لم تعد مشكلة بعض وسائل التواصل الاجتماعي في سوء الاستخدام فحسب، بل في تصدّر تفاهة بعض المتصدرين للمشهد العام حتى أصبحت هي القاعدة، لا الاستثناء.
نحن أمام حالة غريبة يُكافأ فيها من يملك أقل قدر من الفكر ، وأعلى قدر من الضجيج.
لقد أفرز هذا الفضاء الرقمي فئة جديدة يمكن تسميتها بـ “نجوم التفاهة”؛ أشخاص لا يحملون فكرة، ولا يقدمون قيمة، لكنهم أتقنوا فن لفت الانتباه، حتى صار الانتباه بحد ذاته هو الإنجاز، ولو كان على حساب الذوق، أو الوعي، أو الاحترام العام.
ما يُقلقني ليس وجود محتوى تافه، فالتفاهة وُجدت في كل زمان ومكان،لكنها الآن تحولت الى سلطة مؤثرة تصنع الرأي، وتوجّه الذائقة، وتُعيد تعريف النجاح بشكل مقلوب.
صار عدد المشاهدات دليلاً على الكفاءة، وعدد المتابعين مقياسًا للقيمة، بعيداً عن جودة المحتوى ، وكأن العقل بات عائقًا في طريق الشهرة.
أرى أن وسائل التواصل، بخوارزمياتها، لعبت دورًا حاسمًا في هذا التحول؛ فهي لا تسأل عمّا يُفيد، بل عمّا يُشاهد، ولا تُكافئ العمق، بل الاستفزاز. ومع هذا فإن تحميل المنصات كامل المسؤولية هروبٌ من الحقيقة، لأن الجمهور شريكٌ أصيل في صناعة هذه الظاهرة.
نحن كمستخدمين نمنح التافهين قوتهم بمحض إرادتنا حينما نتعامل معهم بالعاطفة لا بالعقل ونشاهدهم بلا وعي، ونشاركهم بلا تفكير، ونستمر في متابعتهم بلا هدف.
التفاهة ياسادتي الكرام لا تعيش وحدها بدون دافع ومحفز ،لكنها بكل أسف تتغذى على اهتمامنا، وتكبر بتصفيقنا، وتترسخ بتبريرنا.
من وجهة نظري أخطر ما في هذا المشهد هو تطبيع السطحية وتمييع القيم ،حتى يعتاد الناس على اختزال القضايا، وتسخيف القيم، والسخرية من الجدية، ويصبح الوعي هشًا، والكلمة الرصينة غريبة في وطنها الرقمي.
أنا لا أدعو إلى الوصاية، ولا إلى إغلاق المنصات، بل إلى مراجعة علاقتنا معها.
ويجب علينا أن نسأل أنفسنا قبل كل متابعة: ماذا أضيف؟ ومن أرفع؟ ولماذا؟ فالمحتوى الجاد لا يموت، لكنه يُهمَّش حين نتخلى عنه.
ختامًا، أُومِن أن مواجهة التفاهة لا تكون بمحاربتها مباشرة، بل بتجفيف منابعها وتجاهلها، والبحث عن البديل عنها، وإعادة الاعتبار للفكرة، وللعقل، وللصوت الهادئ الذي لا يصرخ، لكنه يبقى ويستديم .
• كاتب رأي ومستشار أمني





