
بعد أن افتتحت «مكة» سلسلتها الرمضانية «سيرة نجوم الكرة السعودية» بالحارس الأسطورة محمد الدعيع، ننتقل في الحلقة الثانية إلى الاسم الذي كان يقف أمامه في الجهة اليمنى؛ اللاعب الذي لم يكن الأعلى صوتًا في الملعب، لكنه كان من أكثرهم انضباطًا وتأثيرًا. هو الظهير الذي حمل الرقم (2) وكتب اسمه في واحدة من أعظم لحظات الكرة السعودية… عبد الله صالح.
ليست الأرقام مجرد أرقام في كرة القدم؛ أحيانًا تتحول إلى هوية. والرقم (2) في ذاكرة جيل التسعينات يقود مباشرة إلى اسم الظهير الأيمن عبد الله صالح الدوسري، أحد أعمدة الجيل الذهبي للمنتخب السعودي، وأحد أبرز نجوم نادي الاتفاق في حقبةٍ صنعت مجد الكرة السعودية.
وُلد عبد الله صالح في الدمام عام 1384هـ (1969م)، وبدأ مسيرته في أندية الأحياء قبل أن يلتحق بنادي الاتفاق عام 1987، حيث تدرج في الفئات السنية حتى فرض اسمه في الفريق الأول. لم يكن صعوده صاخبًا، بل تراكميًا؛ انضباط في التمرين، وهدوء في الأداء، وروح قتالية جعلته الخيار الثابت في الجهة اليمنى.
خدم نادي الاتفاق والمنتخب السعودي لما يقارب 15 عامًا، خاض خلالها نحو 350 مباراة رسمية، مسجلًا هدفين فقط… لكن قيمته لم تكن يومًا رقمية بقدر ما كانت تكتيكية.
مثّل الاتفاق بين عامي 1987 و2002، وأسهم في تحقيق:
• الدوري السعودي الممتاز 1408هـ
• بطولة مجلس التعاون الخليجي 1408هـ
• البطولة العربية للأندية 1408هـ
• كأس الأمير فيصل بن فهد 1410هـ
ومع المنتخب السعودي (1988–1994)، شارك في أكثر من 60 مباراة دولية، وحقق:
• كأس آسيا 1988
• وصافة كأس آسيا 1992
• وصافة كأس القارات الأولى بالرياض 1992
• المشاركة في مونديال 1994 والوصول إلى دور الـ16
وخلال تلك السنوات، كان يحمل الرقم (2) على قميص المنتخب. رقمٌ يبدو تقليديًا، لكنه في تلك المرحلة كان عنوانًا للثبات والاتزان والانضباط الدفاعي.
في مونديال الولايات المتحدة 1994، لم يكن المنتخب السعودي مجرد فريق متحمّس، بل منظومة دفاعية منضبطة لعبت بتنظيم 4-4-2 يعتمد على توازن دقيق بين الكثافة الدفاعية والتحولات السريعة. وهنا تحديدًا تتجلّى قيمة الرقم (2) في معادلة التوازن الدفاعي.
لم يكن ظهيرًا يطارد الكرة، بل لاعبًا يسبقها قراءةً وتمركزًا. في مواجهة أجنحة سريعة ومنتخبات تملك تنوعًا هجوميًا، كان يغلق المسار العرضي بذكاء، موجّهًا الخصم نحو الداخل حيث الكثافة الدفاعية. وعند تقدم قلب الدفاع للضغط، كان يضيق المسافة فورًا، محافظًا على شكل الخط الخلفي. أما في التحول الهجومي، فكان يتقدم بوعي، يصنع زيادة عددية محسوبة على الطرف، ثم يعود سريعًا قبل أن تتحول المساحة خلفه إلى خطر.
في مباراة المغرب، التي حسمت التأهل التاريخي، لعب استقرار الأطراف دورًا أساسيًا في ضبط الإيقاع، وكان وجود الرقم (2) جزءًا من هذا الاتزان.
إذا كان محمد الدعيع — الذي افتتحت به السلسلة — هو “خط الأمان الأخير”، فإن عبد الله صالح كان “خط الأمان الأول” في الجهة اليمنى.
بين الحارس والظهير تكوّن جدارٌ صامت، لا يلفت الانتباه بقدر ما يمنع الخطر قبل أن يُرى.
في نادي الاتفاق، أسهم الدوسري في تثبيت هوية دفاعية قوية خلال الثمانينات والتسعينات. لم يكن لاعب استعراض، بل لاعب التزام. لم يبحث عن اللقطة، بل عن الواجب. وهذه هي صفة الظهير الكبير: أن يكون حاضرًا في كل كرة دون أن يكون محور الأضواء.
وبعد اعتزاله، واصل حضوره في المجال الفني؛ فعمل مساعدًا لمدرب ناشئي الاتفاق عام 2009، ثم مساعدًا لمدرب الشباب عام 2010، قبل أن يتولى تدريب الفريق الأول في جامعة الأمير محمد بن فهد عام 2012، ليؤكد أن الانضباط الذي ميّز مسيرته لاعبًا امتد إلى شخصيته مدربًا.
تميّز عبد الله صالح بالهدوء داخل الملعب والالتزام خارجه. كان من أولئك اللاعبين الذين يُبنون الإنجاز دون أن يتصدروا العناوين. وربما لهذا ظل اسمه حاضرًا في ذاكرة الجماهير باعتباره أحد رجال المرحلة الذين صنعوا المجد بصمت.
في ذاكرة الكرة السعودية، تبقى بعض الأرقام رموزًا. والرقم (2) الذي ارتداه عبد الله صالح لم يكن مجرد خانة في كشف المباراة، بل ضلعًا ثابتًا في معادلة الإنجاز.
ليس كل نجمٍ يُقاس بعدد الأهداف…
بعضهم يُقاس بعدد المساحات التي أغلقها، وعدد الأخطاء التي منعها قبل أن تقع.
وهكذا كان عبد الله صالح…
ظهيرًا أيمن،
لكن ركيزةً كاملة في زمنٍ لا يُنسى.
وهكذا تمضي «مكة» في توثيق سيرة نجومٍ لم يكونوا مجرد لاعبين في كشف المباراة، بل علاماتٍ فارقة في تاريخ الكرة السعودية. نقرأ مسيرتهم لنفهم كيف صُنعت لحظات المجد، وكيف تحوّلت الأرقام إلى هوية، والقمصان إلى ذاكرة وطن.
انتظرونا غدًا… مع نجمٍ جديد من نجوم الكرة السعودية، في حلقةٍ أخرى من «سيرة نجوم الكرة السعودية».













