ترجّل الأستاذ محمد بن فهد الحارثي عن صهوة حصانه بعد سنواتٍ حفلت بالعطاء والإنجاز، قضاها مسؤولًا جديرًا في هيئة الإذاعة والتلفزيون. ولو أن الحظ جاد له بمن يحمل همته وإخلاصه وشغفه، ولو أن كل من حوله يحملون أهدافًا عظيمة ويقدّمون خدمة الإعلام على خدمة أنفسهم، لحقق محمد الحارثي في غضون أشهر قليلة ما عجز عنه غيره في سنوات، ولأكمل مشروعه التطويري بكل كفاءة واقتدار.
ومع ذلك، فقد كان المشهد مزيجًا من الاعتزاز والفخر بما تحقق لإعلامنا المرئي والمسموع في عهده المبارك؛ فلم يكن عابرًا في مسيرة الإعلام، بقدر ما كان علامةً فارقة في تحولاته الكبرى.
نقول ذلك نحن الذين عرفناه وعاصرناه وعملنا معه، قبله وبعده، وندرك أن ما تحقق لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة رؤيةٍ واضحة، وخططٍ مرسومة، وأحلامٍ تحوّلت إلى واقعٍ معاش.
بعد أن وضع اللبنات، وأرسى الدعامات، وأنشأ الجسور، ومهّد الطريق حتى بلغ إعلامنا معه وبه ذروة المجد.
لم يكن محمد الحارثي اسمًا يتردد في الفضاء الإعلامي المحلي والعربي فحسب، بل بصمةً راسخة الملامح، ومنعطفًا مهمًا في مسيرة الإعلام السعودي يشهد به القاصي والداني. حمل همّة الشباب، واحتضن طموح المبدعين، ومزج شغف البدايات بحكمة التجارب.
رسم الخطط، ووسّع الآفاق، وأدار المشهد بروحٍ تجمع بين الجرأة والاتزان.
عرفناه مديرًا جديرًا بالمحبة؛ وهذا سرٌّ لا يدركه كثيرٌ من المديرين. فبيئة العمل الإعلامي بيئةٌ حساسة، سريعة الإيقاع، عالية التوتر. لكنه أدرك أن الشغف ينمو بالمحبة، وأن الإنتاج يتصاعد حين يشعر الفريق بالتقدير، وأن العلاقة الإنسانية الصادقة بين القائد وفريقه ليست ترفًا إداريًا، بل ضرورة للنجاح.
عرفناه أخًا كبيرًا للصغير، ومحترمًا للكبير، نثر محبته للجميع، حتى لمن يختلف معه ـ وهم قلة ـ فكان يحيل الاختلاف إلى نافذةٍ لخدمة العمل، لا معولًا لهدمه.
عرفناه صديقًا وفيًّا، وزميلًا نبيلًا يفتح قلبه لامتصاص حنق المحتقن، وتفريج كربة المظلوم، وإنصاف الباحثين عن العدل. تلك شهادة حق، لا مجاملة فيها ولا رياء.
ولعل أجمل ما في لحظة الرحيل أنها تُحرّر الكلمات من أي تأويلات غير الصدق والشفافية. كنا نكتب عنه بحذرٍ شديد في سنوات المسؤولية، خشية أن يُساء فهم الثناء، أما اليوم، وقد غادر كرسي الهيئة، فالكلمة أكثر صدقًا، وأوضح نبرة، وأصفى مقصدًا.
كل المنصفين من الإعلاميين الشرفاء يشهدون أن محمد الحارثي حلّ على المشهد الإعلامي كغيمةٍ ماطرة، بشّرت بالخصب والنماء، ثم ارتحل كما ترتحل الغيمات، لكن أثر المطر باقٍ في الأرض، وثماره ممتدة في الحقول. هكذا يكون الرحيل الجميل: يترجل الفارس، ويبقى الأثر.
هي الدنيا نزولٌ وارتحال، لكن بعض الراحلين يترجلون كما يترجل الفرسان الشرفاء؛ يتركون خلفهم مشاعل ضوءٍ لا تنطفئ، وتجارب لا تُمحى، وذاكرةً وطنية تحفظ أسماءهم في سجل البناء.
ستبقى ـ يا أبا فهد ـ في القلوب محبةً وارفة، وفي الذاكرة صفحةً ناصعةً من الوفاء والعطاء.
وستبقى رمزًا وطنيًا صنع أثره بعمله، لا بضجيج حضوره.
ستبقى، بقدر ما أضأت في إعلامنا، سجلًا حافلًا بالإنجاز والجهد والتضحية.
ستبقى في ذاكرة الوطن أنموذجًا لأبنائه الأوفياء النبلاء الأنقياء.
حفظك الله وسددك أينما رحلت، وحيثما حللت واتجهت وأقمت.
زر الذهاب إلى الأعلى