المقالات

حسين نجّار.. عرّاب المايك وإيقونة الإذاعيين

ضمن فعاليات المنتدى السعودي للإعلام في نسخته الخامسة، التي اختتمت أعمالها قبل أيام قليلة في الرياض، تم تكريم الدكتور حسين نجّار شخصيةً للعام. والحق يُقال إن تكريم النجّار لم يكن تكريمًا للأجيال التي تتلمذت على يديه في المجال الإعلامي والإذاعي فحسب، بل لكل الأجيال التي تربّت أسماعها، وكبرت آمالها، ونمت طاقاتها على صوته الفاره، وهو يتسلّل إليهم عبر الراديو من خلال برامجه الكثيرة والثرية، وعبر شاشة التلفاز ناقلًا الصلوات من الحرم المكي الشريف.

فمنذ أكثر من نصف قرن، كان ولا يزال لصيقًا بوجدانهم، ومصدرًا من مصادر حيويتهم، حتى غدا عرّابًا للإذاعيين، وأيقونةً للمايكروفون، ومعشوقًا للجماهير.

يعرفونه بصوته النقيّ البهيّ، ويرسمون معه أحلامهم، ويلتقطون عبره أثرًا من ذكرياتهم وحنينًا إلى ماضيهم.

رأيت بعيني حجم الحب الذي يحظى به حسين نجّار، ورأيت بعيني فرح الإعلاميين بوجوده بينهم، وهم يستقبلونه ويطبعون القبل على جبينه في طريقه إلى قاعة الاحتفال، دليلًا على ما تركه فيهم من أثرٍ عميق. وكنت أشعر بغبطة تملؤني زهواً لما أراه، وكأنني معنيّ بهذا الاحتفاء، لما يربطني بالنجّار من علاقة قديمة؛ فقد كان أستاذي في الجامعة، ثم في الإذاعة، ثم أستاذًا لابني في الجامعة من بعدي، فضلًا عن كونه جارًا قريبًا مني، ولي معه حكاية لا تنتهي.

لم يكن اسم حسين نجّار غريبًا، بقدر ما كان قريبًا من الوجدان حين دخل علينا في قاعة المحاضرات في الجامعة قبل أربعين عامًا؛ فهو الصوت الذي ألفته وتفاعلت معه لسنوات عبر الإذاعة والتلفزيون. وحين وصل إلينا بقامته الفارعة شعرت وكأنني ألتقي أحدًا أعرفه جيدًا، فكنت أصغي لصوته، وأتأمل نبرته، وما يقدمه من معلومات وحديثٍ لا ينتهي بانتهاء المحاضرة.

عرضت عليه، بعد نهاية إحدى المحاضرات، أن أقوم بإعداد برنامج للشعر الشعبي في الإذاعة، فقام بدعم فكرتي، وسلّمني أول برنامج إذاعي يومي بعنوان (أبيات شعبية)، وأنا لا أزال في مراحلي الأولى بالجامعة. وكان هذا البرنامج بوابتي للدخول إلى الإذاعة، وحصلت بموجبه على تصريح يخولني دخولها متى ما أردت.

وحين تم تعييني في إذاعة جدة، طلبني للعمل معه في مكتبه، فاقتربت منه هذه المرة إداريًا، فعرفته سهل التعامل كما عرفته مذيعًا ومحاضرًا، وبدأت أتعلم منه وأنهل من مناهله حتى تم قبولي مذيعًا رسميًا بعد التخرج، ثم انتقلت عنه إلى زملاء المذيعين، فعرفته زميلًا نبيلًا يكاد يخلو تمامًا من شحناء الزمالة وبغضاء التنافس.

بعد انتقالي إلى تلفزيون أبها، ثم عودتي إلى تلفزيون جدة، بقيت ألتقيه في المناسبات، وأتقاطع معه في بعض الأعمال الإعلامية، مثل نقل الصلوات من الحرم، وكنت أستقي منه التوجيه والإرشاد، وهو يطوّقني بجميل ثنائه. وحتى في يوم تكريمي بعد التقاعد، تعذّر عليه الحضور، لكنه أصرّ أن يكون حاضرًا بصوته عبر مداخلة هاتفية أثلج بها صدري، وتوّج بها مسيرتي العملية والإعلامية.

شكرًا للمنتدى السعودي للإعلام، بقيادة ربّانه الأستاذ محمد الحارثي وفريق عمله. شكرًا بلا حدود لأنكم كرّمتم من يستحق التكريم بهذه البادرة الإنسانية واللفتة الكريمة العظيمة.

إعلامي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى