خلف الخطوط
يمثل إعلان نائب الرئيس الأمريكي فانس اليوم عن فشل المفاوضات مع إيران محطة مفصلية في مسار العلاقة بين الطرفين، ليس فقط لأنه يكشف تعثر جولة تفاوضية جديدة، بل لأنه يعيد تسليط الضوء على الإشكال البنيوي الذي يعيق أي تسوية مع النظام الإيراني. فالمعضلة ليست في تفاصيل الحوار، ولا في مستوى الضغوط أو الحوافز، بل في العقيدة التي تحكم سلوك طهران منذ تأسيس النظام الحالي بقيام الثورة الإيرانية أو الثورة الإسلامية الإيرانية في العام 1979م. هذه العقيدة، التي تقوم على فكرة الثورة المستمرة وتصديرها خارج الحدود، تجعل من أي مسار تفاوضي محاولة لاحتواء أزمة لا يمكن احتواؤها دون المساس بجوهر المشروع الإيراني نفسه. ومن هنا، يصبح فشل المفاوضات نتيجة متوقعة، لا مفاجأة سياسية.
العقيدة الثورية للنظام الإيراني كإطار حاكم للسلوك السياسي
منذ العام 1979، لم يتعامل النظام الإيراني مع نفسه كدولة وطنية تقليدية، بل كقيادة لثورة عابرة للحدود. هذا التصور لم يكن مجرد خطاب تعبوي، بل أصبح جزءا من بنية السلطة، ومن آليات عملها، ومن أدوات نفوذها. فولاية الفقيه، بوصفها المرجعية العليا، لا تُعرّف دورها ضمن حدود الدولة الإيرانية، بل ضمن مجال ثوري يمتد إلى المجتمعات الشيعية في المنطقة، ويُنظر إليه باعتباره امتدادا طبيعيا للثورة.
هذا الإطار العقائدي جعل من تصدير الثورة واجبا أيديولوجيا. ولذلك، فإن أدوات النفوذ الإيراني -من الميليشيات إلى شبكات التسلح والتمويل- ليست مجرد أدوات نفوذ خارجي، بل جزء من هوية النظام وشرعيته. وبناء عليه، فإن أي محاولة لاحتواء هذا الدور أو تقليصه تُعد في نظر طهران تهديدا مباشرا لجوهر الثورة.
التفاوض تحت سقف عقيدة لا تؤمن بالتسوية
حين تدخل واشنطن في مفاوضات مع طهران، فإنها تفترض -وفق منطق العلاقات الدولية- أن الطرف المقابل يسعى إلى تحقيق مصالحه الوطنية عبر تسوية توازن بين المكاسب والتنازلات. لكن النظام الإيراني لا يتعامل مع المفاوضات بهذه العقلية. فالتسوية بالنسبة له ليست وسيلة لتحقيق الاستقرار، بل تهديدا لمشروعه الثوري.
ولذلك، فإن طهران تتعامل مع المفاوضات كأداة لإدارة الوقت، لا لحل الخلافات. فهي تُظهر مرونة شكلية، لكنها في العمق ترفض أي تغيير يمسّ بنيتها العقائدية أو مشروعها الإقليمي. وهذا ما يفسر أن كل جولة تفاوضية مهما حملت من آمال تنتهي إلى نفس النتيجة: تعثر، ثم اتهامات متبادلة، ثم عودة إلى مربع الضغط والتصعيد, وينطبق ذلك على أي مفاوضات مع وكلائها.
تصدير الثورة كمنهج عمل لا يسمح بالتهدئة
إن توصيف العقيدة الإيرانية بأنها (ثورة شر) يعكس قراءة سياسية ترى أن المشروع الإيراني يقوم على تفكيك الدول من الداخل، وإضعاف المجتمعات، وتحويل العواصم العربية إلى ساحات نفوذ ميليشياوية لوكلائها. فالنظام الإيراني لا يزدهر في بيئة مستقرة، بل في بيئة مضطربة، حيث تتراجع الدولة الوطنية وتبرز الأذرع المسلحة كبديل.
