعية الثقافة والفنون بجدة، وكتبت عنه في كتابي بما يليق به، كما كتب عني في الكتاب ذاته بما يليق به أيضًا.
لقد خسرنا هرمًا وركنًا من أركان الثقافة بفقده.
رحم الله الدكتور سعيد مصلح السريحي، وغفر له، وجبر مصاب أهله وذويه ومحبيه.
