يُعدّ المعلم حجر الزاوية في بناء الحضارات ونهضة الأمم؛ إنه امتداد للأب والأم في بناء شخصية الطالب، وهو من يزرع القيم وينقل المعرفة. ولا يقتصر دوره على تعليم النشء فقط، بل يتعدى ذلك إلى كونه مربيًا وملهمًا يبني عقولًا قادرة على الإبداع والابتكار والنهوض بالوطن. فهو من يتخرج على يديه الأطباء والمهندسون والعلماء والسياسيون ورجال الأعمال والمفكرون، وكل من ينهض بالأمة. وصدق الأديب المصري الحائز على نوبل في الأدب نجيب محفوظ حين قال: «يمتلك المعلم أعظم مهنة، إذ تتخرج على يديه جميع المهن الأخرى».
لقد عدّ أمير الشعراء أحمد شوقي دور المعلم السامي بأنه يقارب دور الرسل والأنبياء في نشر العلم وتتبع المعرفة وبناء العقول؛ ففي حفل بهيج أُقيم بنادي مدرسة المعلمين العليا بمصر عام 1932م، أنشد أمير الشعراء شوقي رائعته الشهيرة في مديح المعلم، والتي كان مطلعها:
«قم للمعلم وفّه التبجيلا… كاد المعلم أن يكون رسولا»،
وهي واحدة من أشهر قصائده التي تُعد إعلان تقدير للمعلم وللعلم والعلماء.
في هذه القصيدة كثير من القيم والمثل العليا التي تحث على العلم والتعليم وترفع من مكانة المعلم، وقد نظمها تكريمًا لدور المعلم المهم في بناء الأجيال. يقول شوقي:
سبحانك اللهم خيرَ معلّمٍ
علّمتَ بالقلمِ القرونَ الأولى
أخرجتَ هذا العقلَ من ظلماته
وهديته النورَ المبينَ سبيلا
أرسلتَ بالتوراةِ موسى مرشدًا
وابنَ البتولِ فعلّمَ الإنجِيلا
وفجّرتَ ينبوعَ البيانِ محمدًا
فسقى الحديثَ وناولَ التنزيلا
يا أرضُ مذ فقدَ المعلّمُ نفسَه
بين الشموسِ وبين شرقِك حيلا
وفي البيت الأخير يعظّم شوقي دور المعلم، معتبرًا أن فقدان المعلم لمكانته سبب مباشر في تخلف الشرق العربي والإسلامي وحرمانه من نور الحضارة. إنها إشارة بلاغية بديعة قدّمها شوقي دعوةً لتقدير المعلم بوصفه حامل مشعل النهضة والحق، حيث أشار في القصيدة إلى أن مكانته قريبة من الرسل والأنبياء في هداية الناس.
وقد مثّل المعلم ودوره في الشعر العربي معركة فنية وواقعية بين نظرة أمير الشعراء أحمد شوقي المثالية التبجيلية:
«قم للمعلم وفّه التبجيلا… كاد المعلم أن يكون رسولا»،
ونظرة الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان الواقعية المعاتبة:
«لو جرّب التدريس شوقي ساعة… لقضى الحياة شقاوةً وخمولا».
فبينما مجّد شوقي دور المعلم بوصفه رسولًا يبني العقول والأنفس، صوّر إبراهيم طوقان — من واقع خبرته — معاناة المعلم النفسية والجسدية ومكانته الاجتماعية؛ لذلك عارض طوقان قصيدة شوقي بقصيدته الشهيرة المماثلة في الوزن والقافية بعنوان «ردّ المعلم»، مصوّرًا معاناة المعلم. ولم يقتصر طوقان على التمجيد المجرد، بل طرح تساؤلات حول الأوضاع الاجتماعية التي يعيشها المعلم، مبينًا أنها تحتاج إلى تحسين وتغيير. يقول طوقان في مطلع قصيدته:
شوقي يقول وما درى بمصيبتي
قم للمعلم وفّه التبجيلا
أقعدْ فديتك، هل يكون مبجّلًا
من كان للنشء الصغار خليلا؟
ويكاد يفلقني الأمير بقوله
كاد المعلم أن يكون رسولا
لو جرّب التعليم شوقي ساعة
لقضى الحياة شقاوةً وخمولا
وختم طوقان قصيدته بقوله:
يا من يريد الانتحار وجدته
إن المعلم لا يعيش طويلا.