وبذلك، تصبح الفوضى ليست نتيجة جانبية، بل بيئة عمل مفضلة. فكلما ضعفت الدولة، ازدادت قدرة طهران على التّمدّد. وكلما تفاقمت الأزمات، ازدادت قدرة النظام على تقديم نفسه كفاعل لا يمكن تجاوزه. وهذا المنهج يجعل من الاستقرار الإقليمي تهديدا، ومن التسوية خطرا، ومن التهدئة عبئا على مشروع الثورة.
فشل المفاوضات كترجمة مباشرة للعقيدة
إذا وضعنا هذه الخلفية العقائدية في سياق المفاوضات الأخيرة التي جرت في باكستان، يصبح فشلها نتيجة طبيعية. فطهران لم تدخل إلى الحوار بهدف الوصول إلى اتفاق، بل بهدف كسب الوقت، وإعادة ترتيب أوراقها، وتثبيت مكاسبها الإقليمية.
وفي المقابل، كانت واشنطن تراهن على إمكانية تعديل السلوك الإيراني عبر الضغوط والحوافز، دون إدراك كافٍ بأن السلوك ليس طارئا، بل نابع من عقيدة. ولذلك، فإن أي محاولة لتغيير هذا السلوك دون المساس بجوهر العقيدة محكوم عليها بالفشل.
وبهذا المعنى، فإن ما حدث ليس إخفاقا دبلوماسيا، بل كشفا لحقيقة أعمق, وهي أنه لا يمكن تحقيق تسوية مع نظام يرى في التسوية تهديدا لشرعية وجوده.
انعكاسات الفشل على البيئة الإقليمية
إن فشل المفاوضات لن يبقى محصورا في العلاقة بين واشنطن وطهران، بل سينعكس مباشرة على الإقليم. فمن المتوقع أن تلجأ طهران إلى استخدام وكلائها لإرسال رسائل ضغط جديدة، سواء في العراق أو سوريا أو اليمن أو لبنان أو غزة. وفي المقابل، ستعيد واشنطن تقييم أدوات الردع، وقد تتجه إلى تعزيز حضورها العسكري أو تشديد العقوبات وهو ما ألمحت إليه بعض التصريحات المسؤولة منهم.
هذا التفاعل سيعيد المنطقة إلى مرحلة الضغط المتبادل، حيث لا تُحسم الملفات، بل تُدار ضمن حدود تمنع الانفجار الشامل دون أن تفتح الباب أمام تسوية مستدامة. وفي هذا السياق، تبرز أهمية الدور العربي في بناء مقاربة واقعية لا تنخدع بمظاهر التهدئة المؤقتة، ولا تبالغ في الرهان على مسارات تفاوضية لا تعالج الجذر العقائدي للأزمة.
ومن الأهمية بمكان عند بناء تلك المقاربات:
1. إعادة تعريف المشكلة. فالتعامل مع إيران يجب أن ينطلق من فهم أن المشكلة ليست في السلوك، بل في العقيدة التي تنتج هذا السلوك.
2. تعزيز الردع الإقليمي. لأن العقيدة الثورية لا تتراجع إلا أمام كلفة عالية تجعل استمرار المشروع أكثر صعوبة.
3. دعم الدولة الوطنية العربية. لأنها الحاجز الحقيقي أمام تمدد الميليشيات والأذرع الإيرانية.
4. عدم الرهان على التسويات الجزئية. لأنها تمنح طهران وقتا إضافيا دون تغيير حقيقي في سلوكها.
5. بناء تحالفات ضغط متعددة المستويات. سياسية، واقتصادية، وأمنية، لخلق بيئة تُجبر طهران على إعادة حساباتها.
ختاماً ..
إن فشل المفاوضات بين واشنطن وطهران ليس حدثا عابرا، بل هو انعكاس مباشر لعقيدة ثورية ترى في الصراع شرطا للبقاء، وفي تصدير الثورة وسيلة لتوسيع النفوذ، وفي الفوضى بيئة مثالية لتمددها. ولذلك، فإن أي مقاربة واقعية للتعامل مع النظام الإيراني يجب أن تنطلق من فهم هذه الحقيقة البنيوية، وأن تُبنى سياسات لا تستند إلى الرغبات، بل إلى طبيعة النظام نفسه. فالتسوية مع مشروع ثوري لا يؤمن بالتسوية تظل وهما، ما لم تتغير المعادلة التي تمنحه القدرة على الاستمرار.





