المقالات

الأوقاف الخيرية في السعودية.. ركيزة من ركائز الاستدامة المالية للعمل الخيري

تشهد المملكة العربية السعودية نهضة متسارعة في السنوات الأخيرة في تطوير القطاع غير الربحي، وتولي قيادتنا الرشيدة – أيدها الله – هذا القطاع اهتماماً كبيراً وتقدِّد له دعماً لا محدوداً، وذلك ضمن إطار التحولات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية الكبيرة والمشهودة التي عمّت جميع المجالات، ولتتوّج هذه الجهود بإنشاء “المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي” في عام1440هـ والذي يرتبط مباشرة برئيس مجلس الوزراء، ويهدف إلى تنظيم دور منظمات القطاع غير الربحي وتفعيله وتوسيعه في المجالات التنموية، والعمل على تكامل الجهود الحكومية في تقديم خدمات الترخيص لتلك المنظمات والإشراف المالي والإداري على القطاع، وزيادة التنسيق والدعم، كما يهدف المركز لتنمية القطاع غير الربحي، الذي يعد هدفًا إستراتيجيًّا ضمن خطة رؤية السعودية 2030 الهادفة إلى تمكين القطاع غير الربحي، وتحقيق أثر أعظم للقطاع على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي، حيث يُعد المركز أحد مبادرات برنامج التحول الوطني لتنمية القطاع غير الربحي، ويتولى مهامَّ متعددة ستمكن القطاع من النماء، وتفعّل دوره في تحقيق التنمية المستدامة، حيث يعمل المركز مع جميع شركائه من الجهات الحكومية والمنظمات غير الربحية، والشركات والأفراد، وفق حوكمة شمولية تحقق انسيابًا عمليًّا، يوفر للجميع إمكانية الإسهام وفقًا لأدوارهم ضمن منظومة القطاع غير الربحي.
جميع هذه الأعمال والجهود تؤكد ما يضطلع به قطاع الأوقاف من أدوار محورية ومهمة بوصفه أحد أهم الأدوات التي يمكن أن تعزز الاستدامة المالية للجمعيات الخيرية، وتضمن استمرار خدماتها للمجتمع بعيدًا عن تقلبات التبرعات الموسمية، فالوقف ليس مجرد مفهوم ديني أو تقليد اجتماعي قديم، بل هو منظومة اقتصادية واجتماعية متكاملة أدت دورًا محوريًا عبر التاريخ في تمويل التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية في الحضارة الإسلامية. فقد عُرف الوقف في الفقه الإسلامي بأنه حبس الأصل وتسبيل المنفعة، أي تخصيص أصل مالي لا يُباع ولا يُورث، وتُصرف عوائده في أوجه الخير. وقد ازدهرت الأوقاف في التاريخ الإسلامي حتى أصبحت أحد أهم مصادر تمويل المؤسسات العامة. ففي العصور الإسلامية المختلفة، كانت المدارس والمستشفيات ودور الأيتام وحتى الطرق العامة تمول من الأوقاف، مما أسهم في تحقيق التكافل الاجتماعي ودعم التنمية الاقتصادية. ومع تطور العمل الخيري في العصر الحديث، أصبحت الجمعيات الخيرية مؤسسات منظمة تقدم خدمات متنوعة تشمل رعاية الأيتام، ودعم التعليم، والمساعدات الاجتماعية، والخدمات الصحية، وهذه الجمعيات غالبًا ما تواجه تحديات مالية نتيجة اعتمادها على التبرعات المباشرة التي قد تتأثر بالظروف الاقتصادية، ومن هنا تبرز أهمية الأوقاف المؤسسية باعتبارها مصدرًا ماليًا مستدامًا يدعم استمرارية العمل الخيري.
