خلف الخطوط
في كل حرب تُطلق المدافع من الجبهات، لكن المدافع الإعلامية لا تقل ضجيجا؛ فالرواية التي تصل إلى الجمهور كثيراً ما تكون سلاحاً حاسماً بقدر الرصاصة حيث تُعيد رسم صورة الصراع وتُحدد مواقع الأطراف في وعي الناس.
لم تعد المعارك في منطقتنا تقتصر على ساحة القتال، بل امتدت إلى الشاشات والمنصات الرقمية بما فيها وسائل التواصل الاجتماعي. فالإعلام اليوم ليس مجرد راصدٍ للأحداث، بل أصبح جزءاً من أدوات التأثير والضغط السياسي. وكل طرف في الصراع يسعى إلى بناء روايته الخاصة، لتبدو عادلة ومشروعة أمام جمهوره وأمام العالم. وهكذا، تتحول الحرب من مواجهة في الميدان إلى معركة سرديات تتنافس فيها الصور والعناوين أكثر من الوقائع نفسها.
في كل نزاع، تبدأ صناعة أو صياغة الرواية من لحظة تحديد المصطلحات. من يُوصف بالمُقاوم في رواية يُصبح مُتمرداً في أخرى، ومن يُقدَّم كتحالف لاستعادة الشرعية قد يُصوَّر في خطابٍ آخر كقوة احتلال, وهنا تكمن قوة الكلمة، لا في مضمونها فقط، بل في سياقها السياسي والإعلامي.
الإعلام الإقليمي يعيش هذه الحالة يوميا, فإيران مثلا تُقدِّم حروبها عبر خطاب المواجهة ضد الهيمنة، بينما الدول العربية تُقدّم موقفها من الصراعات ضمن مفهوم الأمن القومي والاستقرار الإقليمي, وفي كلا الاتجاهين، الرواية تُبنى بعناية لتخدم استراتيجية النفوذ والتأثير، وليس مجرد نقل الحدث كما هو.
مع دخول وسائل التواصل الاجتماعي إلى ساحة الصراع، لم تعد الرواية الإعلامية حكراً على القنوات أو الصحف، بل أصبحت كل تغريدة أو مقطع فيديو قادرة على تشكيل اتجاه سياسي أو حتى إشعال رأي عام عالمي , وبمعنى آخر جبهة رقمية جديدة، فالجماعات المسلحة والفاعلون غير الدوليين باتوا يمتلكون قنواتهم الخاصة، يبثون من خلالها سرديات مصمّمة لتجنيد المتعاطفين أو التأثير في الرأي الدولي.
ولأن المشاهد العربي يعيش وسط تدفق هائل من المعلومات والصور، فقد أصبح عُرضة للاستقطاب الإعلامي، يُصدق ما يتوافق مع هويته وانتمائه أكثر ممّا يتحقق من دِقته. وهنا تتحول الحقائق إلى أدوات نفسية، تُستخدم لتعبئة الجمهور وإعادة تعريف الصراع وفق رؤية محددة سلفا.
الرواية الإعلامية لا تكتفي بعرض الأحداث، بل تصنع وتصوغ شرعية سياسية وأخلاقية لها. خلال السنوات الماضية، رأينا كيف أصبحت بعض الحروب تُبرَّر عبر الإعلام قبل أن تبدأ ميدانيا, ففي اليمن مثلا، تُقدِّم وسائل الإعلام الخليجية المعركة باعتبارها دفاعا عن الشرعية وحماية للأمن الإقليمي، بينما تُصوّرها المنصات التابعة لإيران كمواجهة ضد العدوان. روايتان متناقضتان، لكن كلٌّ منهما يجد جمهورا يؤمن بها دون مساءلة.
هذه القوة تجعل من الإعلام سلاحاً صامتاً لكنه فعّال، إذ يُحدد نظرة العالم إلى الأطراف المتقاتلة، ويؤثر في مواقف الدول والمنظمات الدولية تجاهها, لذلك تتعامل القوى الإقليمية مع الإعلام باعتباره امتداداً للدبلوماسية وركيزةً أساسية في إدارة الأزمات.
الحدّ الفاصل بين الإعلام المهني والدعاية السياسية يتآكل ويختفي في أوقات الصراع. ومع تصاعد مستوى التنافس بين وسائل الإعلام، بات من الصعب على الجمهور التمييز بين المعلومة والتوجيه. فكل جهة تُقدِّم جزءاً من الحقيقة في إطار يخدم أجندتها. وهكذا، تتحوّل الموضوعية الإعلامية إلى ممارسة انتقائية.. فلا تزوير كامل، لكنها ترتيب ذكي للوقائع يمنح صورة يُراد لها أن تترسخ في الذهن أو الفكر الجمعي.
وفي مواجهة هذه التطورات وأعني حرب الروايات، يبقى دور الإعلام العربي المُحترف أن يُعيد بناء الثقة ويضع المتلقي أمام الصورة الكاملة. الصحافة الرصينة يجب أن تكون خط الدفاع الأخير عن الحقيقة، لا طرفاً في حرب الروايات، فالمصداقية اليوم ليست رفاهية مهنية، بل ضرورة استراتيجية؛ فكلما كانت روايتنا أكثر توازنا وواقعية، ازدادت قدرتنا على مواجهة الحملات الدعائية العابرة للحدود، فالكلمة قد تبني وعيًا، وقد تهدمه.
ختاماً..
الخطر الحقيقي في الإعلام لا يكمن في قوة انتشاره، بل في قدرته على تحويل الرأي إلى يقين، والانطباع إلى حقيقة، والمعلومة إلى أداة تأثير، فالحروب في المنطقة ليست فقط معارك بين جيوش ودول، بل بين روايات تتنافس على عقول الناس وذاكرتهم، والمنتصر الحقيقي هو من يملك القدرة على إقناع جمهوره لا على إخضاع خصمه. ومع تسارع التطورات الجيوسياسية، يبدو أن معركة الروايات ستظل قائمة، ما دام كل طرف يسعى لصياغة نسخته الخاصة من الحقيقة، وفي هذه المعركة الصامتة، لا تقل الكلمة عن الرصاصة أثراً، ولا تقل الصورة عن المدفع صوتاً.






