تعقيبًا على مقال الأستاذ الدكتور عوض الأسمري بعنوان «إعادة تعريف معايير الدكتوراه: بين الأصالة العلمية والأثر التطبيقي في عصر الذكاء الاصطناعي» المنشور يوم أمس الاثنين في هذه الصحيفة.
إن درجة الدكتوراه تمثل أعلى درجة علمية في السلم الأكاديمي، غير أنها لا تُختزل في تقديم أطروحة أو رسالة فحسب؛ فالأطروحة ليست الغاية النهائية، بل هي جزء من مسار تأهيلي عميق يُعِدّ الباحث للانخراط في منظومة معرفية أوسع، سواء في القطاع العام أو الخاص. إن الرسالة أو الأطروحة تقع في دائرة التعلّم والتدريب المنهجي، وتهدف إلى اختبار قدرات الباحث العلمية، والتأكد من تمكنه من أدوات البحث، واستيعابه للمنهجية، وقدرته على إنتاج معرفة أصيلة.
وعندما يُمنح الباحث درجة الدكتوراه، فإن ذلك لا يعني أنه قد قدّم فكرة واحدة ناجحة، بل يعني أن المؤسسة الأكاديمية تعترف بقدرته على إنتاج أفكار متعددة، تتسم بالأصالة والجدة، وقابلة للتطبيق وفق منهج علمي رصين وموضوعي. فالدكتوراه ليست “منتجًا” بقدر ما هي “إعلان كفاءة” في إنتاج المعرفة.
الإشكالية التي تعاني منها بعض الجامعات تتمثل في اختزال قيمة الدكتوراه في بعدها التطبيقي المباشر، وربطها بالمنتجات المادية أو النتائج السريعة. والحقيقة أن التمكن العلمي هو الهدف الأسمى للجامعة؛ أما تحويل المعرفة إلى منتجات أو تطبيقات حياتية فهو نتيجة لاحقة وطبيعية لعمق التأهيل العلمي، وليس بديلًا عنه. فإذا ركزنا فقط على مخرجات الأطروحة بوصفها منتجًا واحدًا، فإننا نغفل جوهر الفكرة؛ إذ إن القيمة الحقيقية تكمن في تدريب الباحث على التفكير المنهجي، وصياغة الإشكالات، وتحليلها، وإنتاج حلول متعددة عبر الزمن.
إن الجامعة حين تمنح الدكتوراه تعلن أن صاحبها أصبح قادرًا على الإسهام المستمر في إنتاج المعرفة، لا أن يتوقف عند أطروحته الأولى. وهذا الفهم يعيد الاعتبار للرسالة بوصفها محطة تأهيل لا محطة وصول.
ولعل من حسن الحظ أنني لم أكن يومًا جزءًا من تجربة في جامعة شقراء ضمن السياق المشار إليه، وهو تحفظ شخصي أراه وجيهًا في ضوء هذا التصور لمفهوم الدكتوراه ورسالتها العلمية