عامالمقالات

البحر الأحمر… من ممرّ تجاري إلى ساحة صراع بالوكالة

«خلف الخطوط»
يتحوّل البحر الأحمر اليوم إلى واحدة من أكثر الساحات توتّراً في الشرق الأوسط، ليس فقط بحكم موقعه الجغرافي الحيوي، بل لأنه أصبح نقطة التقاء مباشرة بين حرب اليمن، وتمدد النفوذ الإيراني، وحسابات القوى الدولية، وأمن المملكة العربية السعودية، وشريان التجارة العالمية. هذا التشابك جعل البحر الأحمر مرآة مكشوفة لصراع تُدار خطوطه الخلفية في عواصم إقليمية ودولية، بينما تُنفَّذ أدواته على شواطئ بعيدة.
بدأت الشرارة من اليمن, فلم يعد الصراع اليمني محصوراً داخل حدوده. فمع صعود ميليشيا الحوثيين المدعومة من إيران، تحوّل الساحل الغربي لليمن إلى منصة تهديد للملاحة الدولية. كل هجوم على سفينة أو ممر ملاحي يتجاوز رسائله المحلية، ليصل إلى عواصم المنطقة والعالم، مؤكداً أن البحر الأحمر أصبح امتداداً مباشراً لخريطة الحرب في اليمن، ليس مجرد محيط جغرافي مجاور لها.
وتُدار الحرب في البحر الأحمر تُدار بالوكالة, فإيران تستخدم الحوثيين لتهديد باب المندب وخطوط التجارة البحرية ورفع كلفة الضغط عليها، بينما تتحرك الولايات المتحدة وحلفاؤها لاحتواء هذا النفوذ عبر حضور بحري متزايد وضربات موضعية محسوبة. وبين الطرفين، تتشكل معادلة غير متكافئة: جماعة مسلّحة تعتمد الصواريخ والمسيّرات لاستهداف سفن تجارية، في مواجهة أساطيل دولية تسعى لحماية الملاحة بأقل كلفة ممكنة، دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
إيران اللاعب الذي يوسّع رقعة الاشتباك, فالتوترات المتصاعدة دفعت رقعة الاشتباك بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل إلى التمدد نحو البحر الأحمر والقرن الإفريقي. هذه المنطقة، بحكم تداخل الوجود العسكري وتشابك الحسابات السياسية، باتت شديدة الحساسية أمام أي اضطراب.
بالنسبة لإيران، البحر الأحمر ليس ممراً عابراً، بل ورقة ضغط استراتيجية تمنحها القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية في العالم، عبر وكلاء محليين يوسّعون نطاق نفوذها دون مواجهة مباشرة.
ومن منظور سعودي، أمن البحر الأحمر ليس خياراً، بل ضرورة وركيزة من ركائز الأمن الوطني. فمع تكرار تهديدات إيران لمضيق هرمز، ازدادت أهمية البحر الأحمر كمسار بديل لصادرات النفط، وأصبحت الموانئ وخطوط الأنابيب على الساحل الغربي جزءاً أساسياً من معادلة أمن الطاقة السعودي.
وأي اضطراب في هذا الممر ينعكس مباشرة على خطط التنمية الكبرى على الساحل الغربي، وعلى المشاريع الاقتصادية والسياحية، وعلى استقرار إمدادات الطاقة العالمية.
مع كل تصعيد، يتعزز الحضور العسكري الدولي، خصوصاً من الولايات المتحدة التي نفذت ضربات ضد مواقع رادارية ومنصات إطلاق داخل اليمن لحماية الملاحة. هذا التدخل يعكس حجم القلق العالمي من تحوّل البحر الأحمر إلى منطقة خارج السيطرة، ويؤكد أن الصراع لم يعد إقليمياً فقط، بل أصبح جزءاً من معادلة الأمن الدولي، حيث تتقاطع مصالح الطاقة والتجارة والردع بين القوى الكبرى.
ويشكل البحر الأحمر وباب المندب وقناة السويس أحد أهم الممرات التجارية في العالم. أي تهديد للملاحة ينعكس فوراً على سلاسل الإمداد وأسعار الطاقة وحركة التجارة.
ومع تصاعد الهجمات، اضطرت شركات شحن كبرى إلى تغيير مساراتها حول إفريقيا، ما رفع التكاليف وأطال زمن الشحن وأثر على اقتصادات المنطقة والعالم. هكذا تتحول حرب تُدار بالوكالة في مساحة جغرافية محدودة إلى أزمة تطال رفوف المتاجر وأسعار السلع في قارات بعيدة.
ختاماً ..
لم يعد البحر الأحمر مجرد ممر مائي، بل ساحة صراع تتقاطع فيها مصالح إيران، وحسابات القوى الكبرى، وتعقيدات الحرب اليمنية، وأمن السعودية، وشريان التجارة العالمية. ومع استمرار التوترات الإقليمية، سيظل هذا الممر الحيوي مرشحاً لمزيد من التصعيد ما لم تُعالَج جذور الأزمة في اليمن، ويُعاد ضبط ميزان القوى في المنطقة، ويُتوافق على أن أمن الممرات البحرية مسؤولية جماعية. فترك البحر الأحمر ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات لن يمرّ دون كلفة، ليس على دول المنطقة فحسب، بل على العالم بأسره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى