المقالات

السوبيا في ميزان الشريعة… قراءة علمية وفقهية في الحكم الشرعي

اعتاد بعض الناس في مدن المنطقة الغربية (مكة المكرمة، المدينة المنورة، جدة) في شهر رمضان على تناول مشروب يُسمى «السوبيا» على مائدة الإفطار. ويُحضَّر هذا المشروب من مسحوق الشعير والسكر بعد نقعه في الماء لمدة 24 ساعة أو أكثر في درجة حرارة الغرفة، التي تتراوح عادة بين 25 و35 درجة مئوية. وأحيانًا يُحضَّر من الخبز والسكر بعد نقعه في الماء للمدة نفسها أو أطول.

وقد تضاربت الآراء حول مشروعية تناول هذا المشروب لاحتمال احتوائه على نسبة معينة من الكحول. وأُجريت تجارب عدة لتحديد نسبة الكحول في السوبيا من قبل بعض الجهات المختصة، حيث أظهرت نتائج متباينة بحسب درجة حرارة الحفظ ومدته؛ إذ وصلت بعض القياسات إلى نحو 2.5٪ بعد 24 ساعة.

أما من ناحية الحكم الشرعي، فالسؤال: هل هو حلال أم حرام؟ والجواب يكمن في تحديد ماهية هذا المشروب: هل هو مسكر أم لا؟ فبعض الناس يؤكدون أنهم يتناولون عدة كؤوس منه ولا يظهر عليهم أي خلل في وعيهم. فهل يعني ذلك جواز تناوله ما دام لا يُذهب العقل؟ وهناك تسجيل صوتي منسوب إلى الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – يذكر فيه أنه يتناول مشروب السوبيا، ووصفه بأنه شراب طيب ومن أحسن الشراب، وقال إنه يملأ بطنه منه ولا تظهر عليه علامات السكر.

ولمناقشة الحكم الشرعي في تناول السوبيا، وهل تُعد خمرًا، وما الحكم في كل مشروب تتكون فيه نسبة معينة من الكحول، ينبغي الرجوع إلى النصوص الشرعية والاجتهادات الواردة في الأشربة. ومن ذلك الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود والترمذي، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«ما أسكر كثيره فقليله حرام».

وهذا الحديث يدعونا للتساؤل: هل كل مشروب يحتوي على الكحول – ولو بنسبة بسيطة – يكون محرمًا شرعًا؟ فقد أثبتت الدراسات التحليلية لمنقوع الزبيب أنه يحتوي على نسبة تتراوح بين 0.5٪ و1٪ في اليوم الأول، وتصل في اليوم الثاني إلى 2٪ أو 3٪ في درجة حرارة الغرفة. وللجواب على ذلك، يجدر الرجوع إلى الحديث الذي رواه مسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُنقع له الزبيب فيشربه في يومه والغد، وفي بعض الروايات إلى اليوم الثالث ما لم يُزبد (أي يظهر الزبد على سطح المشروب).

وقد اختلف العلماء في الجمع بين الحديثين؛ فأكد بعضهم أن أي مشروب يحتوي على الكحول لا يجوز شربه مطلقًا، وهو قول جمهور العلماء. بينما قسّم بعض أهل العلم الأشربة التي تحتوي على نسبة يسيرة من الكحول إلى ثلاثة أنواع:

1- إذا أُضيف الكحول إلى الشراب عمدًا، ولو بنسبة قليلة، فالأصل التحريم عند جمهور العلماء وفقًا للحديث الأول.
2- إذا كانت النسبة القليلة جدًا ناتجة عن تخمر طبيعي غير مقصود، فيرى كثير من العلماء المعاصرين أنه إذا كانت النسبة ضئيلة – مثل 0.5٪ – ولا تُسكر ولو شرب الإنسان كمية كبيرة منها، ولا يظهر لها أثر في الطعم أو الرائحة، فإنها معفوٌّ عنها، وهذا ما أفتت به اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بشروط وضوابط.
3- إذا كانت نسبة الكحول أعلى بحيث لو شرب الإنسان منها حصل له سُكر، فقد أفتى الجمهور بتحريمها، حتى ولو كانت النسبة قليلة في الكأس الواحد.

وهذا يدعونا إلى التركيز على النوع الثاني، وهو ما يخص موضوع السوبيا إذا كان التخمر طبيعيًا غير مقصود، ولم يصل إلى حد الإسكار.

وقد يُصاب البعض بالحيرة: كيف يعرف الإنسان أن هذا المشروب لو شرب منه كمية كبيرة سيُسكر؟ وهذا لا يتحقق إلا بالتجربة، خاصة أنه لا تتوفر أجهزة قياس نسبة الكحول في البيوت. وإذا جرب الإنسان وشرب فحصل له سُكر، فهل يُقام عليه الحد؟ وقد ورد أن الصحابي عثمان بن مظعون رضي الله عنه شرب نبيذًا ظنًا أنه لا يُسكر، فأقام عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه حد شرب الخمر.

وأرى أن هناك بعض العلامات التي قد تنذر بوجود خلل في المشروب، منها:

1- تغيّر رائحة المشروب.
2- تكوّن زبد كثيف بسبب غاز ثاني أكسيد الكربون الناتج عن التخمر.
3- يُحفظ المشروب مبردًا، ويُتجنب شربه بعد يومين من إنتاجه أو عند غياب تاريخ الإنتاج.
4- تذوق كمية يسيرة بطرف اللسان للتأكد من عدم وجود طعم حامضي لاذع يدل على تجاوز مرحلة التخمر إلى مرحلة الخل، ثم المضمضة بعد ذلك. وهذا اجتهاد مني بحكم تخصصي في الكيمياء؛ فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان، وأسأل الله العفو والمغفرة.

وقد يتساءل البعض: لماذا الإصرار على تناول هذا المشروب، وما الفائدة العظيمة التي لا يمكن الاستغناء عنها، خاصة في رمضان، مع توفر بدائل كثيرة؟ لا سيما أن بعض المصنّعين يضيفون الخميرة عمدًا للإسراع في التخمر، مما يجعل العملية غير طبيعية.

وهنا يحسن استحضار الحديث الشريف: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك».
وعلى أي حال، فأنا أتناول هذا المشروب في رمضان بعد تطبيق الضوابط الأربعة المذكورة أعلاه.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى