
لم تكن رحلة قبلان القحطاني مجرد قصة مرض عابر، بل مسيرة إنسانية امتدت لنحو 30 عاماً، تنقل خلالها بين فشل كلوي مرتين، وغسيل دموي طويل، وزراعتين للكلى، تقلبت بين الألم والرجاء، وانتهت بتأسيسه فريق «متشافي» التطوعي لخدمة مرضى الكلى.
قال «القحطاني» إن بدايته كانت شاباً متفوقاً في مرحلتي الابتدائية والمتوسطة، إلى أن تعرض لحادث مروري تسبب في إصابة بالرأس استدعت تدخلاً جراحياً عاجلاً بسبب ارتفاع ضغط الدم، موضحاً أن المضاعفات قادته إلى فشل كلوي في سن الرابعة عشرة، وأضاف أن لحظة إبلاغه بضرورة الخضوع للغسيل الدموي كانت مشبعة بالخوف والرعب، مبيناً أنه لم يكن يدرك آنذاك معنى الفشل الكلوي ولا طبيعة جلسات الغسيل.
وأوضح أنه قضى 11 عاماً على أجهزة الغسيل الدموي، عانى خلالها آلاماً جسدية قاسية وحالات إغماء متكررة، لافتاً إلى أن تعطل القسطرة أكثر من مرة اضطر الأطباء لإجراء عمليات في الفخذ واليد والرقبة لضمان استمرار الغسيل، وذكر أنه شهد مواقف صعبة لا تنسى منها وفاة بعض المرضى أمام عينيه أثناء الجلسات بسبب توقف القلب أو هبوط الضغط أو تجمع السوائل.
وبين «القحطاني» أن المرض لم يرهق جسده فقط بل أثر في محيطه الاجتماعي، مشيراً إلى أن كثيرين ابتعدوا عنه في تلك المرحلة الحساسة، مؤكداً أن والديه وأسرته كانوا السند الحقيقي بعد الله، وشدد على أن النظرة الاجتماعية كانت أشد إيلاماً من الوجع الجسدي، معتبراً أن وصف مريض الكلى بالعالة أو الناقص مفهوم مؤلم يجب تصحيحه.
وتابع قائلاً إن لحظة إخباره بوجود متبرع كانت خليطاً من الفرح والخوف، مؤكداً أنه استخار وتوكل على الله حتى تكللت الزراعة الأولى بالنجاح، وأفاد بأن تلك العملية غيرت داخله الكثير، إذ استعادت ثقته بنفسه ورسخت اعتماده على ذاته، إلى أن أكمل تعليمه الثانوي والجامعي بتقدير ممتاز، والتحق بالعمل، وعاش حياة مستقرة 16 عاماً.
وأوضح «القحطاني» أنه خلال سنوات الاستقرار تزوج من إنسانة ــ على حد وصفه ــ رضيت بكل ما مر به من معاناة، وكانت سنداً حقيقياً له في أدق مراحله، مؤكداً أنها تمثل له الطبيب النفسي والداعم الأول بعد الله، ومشيراً إلى أن وقوفها بجانبه عزز من توازنه واستقراره الأسري. وبيّن أنه لم يُرزق بأبناء حتى الآن، مستدركاً أن ذلك لا يرتبط بمرض الكلى أو بعمليات الزراعة، لافتاً إلى أن كثيراً من زارعي الكلى تزوجوا وأنجبوا، مؤكداً أن الأمر قضاء وقدر يرضى به ويحمد الله عليه.
غير أنه كشف «القحطاني» أن عودة الفشل الكلوي مره ثانية بعد سنوات الاستقرار شكلت صدمة نفسية كبيرة، مشيراً إلى أنه كان يدرك حجم المعاناة التي تنتظره هذه المرة، مؤكداً أن هذه التجربة الثانية كانت أقسى لأنه يعرف تفاصيل الألم مسبقاً، وأردف أن دعم أسرته أعانه على تجاوز المحنة، مستدركاً أن التجربة علمته أهمية الالتزام بالأدوية، وسرعة مراجعة المستشفى عند أي طارئ، والمحافظة على الكلية من الالتهابات.
وأشار إلى أن قرار إجراء الزراعة الثانية لم يكن سهلاً، خاصة مع تحذير الأطباء من وجود أجسام مضادة قد تتسبب في رفض الكلية، مؤكداً أنه أصر بعد الاستخارة والدعاء، لتنجح العملية ويعيش اليوم عاماً عاشراً من الاستقرار الصحي، واصفاً شعوره بالعظيم بعد أن تحدى المخاوف الطبية.
واستعرض «القحطاني» تحوله من مريض إلى داعم، معلناً تأسيس فريق «متشافي» التطوعي لخدمة مرضى الكلى، موضحاً أن هدف الفريق يتمثل في زيارة المرضى بالمراكز والمستشفيات، ودعمهم نفسياً ومعنوياً، وتوعيتهم بأساليب الوقاية، وتسهيل إجراءات الزراعة، ونشر الحالات عبر وسائل التواصل طلباً للأجر، منوهاً أن الفريق كرم من جهات عدة تقديراً لجهوده، مؤكداً استمراره في خدمة هذه الفئة التي عاش تفاصيل معاناتها.
وكشف عن مواقف إنسانية مؤثرة، من بينها سؤال أحد المرضى له: «هل سنبقى على هذا الجهاز حتى نتوفى؟»، مبيناً أنه حين أخبره بإمكانية الزراعة تبدلت نفسيته وارتسمت على وجهه ملامح الأمل، كما أشار إلى موقف آخر أبكاه حين تواصل معه مريض يبحث عن متبرع، ليتبين أن جميع إخوته مصابون بالفشل الكلوي، مؤكداً أن تلك اللحظة أنزلت دمعته وأوجعته.
ودعا «القحطاني» أسر المرضى إلى مراعاة حالتهم النفسية، مطالباً الإخوة والأخوات بالتبرع لأقاربهم متى ما أمكن، مشدداً على أن الدعم الأسري ركيزة أساسية في رحلة العلاج، كما وجه رسالة للشباب في بدايات الغسيل، مؤكداً أن الصبر والإيمان وتطور الطب عوامل تبعث على التفاؤل، وأن الزراعة أصبحت أكثر سهولة مما مضى.
وفي ختام حديثه، مضى القحطاني مسترجعاً ذكريات معاناته حينما كان عمره 14 عاماً، قائلاً إنه لو عاد به الزمن لنصح نفسه بالتوكل على الله والثقة به، مؤكداً أن الفرج يأتي بعد صبر طويل، وأن الألم قد يتحول إلى رسالة إنسانية تحمل الأمل للآخرين.