شهد قطاع الأوقاف في المملكة تطورًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد إنشاء الهيئة العامة للأوقاف التي تتولى تنظيم القطاع الوقفي وتطويره، حيث يؤدي القطاع غير الربحي السعودي أدوار مهمة على المستوى الإقليمي والدولي، يتجسّد في المشاركة في العديد من المحافل والمناسبات القارية والإقليمية والعالمية من ملتقيات مهنية وعلمية متنوعة ومتعددة الأطراف في مختلف المجالات مثل التعليم والصحة والتنمية المستدامة والرياضة والثقافة وغيرها من المجالات، وذلك لنقل التجارب السعودية الكبيرة والممارسات الطويلة في هذا المجال للعالم من خلال هذه المشاركات، بالإضافة إلى دعم المنظمات غير الربحية في التبادل المعرفي والحضاري الدولي، من خلال قيادة الفكر عبر الأبحاث والدراسات والمنتديات وتمثيل مجتمع الممارسين، بجانب إسهامات القطاع غير الربحي الإغاثية وجهوده الكبيرة في هذا المجال بالتنسيق والتكامل مع الجهات المختصة وذات العلاقة، فإن العديد من المنظمات غير الربحية تقوم باستضافة بعض الفعاليات الإقليمية والدولية التي تقدم فيها بعض الجوائز العالمية في مساهمة مباشرة في جهود تسليط الضوء على المملكة وإبراز قيم ومبادئ شعبها، ونقل صورة ورأي المجتمع المحلي للعالم.
تُشير العديد من الدراسات إلى أن الأوقاف تؤدي دورًا مهمًا في تعزيز الاستدامة المالية للعمل الخيري، حيث توفر للجمعيات الخيرية مصادر دخل مستقرة تساعدها على تنفيذ مشاريع طويلة المدى وتوسيع نطاق الخدمات الاجتماعية وتقليل الاعتماد على التبرعات الموسمية، وبالتالي لتسعى المملكة من هذا المنطلق إلى تعزيز دور الأوقاف كأداة لدعم التنمية الاجتماعية والاقتصادية من خلال تطوير الأنظمة والتشريعات الوقفية، وإنشاء صناديق وقفية استثمارية وتشجيع الأفراد والمؤسسات على إنشاء الأوقاف، وذلك تماشياً مع رؤية السعودية 2030 الهادفة إلى رفع مساهمة القطاع غير الربحي في الناتج المحلي، وليعد تطوير الأوقاف أحد أهم الوسائل لتحقيق هذا الهدف، خاصة مع تنوع الأوقاف التي تمتلكها الجمعيات الخيرية في المملكة، ومن أبرزها الأوقاف العقارية مثل المباني التجارية والمجمعات السكنية، والأوقاف الاستثمارية التي تشمل المحافظ والصناديق المالية، والأوقاف الإنتاجية مثل المشاريع الزراعية والصناعية، إضافة إلى الأوقاف النقدية التي يتم استثمارها ويصرف ريعها في البرامج الخيرية.
بجانب التطور الكبير الذي يشهده القطاع الوقفي في المملكة، إلا أن هناك بعض التحديات مثل محدودية الخبرات المتخصصة في إدارة الاستثمارات الوقفية، وضعف الثقافة الوقفية لدى بعض فئات المجتمع، والحاجة إلى تطوير نماذج استثمارية مبتكرة للأوقاف، ورغم ذلك يتوقع الخبراء أن يشهد قطاع الأوقاف في المملكة نموًا كبيرًا خلال السنوات القادمة، خاصة مع التوجه الحكومي لدعم القطاع غير الربحي. ومن أبرز الاتجاهات المستقبلية إنشاء صناديق وقفية استثمارية، واستخدام التقنيات الرقمية في إدارة الأوقاف، وتعزيز الشراكات بين القطاع غير الربحي والقطاع الخاص، خاصة وأنه في ظل التحديات الاقتصادية المعاصرة، لم يعد العمل الخيري قادرًا على الاعتماد فقط على التبرعات، بل أصبح من الضروري تطوير نماذج مالية مستدامة تضمن استمرارية الخدمات الاجتماعية، وهنا يأتي دور الأوقاف بوصفها أحد أهم الأدوات التي يمكن أن تحقق الاستدامة المالية للعمل الخيري وتسهم في بناء مجتمع متكافل ومستدام.
والله ولي التوفيق والسداد،،،

* المُلحق الثقافي في سفارة خادم الحرمين الشريفين في أنقرة

د.م فيصل بن عبدالرحمن أسره

أستاذ الهندسة البيئية والمياه المشارك، بكلية الهندسة والعمارة الإسلامية بجامعة أم القرى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى