تقوم الأنظمة الإدارية الحديثة على مبدأ جوهري يتمثل في أن الوظيفة العامة وُجدت لخدمة المجتمع، وتيسير مصالح الناس، وتحقيق العدالة والكفاءة في إنجاز الأعمال. غير أن بعض الممارسات الإدارية السلبية تُفرغ هذا المبدأ من مضمونه، ومن أبرزها استخدام السلطة أو النفوذ الوظيفي في تأخير المعاملات وتعطيل مصالح المراجعين دون مبرر نظامي.
إن تأخير المعاملات ليس دائمًا نتيجة ضغط العمل أو نقص الإمكانات، بل قد يكون أحيانًا سلوكًا متعمدًا يُستخدم لإظهار النفوذ، أو ممارسة الضغط، أو تحقيق مصالح خاصة، أو فرض نوع من الهيمنة الإدارية. وهنا تتحول السلطة من أداة لتنظيم العمل إلى وسيلة للإضرار بالناس وإرهاقهم نفسيًا وماليًا واجتماعيًا.
وتتخذ هذه الظاهرة صورًا متعددة؛ فقد تتمثل في إبقاء المعاملة على المكتب لأيام أو أسابيع دون إجراء، أو طلب مستندات إضافية غير ضرورية، أو إحالة المعاملة بين الأقسام بصورة متكررة، أو التمييز بين المراجعين بناءً على العلاقات الشخصية أو المصالح الخاصة. وفي بعض الحالات، يُستخدم “التأخير” كورقة ضغط غير مباشرة لإجبار المستفيد على تقديم تنازلات أو البحث عن واسطة أو دفع مقابل غير مشروع.
ولا تقتصر آثار هذه الممارسات على الأفراد فحسب، بل تمتد إلى المؤسسات والدولة والمجتمع بأكمله. فعندما تتعطل مصالح الناس تتأثر حركة الاقتصاد والاستثمار، وتضعف الثقة بالمؤسسات، وتتراجع جودة الخدمات الحكومية، وينمو الشعور بالإحباط وعدم العدالة. كما أن استمرار هذه الممارسات يفتح الباب أمام الفساد الإداري والمحسوبية، ويؤدي إلى خلق بيئة عمل سلبية تُكافأ فيها البيروقراطية بدلًا من الإنجاز.
ومن الناحية الأخلاقية والشرعية، فإن الوظيفة العامة أمانة ومسؤولية، وليست امتيازًا للتسلط على الناس أو تعطيل مصالحهم. وقد أكدت الشريعة الإسلامية على أهمية الرفق بالناس وقضاء حوائجهم، وجعلت تيسير مصالحهم من أعظم أبواب الأجر. يقول النبي ﷺ:
“اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به”.
كما أن الأنظمة الإدارية الحديثة تعتبر تعطيل المعاملات دون سبب مشروع مخالفة تستوجب المساءلة، خصوصًا إذا ارتبط الأمر بإساءة استخدام السلطة أو استغلال النفوذ. ولهذا تسعى كثير من الدول إلى تعزيز مبادئ الحوكمة والشفافية والرقابة الإدارية، والحد من السلطة الفردية في اتخاذ القرار، عبر التحول الرقمي وأتمتة الإجراءات وربط الخدمات بمدد زمنية محددة.
إن معالجة هذه الظاهرة لا تتحقق فقط بالعقوبات، بل تحتاج إلى بناء ثقافة مؤسسية قائمة على احترام الإنسان، وتعزيز قيم النزاهة والمسؤولية، وتدريب الموظفين على مفهوم الخدمة العامة، وربط تقييم الأداء بسرعة الإنجاز وجودة التعامل. كما أن تمكين المستفيد من متابعة معاملته إلكترونيًا، وتفعيل قنوات الشكاوى والتظلمات، يسهمان في الحد من التعسف الإداري وتحقيق العدالة.
وفي النهاية، فإن قوة المؤسسات لا تُقاس بحجم سلطتها، بل بقدرتها على خدمة الناس بعدالة وكفاءة واحترام. وكل مسؤول يجب أن يدرك أن المنصب تكليف لا تشريف، وأن تعطيل مصالح الناس ليس مجرد إجراء إداري عابر، بل مسؤولية أخلاقية وقانونية وإنسانية يُحاسب عليها أمام النظام وأمام الله سبحانه وتعالى.
• الملحق الثقافي في سفارة المملكة العربية السعودية في انقرة






