المقالات

خبير دولي من ورق: أزمة الانتحال المعرفي والألقاب

يستوقفني مَن عجِزَ عن تحقيق منجزٍ حقيقي يستحق به لقبًا، فسارع إلى الجرأة على الألقاب ذات الوهج مثل “خبير دولي”، “مستشار”، “مدرب عالمي”. لم يأتِ الاعتراف به نتيجة مسار علمي راسخ أو إنتاج معرفي موثّق، بل نتيجة صناعة صورة محكمة، ولغة لامعة، وسيرة ذاتية مزخرفة. حين يغيب الإنجاز، يُستدعى اللقب؛ وحين يتعذر البرهان، يُستثمر في الانطباع. هكذا تبدأ أزمة المعايير: من استبدال الحقيقة بالمظهر، والعمق بالادعاء.
وقد تجلّى مثال هذا الاختلال حين نظّمت جهة رسمية محاضرة جماهيرية، قدّمها معلمٌ مؤهله بكالوريوس في أصول الدين، وعرّفته الجهة ذاتها بوصفه “خبيرًا دوليًا في الأمن السيبراني”. لم يكن الإشكال في حقه في الحديث، بل في توصيفه بلقبٍ لا يستند إلى مسار تخصصي موثق في الحقل الذي قُدِّم فيه. هنا لا نتحدث عن تنوّع معرفي، بل عن خلطٍ بين المجالات، وعن قفزٍ فوق معايير الاستحقاق التي يفترض أن تضبط الفضاء العام.
القضية ليست خلافًا في وجهات النظر، بل اختلالًا في معيار الاستحقاق فالخبرة في أي حقل—من الأمن السيبراني إلى الطب والاقتصاد وغيرها—ليست بطاقة تعريف، بل مسارًا متدرجًا من الدراسة المنهجية، والتدريب العملي، والخبرة المتراكمة، والمراجعة من أقران متخصصين، والاعتراف من هيئات معتمدة. حين يُقدَّم شخص بلا هذا المسار بوصفه “خبيرًا دوليًا”، فإننا لا نُجامل، بل نُشوّه حدود التخصص، ونُضعف الثقة في المجال نفسه.
تتفاقم المشكلة مع انتشار كيانات تبيع الألقاب والشهادات عبر اشتراكات مدفوعة، بلا محاكمة علمية ولا اعتماد أكاديمي. تُمنح ألقاب “دكتور” و“بروفيسور” و“خبير معتمد” من مؤسسات لا تخضع لأي رقابة معرفية، ثم تُستخدم هذه الألقاب لتزيين المنصات والإعلانات. هذا ليس خطأً شكليًا، بل انتحالٌ صريح يضرب مصداقية الحقول المعرفية. العلم لا يُشترى، ولا يُمنح بمقابل مالي، بل يُبنى عبر تراكمٍ صارم من البرهان والتجربة.
الأثر الأخطر هو إنتاج جهلٍ مركّبٍ مصحوبٍ بثقةٍ زائفة. المتلقي يسمع لقبًا رنانًا، فيفترض عمقًا علميًا، ويُسلّم بما يُقال. ومع التكرار، تتشكل قناعة بالتمكن لا تستند إلى تدريب حقيقي أو دليل قابل للتحقق. والجهل المركّب هنا يعني غياب المعرفة مع اعتقادٍ راسخ بامتلاكها؛ وهو أخطر من الجهل البسيط، لأن صاحبه يتوقف عن السؤال، ويبدأ في اتخاذ قرارات باسم “علم” لم يُبنَ على منهج.
المسؤولية لا تقع على المدّعي وحده، بل تمتد إلى الجهات التي تمنحه الشرعية والمنصة. حين تُعرّف جهة—رسمية أو غير رسمية—بمتحدث بوصفه خبيرًا وأيضًا دولياً دون تدقيق صارم في مؤهلاته واعتماداته، فإنها تُسهم في تضليل الجمهور. الشرعية المؤسسية ليست ديكورًا؛ إنها ضمانة جودة. وإذا تهاونت الجهة في التحقق من الاعتماد الأكاديمي أو المهني، فإنها تفتح الباب لتسويق الوهم تحت شعار التطوير.
وفي مجالات تُقدَّم على أنها “علوم” متقدمة دون أن تكون جزءًا من المنظومة الأكاديمية المعترف بها، تتضاعف المشكلة. الادعاء بأن “الجامعات لا تستوعب هذا العلم” ليس علامة ريادة، بل انفصالٌ عن المنهج العلمي القائم على التحقق، والمراجعة، والتراكم. العلم لا يُثبت بالتصفيق، بل بالدليل القابل للفحص وإعادة الإنتاج.
الحل ليس في التضييق على المبادرات، بل في رفع سقف المعايير. التحقق من المؤهلات قبل منح المنصات، واشتراط ذكر الاعتماد بوضوح، وتفعيل اللوائح التي تجرّم الانتحال العلمي، وتعزيز الثقافة النقدية لدى الجمهور—هذه خطوات ضرورية. فالفارق بين الخبير الحقيقي والمدّعي لا يُقاس بالإدعاءات، بل بعمق التخصص وسلامة المنهج وشفافية السجلّ المهني.
إذا أردنا بيئة معرفية صحيحة، فعلينا أن نعيد الاعتبار للمعيار، وأن نُفرّق بصرامة بين العلم والوهم. فالمجتمع الذي يُساوي بينهما، يُخاطر بثقته في نفسه أولًا، ثم بمستقبله. الدفاع عن المعايير ليس نزعة نخبوية، بل مسؤولية أخلاقية؛ لأن اللقب، حين يُنتحل، لا يسيء إلى صاحبه فقط، بل يسيء إلى الوطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى